حوار صحفي مع الكاتب || ناظم نور الدين

ناظم نور الدين ل"قعدة مبدعين" :البيئة الصعيدية منحتني حساسية خاصة تجاه الكلمة التي شكلت قاموسي الخاص الذي لا أعتقده يشبه أحدًا غيري ... حوار خاص


في زمن تتسارع فيه إيقاعات الحياة وتلهث خلف السطحي والعابر، وحدهم"المبدعون" من يملكون ترف التوقف، لإعادة طرح الأسئلة الكبرى، والبحث عن الإنسانية الضائعة بين زحام الواقع وتناقضاته...في ضيافتنا اليوم، نلتقي بصوت تجعلك طريقته في الحكي والتجريب على الإنصات طويلًا؛ فمن قمم الشعر العامي المهتمة بهموم الناس وأشواقهم، إلى فضاءات المسرح التجريبي والغنائي حيث تُصنع العوالم وتُستنطق الذاكرة والتراث بروح عصرية نابضة.
ضيفنا هو الشاعر والكاتب المسرحي ناظم نور الدين، القادم من سحر بني سويف إلى رحابة القاهرة، والباحث الدائم عن صيغ فنية ترفض الإجابات الجاهزة؛ صاحب البصمة المميزة في عروض أثارت الشجن والفكر، وخطوات واثقة بين دلالات الدواوين وسحر الخشبة.
في هذه "القعدة" الخاصة.. نفتح الباب على مصراعيه لأسئلة الإبداع، ونتأمل معًا كيف يترجم الكاتب نبض الشارع إلى نص مسرحي، وكيف يغزل الشاعر من وجع الناس سفرًا للنبوة والدهشة.



1-ناظم نور الدين، اهلا بك في قعدة مبدعين، هل يمكن أن تعرف رواد المجلة عنك عن قرب ؟


أهلًا بيكم، وشكرًا على الاستضافة الجميلة. أنا ناظم نور الدين، شاعر وكاتب ومخرج مسرحي، ابن بني سويف، والمقيم في القاهرة، لكني أعتقد إن الإنسان مش مجرد مكان اتولد فيه أو مكان بيعيش فيه؛ هو كمان مجموع الحكايات اللي سمعها، والوجوه اللي قابلها، والأسئلة اللي فضلت جواه من غير إجابات
بدأت علاقتي بالشعر منذ أن كنت في الثامنة من عمري كوني كنت ابنا لشاعر وسياسي كان له مريدوه وتلامذته فوجدت جميع الأجواء التي ساعدت على تشكيل خيال الطفل الموجود آن ذاك ومع الوقت تطورت علاقتي بالشعر من انشغالي بالإنسان، بلغته البسيطة والمعقدة في الوقت نفسه، بأحلامه الصغيرة اللي ممكن تكون أكبر من العالم، وبالهزائم اللي أحيانًا ما بيعرفش يحكيها إلا في أغنية أو حكاية. ولي ديوان مطبوع بعنوان «سِفر النبوّة»، الفائز في جائزة أحمد فؤاد نجم لشعر العامية المصرية سنة 2017، وديوان مسموع بعنوان «غنا الناس الغلابة» عبر تطبيق «اسمع كتاب»، إلى جانب أعمال شعرية وروائية ومسرحية وأيضا كتابات تلفزيونية وسينمائية أخرى أعمل على استكمالها
أما المسرح، فهو بالنسبة لي مساحة أوسع لاختبار الأسئلة نفسها، لكن بأدوات مختلفة؛ فالكلمة فيه لا تعيش وحدها، وإنما تتجسد في جسد وصوت وحركة وإضاءة وصمت. اشتغلت على الكتابة والإخراج في تجارب متنوعة، من المسرح الغنائي إلى التجريب وإعادة قراءة التراث، ومن بينها «الجازية الهلالية»، و«العائدون من هناك»، و«موسم زراعة البانيه»، و«معضلة الكراسي الموسيقية».
لا أستطيع أن أقول إنني وصلت إلى صيغة نهائية تخصني، وربما لا أريد ذلك أصلًا. ما يشغلني هو أن أظل في حالة بحث، وأن تكون كل تجربة جديدة قادرة على مفاجأتي قبل أن تفاجئ المتلقي.

2-كيف شكلت بيئة بني سويف ثم الانتقال إلى القاهرة تجربة ناظم الشعرية ؟


بني سويف منحتني الاقتراب من الحكاية في صورتها الأولى؛ من الناس وهمومهم وتفاصيل حياتهم، ومن اللغة وهي تُقال بعفوية من غير أن تفقد قدرتها على التعبير عن أعمق المشاعر. في المكان الذي يبدو بعيدًا عن صخب المركز، تكتشف أن الإنسان يحمل داخله عالمًا كاملًا، وأن التفاصيل التي قد يمر عليها الآخرون باعتبارها عادية، يمكن أن تكون مادة خصبة للشعر والمسرح.
وأظن أن البيئة الصعيدية منحتني حساسية خاصة تجاه الكلمة التي شكلت قاموسي الخاص الذي لا أعتقده يشبه أحدًا غيري وأيضا تجاه الحكاية الشفاهية، والموروث الشعبي، والإيقاع الكامن في الكلام اليومي، لكنها لم تكن بالنسبة لي حدودًا ينبغي أن أبقى داخلها، بل كانت نقطة انطلاق أرى منها العالم.
أما القاهرة، فقد وضعتني أمام أسئلة أخرى؛ أسئلة المدينة الكبيرة، والتناقضات الاجتماعية، والعلاقات المتشابكة، والاختلاف الهائل بين عوالم قد لا يفصل بينها سوى شارع واحد. وفي القاهرة اتسعت دوائر الاحتكاك والتجريب، وأصبح من الضروري أن أراجع ما أكتبه، وأن أختبره خارج حدود تجربتي الشخصية.
لكنني لا أحب الفصل الحاد بين المكانين، كأن بني سويف هي الذاكرة والقاهرة هي الوعي، أو كأن الأولى تمنح الأصالة والثانية تمنح الحداثة. المسألة أعقد من ذلك. أنا أحمل المكانين داخلي، وأحاول ألا أتعامل مع أيٍّ منهما باعتباره صورة مكتملة أو حقيقة نهائية. فالإنسان الذي أكتب عنه قد يسكن قرية، لكنه يحمل أسئلة العالم كله.



3- المحطة التي توّجت رحلتك الشعرية بجائزة أحمد فؤاد نجم الكبرى عام 2017 عن ديوان "سِفر النبوّة".. كيف تقرأ أثر هذا التتويج في مسيرتك؟


كانت جائزة أحمد فؤاد نجم لشعر العامية المصرية سنة 2017 محطة مهمة في رحلتي، ليس فقط لأنها منحت ديوان «سِفر النبوّة» تقديرًا مستحقًا، وإنما لأنها جاءت من جائزة تحمل اسم شاعر استطاع أن يجعل العامية المصرية لغة شعرية قادرة على الاشتباك مع السياسة والتاريخ والحياة اليومية، من غير أن تفقد روحها الشعبية أو طاقتها الفنية.
بالنسبة لأي كاتب، الاعتراف مهم؛ لأنه يمنحه قدرًا من الثقة، ويفتح أمام عمله أبوابًا ربما كانت ستظل مغلقة. لكنني أعتقد أن الخطر يبدأ حين يتحول التقدير إلى معيار وحيد يقيس به المبدع قيمة ما يكتبه بعد ذلك.
الجائزة لا تعفي صاحبها من الشك، ولا تمنحه ضمانة بأن أعماله التالية ستكون أفضل. على العكس، هي تضعه أمام مسؤولية إضافية؛ أن يظل جديرًا بالبحث، لا أن يكرر التجربة التي نالت الإعجاب.
وأنا ممتن لهذه المحطة، لكنني لا أتعامل معها باعتبارها نهاية رحلة أو قمة لا ينبغي تجاوزها. «سِفر النبوّة» كان كتابًا من كتب الرحلة، وليس الرحلة كلها. وما زلت أرى أن النص الذي لم أكتبه بعد هو الاختبار الحقيقي لأي نجاح سابق وكما قال الشاعر التركي ناظم حكمت: "الأفضل لم يأت بعد"، وبمناسبة ذِكر ناظم حكمت فهو من تمت تسميتي ناظم تيمنا به.


4-تجربتك في ديوان "غنا الناس الغلابة" عبر الإصدار الصوتي تعكس رغبة واضحة في كسر القوالب التقليدية لنشر الشعر وإيصاله لجمهور أوسع.. إلى أي مدى تراهن على الوسائط المتعددة لخلق علاقة جديدة وحية بين الشاعر والمتلقي؟

أعتقد أن علاقتنا بالشعر تحتاج إلى أن تتحرر من الفكرة التي تحصره في الكتاب المطبوع، من دون أن يعني ذلك التقليل من قيمة الكتاب. فلكل وسيط إمكاناته الخاصة، ولكل تجربة ما يناسبها من طرق الوصول إلى المتلقي.
في «غنا الناس الغلابة» كان الإصدار الصوتي محاولة للاقتراب من طبيعة الشعر نفسه؛ فالشعر، قبل أن يستقر على الورق، كان صوتًا وإيقاعًا وإنشادًا، وكانت الكلمة تصل إلى الناس عبر الحنجرة والمجالسة والحكي. لذلك فإن عودة القصيدة إلى الصوت ليست بالضرورة مغادرة للكتاب، بل استعادة لأحد منابع الشعر الأولى، مع الاستفادة من الوسائط الحديثة.
الوسيط الصوتي يتيح للمتلقي أن يصاحب القصيدة في أثناء يومه، وأن يسمع إيقاعها ونبرتها، وأن يقترب من موسيقاها الداخلية بطريقة قد تختلف عن القراءة الصامتة. لكنه في الوقت نفسه يفرض على الشاعر مسؤولية؛ لأن الأداء قد يمنح النص حياة إضافية، وقد يطغى عليه إذا لم يكن الاختيار واعيًا.
أنا لا أراهن على التكنولوجيا باعتبارها قيمة في ذاتها، ولا أعتقد أن مجرد استخدام وسيط حديث يجعل العمل أكثر حداثة. السؤال الحقيقي هو: هل استطاع الوسيط أن يخلق علاقة أعمق بين النص والمتلقي؟ وهل وصلنا إلى أشخاص لم تكن تصل إليهم القصيدة من قبل؟
إذا كانت الإجابة نعم، فهذه مساحة تستحق التجريب. وأتمنى أن تكون علاقتنا بالوسائط المتعددة قائمة على توسيع جمهور الشعر، لا على تحويله إلى محتوى سريع الاستهلاك يفقد أثره بمجرد انتهاء المشاهدة أو الاستماع.



5-كيف ترى موقع الشعر العامي اليوم في التعبير عن أشواق الإنسان وأسئلته الوجودية؟


الشعر العامي بالنسبة لي ليس مجرد اختيار لغوي، وإنما اختيار لطريقة في الاقتراب من العالم. هو اللغة التي يستطيع الإنسان أن يبوح بها من غير أن يشعر أنه مطالب بارتداء ثوب آخر كي يكون جديرًا بالتعبير عن نفسه.
لكنني أرفض حصر العامية في اليومي المباشر، أو اعتبارها لغة النكتة والموقف العابر والانفعال السريع فقط. العامية قادرة على حمل الأسئلة الوجودية الكبرى، وعلى التعبير عن الموت والحب والفقد والحرية والعدالة والخوف من العدم، مثلها مثل أي لغة أخرى، بشرط أن يمتلك الشاعر الأدوات الفنية التي تحوّل التجربة إلى شعر.
المسألة ليست أن نكتب بالعامية لأن الناس يتحدثون بها، وإنما أن نكتشف داخل هذه اللغة طاقاتها الجمالية والفكرية، وأن نمنحها فرصة الذهاب إلى مناطق لم نعتد أن نراها فيها.
وفي المقابل، لا ينبغي أن نتعامل مع العامية باعتبارها قيمة مضمونة لمجرد أنها قريبة من الناس. القرب اللغوي لا يعني بالضرورة صدق التجربة، والبساطة ليست بديلًا عن العمق. قد تكون القصيدة مكتوبة بمفردات شديدة القرب من الشارع، لكنها لا تقول شيئًا يتجاوز سطح الكلام.
أتصور أن مستقبل الشعر العامي مرهون بقدرته على الجمع بين جذوره الشعبية ووعيه الفني، وبين خصوصيته المصرية وقدرته على مخاطبة الإنسان في أي مكان. فالإنسان لا يصبح عالميًا حين يتخلى عن لهجته، وإنما حين يعثر في خصوصيته على ما يستطيع الآخرون التعرف عليه والشعور به.


6-يمتد مشروعك المسرحي بين التجريب، والمسرح الغنائي، والاشتباك مع التراث المصري وإعادة قراءته بمعطيات العصر كما في «"لجازية الهلالية" و"موسم زراعة البانية".. كيف تنظر إلى دور المخرج والكاتب في إعادة اكتشاف التراث دون الوقوع في فخ النمطية أو التكرار؟

أتعامل مع التراث باعتباره مادة حية قابلة للحوار، وليس متحفًا ينبغي أن نحافظ على معروضاته من دون أن نلمسها. التراث ليس بريئًا من التاريخ، وليس كتلة واحدة متجانسة؛ داخله قيم إنسانية عظيمة، وداخله أيضًا تصورات وأسئلة وتناقضات تحتاج إلى إعادة نظر. ومن هنا تأتي مسؤولية الكاتب والمخرج في اختيار ما يريدان استعادته، وكيفية استعادته، ولماذا يفعلان ذلك الآن.
في "الجازية الهلالية" كان الاشتباك مع الموروث الشعبي محاولة لاستكشاف إمكاناته المسرحية، وما يحمله من طاقة حكائية وشعرية وغنائية، بعيدًا عن التعامل معه بوصفه حكاية مكتملة لا تحتاج إلى مساءلة كما يناقش من خلال مفهوم نسوي كيف كان للسيرة بطلاتها من خلال المفارقة بين دور الجازية ودور الفتاة المعاصرة التي تحدت سطوة الحكاية الرسمية على لسان راوي السيرة بأن تجعل المباراة دائرة بين حكيها عن الجازية الهلالية وسعدى بنت الزناتي بينما يحكي راوي السيرة عن أبو زيد ودياب والزناتي خليفة.
أما "موسم زراعة البانية"، فينطلق من بيئة القرية، لكنه يشتبك مع قضايا معاصرة تتعلق بالتكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي، وكيف يمكن لهذه الوسائل أن تعيد تشكيل الوعي والعلاقات داخل المجتمع. هنا لا أريد أن أقدم القرية باعتبارها مكانًا نقيًا في مواجهة مدينة فاسدة، ولا أن أتعامل مع التكنولوجيا باعتبارها شرًا مطلقًا؛ ما يهمني هو الإنسان حين يجد نفسه أمام أدوات جديدة لا يمتلك دائمًا الوعي الكافي بالتعامل معها.
وأعتقد أن دور المخرج لا يقل أهمية عن دور الكاتب في هذه المسألة. فالنص قد يستدعي التراث بالكلمة، لكن العرض يستطيع أن يعيد اكتشافه من خلال الجسد والإيقاع والموسيقى والصورة والفضاء المسرحي.
التجديد لا يعني أن نضع مفردات حديثة فوق حكاية قديمة، ولا أن نستخدم الموسيقى الشعبية باعتبارها زينة فولكلورية. التجديد الحقيقي يبدأ حين نكتشف أن التراث نفسه يطرح أسئلة لا تزال حاضرة، ثم نمتلك الجرأة على إعادة صياغتها بلغة عصرنا.



7-حصلت على العديد من الجوائز المرموقة في التأليف والإخراج المسرحي عبر محطات متنوعة مثل" الدوق الشارد"، "هاملت وأشباحه"، ووصول "الحيوان الفائز" لقائمة مهرجان القاهرة التجريبي. هل تعتقد أن المسرح التجريبي اليوم قادر على اشتقاق لغة جماهيرية تلامس هموم الشارع المصري بصدق؟


بالتأكيد يستطيع، لكنني أتحفظ على افتراض أن التجريب والجماهيرية نقيضان بالضرورة. أحيانًا نتعامل مع التجريب باعتباره لغة مغلقة على أصحابها، ومع المسرح الجماهيري باعتباره مسرحًا ينبغي أن يتخلى عن أسئلته الفنية حتى يصل إلى الناس. وأعتقد أن هذا التقابل يحتاج إلى مراجعة.
التجريب، في جوهره، هو البحث عن صيغة جديدة للتعبير حين تصبح الصيغ المألوفة عاجزة عن استيعاب التجربة. وقد يكون هذا البحث في البناء الدرامي، أو في علاقة الممثل بالمتفرج، أو في استخدام الفضاء، أو في توظيف الموسيقى والصورة والحركة. لكن كل هذه الوسائل تفقد معناها إذا تحولت إلى استعراض تقني لا يخدم جوهر العمل.
في تجربتي، سواء من خلال "الدوق الشارد" و"هاملت وأشباحه" أو "الحيوان الفائز"، أتعامل مع الكتابة المسرحية باعتبارها محاولة لاكتشاف زاوية مختلفة للنظر إلى الإنسان والعالم. والجوائز التي حصلت عليها بعض هذه الأعمال، أو التقدير الذي نالته، تمثل محطات أعتز بها، لكنها لا تحسم وحدها مسألة نجاح التجربة فنيًا أو قدرتها على الوصول إلى جمهور أوسع.
المعيار عندي ليس أن يفهم كل متفرج كل شيء بالطريقة نفسها، وإنما أن يشعر بأن ما يحدث على الخشبة يعنيه، حتى لو اختلفت قراءته لما يراه. قد يكون العرض صعبًا في بعض مستوياته، لكنه يظل قادرًا على خلق علاقة وجدانية وفكرية مع المتلقي.
المسرح التجريبي لا يحتاج إلى تبسيط أسئلته حتى يصبح جماهيريًا، بل يحتاج إلى أن يبتكر طرقًا أكثر حيوية لطرح هذه الأسئلة. فالجمهور المصري ليس كتلة واحدة، ولا يمكن اختزاله في ذائقة واحدة أو مستوى واحد من التلقي. وما نحتاجه هو تنوع حقيقي في أشكال المسرح، يتيح للناس فرصًا متعددة للاكتشاف والمشاركة.


8- إلى أي مدى يمثل المسرح بالنسبة لك مرآة للشارع ومختبرًا لطرح الأسئلة الصعبة التي تتجاوز الإجابات الجاهزة؟


أحب وصف المسرح بأنه مختبر أكثر من كونه مرآة؛ لأن المرآة قد توحي بأن مهمتنا هي نقل الواقع كما هو، بينما المسرح يعيد تشكيل الواقع ويضع عناصره في علاقات جديدة، تكشف ما قد لا ننتبه إليه في الحياة اليومية.
الشارع مصدر أساسي للكاتب، لكنه ليس النص نفسه. نحن نلتقط منه الحكايات واللغة والتناقضات والشخصيات، ثم نعيد تركيبها داخل بناء فني له منطقه الخاص. ولو اكتفينا بنقل ما يحدث في الشارع، لأصبحنا شهودًا على الواقع أكثر من كوننا مبدعين يعيدون التفكير فيه.
ما يهمني في المسرح هو قدرته على وضع الإنسان أمام نفسه. أن نرى شخصيات نختلف معها، لكننا نكتشف داخلها شيئًا منا؛ أن نواجه سؤالًا أخلاقيًا لا نملك تجاهه إجابة مريحة؛ وأن نكتشف كيف يمكن للإنسان أن يكون ضحية وجانيًا في الوقت نفسه، أو أن يحمل داخل موقف واحد دوافع متناقضة.
لا أعتقد أن وظيفة الفن أن يقدم للناس إجابات نهائية، أو أن يتعامل معهم باعتبارهم بحاجة إلى من يلقنهم الصواب والخطأ. الفن الذي يثق في نفسه يستطيع أن يترك السؤال مفتوحًا، لا لأنه عاجز عن الإجابة، بل لأنه يدرك أن بعض الأسئلة لا تنتهي بانتهاء العرض.
وفي النهاية، أنا لا أبحث عن مسرح يرضي الجمهور أو يصدمه لمجرد الإرضاء أو الصدمة. أبحث عن مسرح يترك أثرًا، يجعل المتفرج يعود إلى حياته وفي ذهنه شيء لم يكن موجودًا قبل دخوله القاعة، أو شيء كان موجودًا لكنه لم ينتبه إليه من قبل


9-إلى جانب إبداعك الفردي، تعرف بانخراطك الواسع في دعم الحركة المسرحية المستقلة وخلق مساحات للأجيال الجديدة.. كيف تصف واقع المسرح المستقل اليوم، وما الذي تحتاجه المواهب الشابة لتثبت أقدامها وسط التحديات الإنتاجية والفنية؟



المسرح المستقل يمتلك طاقة حقيقية على التجريب واكتشاف المواهب، لكنه يعمل في كثير من الأحيان داخل ظروف لا تتناسب مع حجم هذه الطاقة. هناك شباب لديهم أفكار ورغبة في العمل واستعداد لبذل مجهود كبير، لكنهم يصطدمون بمشكلات التمويل، وتوفير أماكن التدريب والعرض، وارتفاع تكاليف الإنتاج، وضعف فرص الاستمرار بعد انتهاء المشروع الأول.
وأعتقد أن من أخطر ما يواجه التجارب الشابة أن تتحول كل تجربة إلى بداية من الصفر؛ مجموعة تجمع نفسها، وتبذل جهدًا كبيرًا لإنتاج عرض، ثم تتفرق بعد انتهائه لأن لا توجد بنية تسمح لها بالاستمرار أو تطوير أدواتها. المشكلة هنا ليست في نقص المواهب وحده، بل في غياب منظومة متكاملة تساعد الموهبة على النمو.
من هنا تأتي أهمية العمل الجماعي وبناء المساحات التي تتيح للأجيال الجديدة أن تتعلم من بعضها، وأن تتبادل الخبرات، وأن تجد فرصًا حقيقية للممارسة، لا مجرد المشاركة الشكلية في الفعاليات.
من خلال تجربتي في العمل المسرحي، واهتمامي بتكوين مجموعات تتيح للفنانين فرصًا للتجريب والتعلم، أرى أن تأسيس فرقة أو مشروع ثقافي لا ينبغي أن يكون غايته إنتاج عرض واحد، بل خلق بيئة يمكن أن تنمو داخلها تجارب متعددة.
وهذا ما يرتبط بفكرة "مشروع كشري" و"فرقة 5 سبتمبر لفنون الأداء"، التي أطمح من خلالها إلى الإسهام في بناء مساحة للعمل وتبادل الخبرات بين الأجيال، انطلاقًا من إيماني بأن الفن لا يستمر بجهد الفرد وحده.
الشباب يحتاجون إلى التدريب، وإلى فرص العرض، وإلى الدعم الإنتاجي، لكنه يحتاج أيضًا إلى الثقة وإلى الحق في ارتكاب الأخطاء والتعلم منها. وفي المقابل، لا بد من الاعتراف بأن الشغف وحده لا يصنع مسرحًا مستمرًا؛ نحن بحاجة إلى إدارة واعية، وتخطيط، وشراكات، ونظرة إلى الثقافة باعتبارها استثمارًا في المجتمع، لا مجرد نشاط ترفيهي يمكن الاستغناء عنه

10-ما هي مشاريعك القادمة، ومتى ستظهر إلى النور ؟


هناك أكثر من مسار أعمل عليه، وأحاول ألا أحصر نفسي في جنس أدبي واحد. على المستوى الشعري، لدي ديوان "التفاحة" وديوان "أنشودة الفامباير" تحت الطبع، إلى جانب مشروع روائي بعنوان "الريس تاج"، وهي أعمال أطمح إلى أن تجد طريقها إلى القارئ في صورتها المناسبة، كما أعمل على كتابة أغاني مرتبطة بالواقع والحياة.
أما على المستوى المسرحي، فما زلت مشغولًا بتطوير تجارب تنطلق من أسئلة الإنسان والذاكرة والواقع، ومن بينها مشروع "لاعب النرد"، الذي أتصوره عرضًا يستلهم أسئلة محمود درويش في "لاعب النرد" و"الجدارية"، ويتقاطع معها في حوار فني، مع البحث عن فضاء مسرحي غير تقليدي يسمح بتغيير علاقة المتفرج بالعرض
وهناك أيضًا مشروع "سيرة إنسان"، الذي أفكر فيه بوصفه رحلة عبر شخصيات من الذاكرة الأدبية والشعبية المصرية، من أحمد سماعين إلى حراجي القط وإبراهيم أبو العيون، في محاولة لخلق حوار بين عوالم أدبية تنتمي إلى نسيج إنساني واحد.
لكنني لا أحب الإعلان عن مواعيد لا أضمنها، ولا أرى أن كثرة المشروعات في حد ذاتها إنجاز. الفكرة قد تبدأ في لحظة، لكنها تحتاج إلى وقت طويل من الكتابة والمراجعة والتجريب حتى تصل إلى شكلها الذي تستحقه. ما أستطيع قوله إنني أعمل على أن يكون القادم امتدادًا لرحلة البحث، لا مجرد تكرار لما سبق، كما انتهيت من كتابة نصين غنائيين جديدين هما "إعادة ضبط المصنع" و"أليس في بلاد العجائز" وبالنسبة إلي المواعيد المحددة
فيمكنني قول أن عرض "مملكة السكر" تأليفي وإخراجي سيشارك في مهرجان القاهرة الدولي للطفل العربي في الفترة من ١٠ ل ١٥ نوفمبر بطولة الفرقة القومية لمسرح الطفل ببني سويف .


كما أعمل على إنتاج ألبوم غنائي يحمل اسم "مافيوزو فامباير" وسيكون بصوتي ليس باعتباره صوت طربي ولكن أعتمد عليه كأداة للتعبير عن الحالات الغنائية المختلفة داخل الألبوم والتي تطرح موضوعات مختلفة عن السائد في الأغنية الموجودة وتشتبك مع أسئلة فلسفية واجتماعية ولكن أتناولها بشكل تعبيري يتناسب مع الذوق العام وأتمنى أن يكون له حظ في لفت انتباه الجمهور وأن يعجبهم. 

11- الإمتنان من المبدعين كما أنه من أشكال الحمد ف"من لا يشكر الناس لا يشكر الله".. لمن تمتن في مشوارك الأدبي؟


أمتن لكل إنسان منحني فرصة حقيقية، ولكل من آمن بموهبتي في مرحلة كنت لا أزال أختبر فيها قدرتي على الاستمرار. أمتن لأهلي ولكل من تحملوا معي مشقة الطريق، وللأصدقاء والزملاء الذين شاركوني تجارب الكتابة والمسرح، وللممثلين والفنانين الذين منحوا الكلمات أجسادهم وأصواتهم، فصارت شيئًا آخر غير ما كتبته على الورق.
لكنني أعتقد أن الإمتنان لا ينبغي أن يتحول إلى مجاملة اجتماعية، ولا أن يمنعنا من رؤية الأشياء بوضوح. هناك أشخاص نتعلم منهم بالمحبة، وآخرون نتعلم منهم بالاختلاف، وربما نتعلم أحيانًا من تجربة لم تكتمل أو فرصة لم تأتِ كما تمنينا.
وأمتن لكل من قرأ لي بصدق، أو شاهد عرضًا من عروضي ثم ناقشني فيما رآه، حتى لو اختلف معي. فالفن لا ينمو في مساحة التصفيق وحدها، بل يحتاج إلى الحوار والنقد والقدرة على مراجعة الذات.
وأخيرًا، أمتن لكل من جعلني أرى أن الكتابة ليست فعلًا فرديًا خالصًا كما تبدو؛ فالكاتب يجلس وحده أمام الورقة، لكنه يحمل معه أصواتًا كثيرة، وتجارب لم يعشها كاملة، وحكايات ائتمنه أصحابها عليها، ثم تركوا له مسؤولية أن يحولها إلى فن من غير أن يخون حقيقتها الإنسانية.
أما لو كنت سأختار أسماء أدين لها بالشكر والامتنان فسيكون أول الأسماء أبي رحمة الله عليه الشاعر نور الدين سيد وهو معلمي الأول ومثلي الأعلى الوحيد في هذه الحياة ثم أستاذي عليه رحمة الله الشاعر والكاتب والمخرج المسرحي علاء المصري أول من آمن بموهبتي بشكل عملي وهو أول من ساعدني على الانتقال للقاهرة والاحتكاك والممارسة من خلال دعمه الدائم لي فور تخرجي ولكن لم يحالفني الحظ لمواصلة هذا الدعم لإستشهاد علاء المصري بحريق قصر ثقافة بني سويف في 5 سبتمبر 2005 وهو التاريخ الذي يحمله اسم فرقتي المستقلة لفنون الأداء تخليدًا لذكرى كل من فارقونا بسبب هذا الحادث الأليم.



12-هل تعتقد أن الكاتب المسرحي أو الأديب الشاب اليوم يمتلك منصات كافية للتعبير عن صوته، أم أن الطريق ما زال محفوفًا بالتحديات؟


لدينا اليوم منصات أكثر من أي وقت مضى، لكن كثرة المنصات لا تعني بالضرورة توافر فرص عادلة. أصبح من الممكن أن ينشر الكاتب نصه، وأن يصل إلى جمهور عبر الإنترنت، وأن يعرض تجربته خارج المؤسسات التقليدية، لكن السؤال هو: ماذا يحدث بعد الوصول الأول؟ وهل يستطيع أن يحول هذا الوصول إلى مسار إبداعي مستمر؟
هناك فرق بين أن تكون قادرًا على نشر نصك، وأن تجد من يقرأه قراءة جادة، وبين أن تعرض عملك مرة، وأن تتاح لك فرصة تطويره وتقديمه لجمهور مختلف. وفي المسرح تحديدًا، لا تكفي المنصات الرقمية؛ لأن العمل يحتاج إلى ممثلين وبروفات ومساحة وتجهيزات وإنتاج، وهي كلها عناصر تتطلب موارد لا يوفرها مجرد النشر الإلكتروني.
كذلك فإن منطق المنصات الرقمية قد يفرض أحيانًا إيقاعًا سريعًا على المبدع، يدفعه إلى التفكير فيما يحقق الانتشار الفوري أكثر مما يفكر فيما يستحق أن يُكتب. وهذا لا يعني أن الوسائط الجديدة مشكلة في ذاتها، لكنها تخلق تحديات مختلفة، وتحتاج إلى وعي حتى لا يصبح عدد المشاهدات بديلًا عن القيمة الفنية.
أرى أننا بحاجة إلى منظومة تجمع بين حرية النشر، وعدالة الفرص، والنقد الجاد، ودعم الإنتاج، ووجود مؤسسات ومساحات تحتضن المواهب من دون أن تفرض عليها قالبًا واحدًا. فالكاتب الشاب لا يحتاج فقط إلى منصة يتحدث من خلالها، بل يحتاج إلى بيئة تسمح لصوته بأن ينضج، حتى لو لم يكن صوته الأكثر صخبًا أو انتشارًا.
13-لكل كاتب طقوس خاصة تسبق خروج النص إلى النور.. ما هي الأجواء التي يفضلها ناظم نور الدين ليجلس ويبدأ صياغة نصه الجديد ؟

لا أحب أن أتعامل مع الكتابة باعتبارها طقسًا مقدسًا له شروط ثابتة؛ لأنني أظن أن الإفراط في انتظار اللحظة المناسبة قد يتحول أحيانًا إلى حيلة نؤجل بها المواجهة الحقيقية مع الورقة.
بالنسبة لي، البداية غالبًا ما تكون من سؤال أو صورة أو موقف لا يتركني وشأني. قد أجد نفسي مشغولًا بجملة سمعتها في الشارع، أو شخصية مرت في حياتي، أو تناقض أراه في الواقع، ثم أبدأ في البحث عما وراءه. أحيانًا تتضح ملامح الفكرة سريعًا، وأحيانًا تظل فترة طويلة في حالة غموض قبل أن أكتشف الشكل الذي يمكن أن أكتبها من خلاله.
وأعتقد أن الاختلاف بين الشعر والمسرح مهم هنا؛ فالقصيدة قد تبدأ من صورة أو إيقاع أو انفعال مكثف، بينما يحتاج النص المسرحي إلى اختبار الفكرة في الحركة والصراع، وإلى البحث عن شخصيات لا تكتفي بشرح الفكرة، وإنما تمتلك دوافعها الخاصة وتستطيع أن تفاجئ الكاتب نفسه.
لا أؤمن بأن النص الجيد هو النص الذي يخرج كاملًا من المرة الأولى. الكتابة في جانب كبير منها إعادة كتابة، والحذف أحيانًا لا يقل أهمية عن الإضافة. وقد تكون الجملة جميلة في ذاتها، لكنها لا تخدم النص، وحينها ينبغي أن أمتلك الشجاعة للتخلي عنها.
ربما أهم ما أحتاج إليه هو مساحة من التركيز تسمح لي بأن أستمع إلى النص، لا أن أفرض عليه منذ البداية ما أريد قوله. فالكاتب حين يعرف إجابته قبل أن يبدأ الكتابة، قد ينتهي به الأمر إلى نص يكرر أفكاره القديمة، أما حين يمنح التجربة فرصة لمقاومته، فهناك احتمال حقيقي لأن يكتشف شيئًا جديدًا.




14-هل لنا بنص من إبداعك تهديه للمجلة؟
بالطبع أهديكم قصيدة من ديواني "أنشودة الفامباير" تحت الطبع

طول عمري واقف للحياة بطولي
ومكانش موقف بطولي
كل الحكاية إنني 
معرفش مين زقني
فلاقيتني بواجهها
وأشوف بعيني وحواسي كل أوجهها
فرفضت أتراجع
فكان طبيعي مينفعشي أموت راكع
ولا ساجد
لقيتني شاعر فحولت الفضا مساجد
وصليت نعشي قدامي
أنا المصلي وأنا إمامي
وكنت القبلة ومسامي تشع الضي
أنا الشهيد اللي جاي
وأنا الشهيد الحي
صلوا لي


15-ما رأيك في هذا الحوار وفي مجلة قعدة مبدعين ؟

أعتقد أن قيمة أي حوار ثقافي لا تتوقف عند ما يقوله الضيف عن نفسه، وإنما فيما يتيحه من مساحة للتفكير والمراجعة، وفي قدرته على تجاوز الأسئلة التي تمنحنا إجابات جاهزة ومريحة.
ما أعجبني في فكرة هذا الحوار هو أنه يفتح مساحة للحديث عن الشعر والمسرح بوصفهما تجربتين متصلتين بالإنسان، لا مجرد قائمة من الأعمال والجوائز. فالمبدع ليس ما أنجزه فقط، وإنما أيضًا الأسئلة التي تشغله، والمخاوف التي يواجهها، والاختيارات التي يتخذها، وحتى الأشياء التي لا يزال عاجزًا عن حسمها.
كل الشكر والتقدير للصحفية والشاعرة يمنى أبو السباع على إدارتها المتميزة لهذا الحوار، وعلى ذكائها في اختيار أسئلة مهمة ومكثفة استطاعت أن تفتح مساحات حقيقية للنقاش، وتحيط بمختلف جوانب تجربتي الشعرية والمسرحية، دون أن تقع في فخ الأسئلة التقليدية أو الإجابات الجاهزة. لقد منحت الحوار روحًا خاصة بفضل وعيها وعمق أسئلتها وحسن إدارتها لمسارات النقاش، فكان حوارًا ممتعًا على مستوى الحديث، وثريًا على مستوى الفكرة. ممتن لهذه التجربة، وللجهد الواعي الذي بذلته أ/يمنى ليخرج الحوار بهذه الصورة.
أما عن مجلة "قعدة مبدعين"، فأرى أن وجود المساحات الثقافية التي تمنح المبدعين فرصة للحديث عن تجاربهم أمر مهم، خصوصًا في وقت أصبح فيه المحتوى سريعًا، وأحيانًا أكثر انشغالًا بالانتشار من انشغاله بالمعنى.
وقد كانت "قعدة مبدعين" مساحة للحوار الحقيقي، الذي لا يكتفي بالاحتفاء بالمبدع، بل يقترب من تجربته بالأسئلة الجادة، ويمنح القارئ فرصة للتعرف إلى ما وراء العمل الفني، وإلى الظروف والأفكار والتجارب التي ساهمت في تشكيله .
في النهاية، الثقافة لا تتقدم بالاحتفاء وحده، ولا بالنقد وحده، وإنما بقدرتهما على التعايش. وأتمنى للمجلة أن تواصل هذا الدور، وأن تظل قادرة على اكتشاف أصوات جديدة، وفتح مساحات للحوار بين الأجيال والتجارب المختلفة.
شكرًا لكم على هذه المساحة، وعلى الأسئلة التي أتاحت لي فرصة أن أتوقف قليلًا أمام رحلتي، وأن أنظر إلى ما أنجزته وما أطمح إلى إنجازه من زاوية مختلفة.


وفي نهاية هذا الحوار الثري نشكر الشاعر والكاتب المسرحي والمخرج ناظم نور الدين على صراحته ووضوحه وصدق تعبيره عن (المسميات) ...كل التقدير لترجبته وشغفه وعلى وعدٍ بالقاء آخر وإبداعات جديدة ومن مجلة قعدة مبدعين نتمنى له كل التوفيق.

حوار بقلم :يمنى أبو السباع

إرسال تعليق

أحدث أقدم