عزيزي صاحب الظل الطويل،
مرّ الكثير من الوقت منذ آخر مرة كتبت إليك فيها، وصدقًا، كنت قد عاهدت نفسي ألّا أتحدث إليك مرة أخرى، لكن...
ازدحم القلب، وضاقت خزائن الصمت بما أودعته فيها، فمددت يدي إلى قلمي، كأنني أستردّ من الغياب حقًّا قديمًا في البوح.
ما أغرب المرء يا سيدي؛ يمضي شطرًا من عمره يلتمس مأمنًا يأوي إليه إذا أعياه الترحال، ثم يقضي الشطر الآخر يتعلّم كيف ينجو حين تخذله المرافئ.
ولعلّي لم أكتب إليك لأحكي شيئًا، بقدر ما كتبت لأن في النفس حديثًا لو ظلّ حبيسها، لأصبحتُ غريبةً حتى عن نفسي.
أكتب إليك في مساءٍ ماطر، وقد آويت إلى ظلّ شجرة الرمان العتيقة، أُدثّر جسدي بثوبي الأسود، وأُصغي إلى المطر وهو يقرع الأرض . أمامي ورقة صفراء أكل الدهر أطرافها، أسطّر ما عجزت عن قوله طوال هذه الأعوام، فيما تتساقط قطرات الماء عن الأغصان، وتتهادى حبات الرمان فوق رأسي كقلوبٍ نضجت، ولمّا آن أوان قطافها، وجدت نفسها وحيدةً على الشجر.
ولست أدري، يا سيدي، أكان المطر يستدرّ ما تبقّى في عينيّ، أم أن للسماء أحزانًا لا تجد لها سبيلًا إلى الأرض إلا بالبكاء.
لقد تبدّلت أشياء كثيرة منذ آخر عهدٍ بيني وبينك، حتى إنني أحيانًا أحنّ إلى تلك التي كنّاها، لا لبراءتها وحدها، بل لجهلها بما تخبّئه لها الأيام. كم كان العالم رحبًا حين كنّا نظنّ أن الطيبة تُورث الطمأنينة، وأن القلوب التي تمنح المودّة لا تعود يومًا غريبةً على أبواب من أحبّت.
أما الآن، فقد تعلّمت من العمر ما لم أكن أودّ تعلّمه؛
تعلمت أن بعض الخيبات لا تُحدث ضجيجًا حين تحلّ بنا، وإنما تستقرّ في أعماقنا في هدوء، ثم لا نلبث أن نكتشف أننا صرنا نحملها في هيئاتنا، وفي حذرنا من الكلمات، وفي تلك المسافة التي نتركها بيننا وبين كل ما نحبّ، خشية أن نُؤخذ منه على حين غفلة.
وأشدّ ما يؤسفني يا سيدي، أن المرء قد يبلغ من الصبر مبلغًا يُثنى عليه الناس لأجله، بينما لا يعلم أحدٌ كم مرّةً احتاج فيها إلى أن يضع حمله، وكم مرّةً ابتلع فيها غصّته لأن المقام لم يكن يتّسع لدمعة، أو لأن كرامته أبت عليه أن يستجدي حنانًا ظنّه يومًا من حقّه.
ولقد بتّ أخشى أن تُصبح النجاة حيلتي الوحيدة، وأن أمضي في الحياة أجيد الإفلات من كل ما يؤذيني، حتى أنسى كيف أطمئنّ إلى ما لا يؤذيني. فما أقسى أن يتعلّم القلب الحذر بعد طول أُنس، وأن يغدو التماس السكينة ضربًا من المجازفة، وأن يقف المرء على عتبة ما يألفه، متردّدًا بين شوقه إليه وخشيته منه.
لا أدري إن كنت سأكتب إليك مرة أخري، لكنني أعلم أنني هذه الليلة احتجت إلى أن أكون أنا، دون أن أضطر إلى التظاهر بأنني بخير.
- لـ بـسـمـة جـمـعـة الـقـاضـي
#بـسـمـة_جـمـعـة_الـقـاضـي