في لقاءٍ جديد من لقاءات دار "الأثر الأدبي للنشر والتوزيع"، نلتقي اليوم بأحد الأصوات الأدبية المميزة مع الكاتب " عبد الرحمن عماد الدين فوزي " ، لنتعرف عن قرب إلى رحلته مع الكتابة، وبداياته، وأبرز محطات تجربته الإبداعية، كما نسلط الضوء على أحدث أعماله الصادرة عن الدار، والرسائل التي يسعى إلى تقديمها من خلال كتاباته، ورؤيته للمشهد الأدبي، وطموحاته المستقبلية.
فإلى الحوار...
1- في البداية، نرحب بك في مجلة "قعدة مُبدعين". هل يمكن أن تعرّف القراء بنفسك، وتحدثنا عن بداياتك؟
"أهلاً وسهلاً بحضراتكم، وبقرّاء مجلة «قعدة مُبدعين» الكرام، وسعيدٌ بهذا اللقاء.
أنا عبد الرحمن عماد الدين فوزي؛ طالبٌ بكلية طب الفم والأسنان، وباحثٌ مهتم بقضايا الفكر، والدراسات الحضارية، وبناء الإنسان، وتنمية المجتمع وصناعة المستقبل.
تشرّفتُ بأن أكون فائزاً في مسابقة «تحدي القراءة العربي» في موسمها التاسع، ضمن منافسةٍ معرفية ضخمة ضمّت أكثر من 17.5 مليون طالب وطالبة، من أكثر من 30 ألف مدرسة، وبإشراف ما يزيد على 40 ألف مشرف ومشرفة. وبفضل الله، أهّلني هذا الفوز لتمثيل جمهورية مصر العربية في دولة الإمارات العربية المتحدة الشقيقة — إمارة دبي — في الفعاليات الختامية للمسابقة على مستوى الوطن العربي، وحضور الحفل الختامي في مشهدٍ مهيب برعاية وحضور صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، وبحضور أصحاب السمو الشيوخ، وأكابر الوزراء، ورجال الدولة وكبار الشخصيات.. ونكتفي بهذا القدر في التعريف؛ خشية أن يتحول الحديث إلى استعراضٍ للسيرة الذاتية.
أما عن البدايات، فالمفارقة الملهمة تكمن في أن انطلاقتي لم تكن بطلاقةٍ كما قد يظن البعض؛ إذ كنتُ في الصفين الأول والثاني الابتدائي أتلعثم وأجد مشقةً واضحة في القراءة، حتى وجّهتني معلمة اللغة العربية حينها بنصيحةٍ كانت نقطة التحول: أن أبدأ بقراءة «قصص الأنبياء» لما تمتاز به من لغة رصينة ومحتوى مصور ومبسط. عملتُ بنصيحتها، ومع كل قصة كنت أطالعها بدأت عُقدة اللسان تنحل، حتى تحوّل التلعثم تدريجياً إلى طلاقة في القراءة، ثم إلى تمكّنٍ من التحدث باللغة العربية الفصحى بسلاسة.
ومن تلك العتبة، انطلقتُ في خوض مسابقات القراءة، وتحوّل الشغف إلى مسار معرفي واسع؛ فقرأتُ في سن مبكرة أكثر من 600 كتاب توزعت على مجالات المعرفة الإنسانية المتنوعة وفق تصنيف ديوي العشري، مع تركيز خاص على أمهات الكتب الفكرية والفلسفية التي تغذي التأمل والوعي.
هذا التراكم القرائي هو الذي صقل ملكة التفكير النقدي لدي، وعمّق مهارة الكتابة؛ فلا يوجد كاتبٌ إلا وكان في أصله قارئاً نهماً. وهكذا كانت رحلتي: من طفلٍ يتهجى الكلمات بصعوبة، إلى قارئ يُمثل بلده ويصل لمنصة التتويج بين ملايين المشاركين، ثم إلى باحث وكاتب يُسخّر هذا المخزون لبناء أطروحاتٍ فكرية تسعى لإحداث الأثر."
2- كيف اكتشفت شغفك بالأدب والفكر، وما الذي دفعك إلى الاستمرار في هذا المجال؟
"بدأ شغفي مبكراً من بوابة الشعر العربي؛ كنتُ مغرماً باستظهاره وتذوقه، ولا سيما شعر أبي الطيب المتنبي، الذي أعدّه قمة الشعر العربي بلا منازع، إلى جانب أصواتٍ كبرى من امرئ القيس وعنترة وعمرو بن كلثوم، وصولاً إلى أبي العلاء المعري، وأبي تمام، وأبي العتاهية، ثم رواد الإحياء كشوقي وحافظ والبارودي. وتوازى ذلك مع غرامٍ بنفائس النثر، حيث بهرتني ديباجة مصطفى صادق الرافعي في «وحي القلم»، وبلاغة المنفلوطي، وعذوبة طه حسين.
أما ما دفعني للاستمرار، فهو اكتشافي أن الأدب ليس مجرد تزويقٍ لفظي، بل هو «الوعاء الجامع للفكر الإنساني»؛ فالأدب الحق يمتلك القدرة المدهشة على تطويع سائر حقول المعرفة — تاريخاً، وفلسفة، ونفساً، واجتماعاً. رأينا كيف وظّف طه حسين الأدب لمشاريع التنوير الفكري، وكيف سبر ديستويفسكي به أغوار النفس البشرية، وكيف صاغ كافكا من خلاله الأسئلة الوجودية، وكيف ربطه نجيب محفوظ بنبض الواقع الاجتماعي. الأدب هو الميدان الخصب الذي يتيح للفيلسوف والمفكر أن يُخاطب الوجدان والعقل معاً؛ ولذلك استمررتُ فيه كمنطلقٍ للتأمل وصناعة الوعي."
3- حدثنا عن عملك الصادر، وما الفكرة التي يقوم عليها؟
"الحقيقة أن هذا السِّفْر هو أول كتاب مطبوع يصدر لي، بعد فترةٍ كنتُ أكتفي فيها بنشر المقالات الفكرية في الصحف والمنصات؛ وهو بعنوان: «عائدٌ من المستقبل: الجذور التي صنعت القائد»، ويمثّل الجزء الأول من سلسلة حضارية مرجعية.
تقوم فكرة الكتاب على إنجاز «دراسة تأصيلية تحليلية في سيرة التكوين لا سيرة الإنجاز» لنموذج الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم. الكتاب يرفض قراءة البدايات من زاوية النتائج اللاحقة، بل يرتد خطوةً منهجية إلى الوراء متسائلاً: ما الذي كان يتشكّل في عقل القائد وبيئته قبل أن يولد المشروع؟ إنه يسبر أغوار البيئة الجغرافية، والتحولات السياسية، وذاكرة الندرة، واقتصاد الثقة في المجتمع التجاري، وثنائية الصحراء والبحر؛ ليفكك كيف تتخلّق الرؤية الاستراتيجية والإرادة القيادية في الإنسان قبل أن تتبدّى شواهدها للعيان."
4- ما الرسالة التي تحرص على إيصالها للقارئ من خلال كتاباتك؟
"رسالتي المركزية تختصرها قناعتي بأن: «الفكر هو شرط الإنسانية الأول، ومفتاح نهضة الأمم».
إنني أنطلق من يقينٍ بأن الإنسان بقدر ما يُعْمِل عقله في التفكر والتأمل، بقدر ما يرتقي في مدارج إنسانيته؛ وبقدر ما يُعطّل هذا العقل وينقاد للجمود والتبعية، يقترب من الرتابة والبهيمية التي لا تليق بكائنٍ كُرّم بالعقل. لا يمكن لأي أمة أن تنمو أو تسعد أو تبني حضارة مستدامة إلا إذا حررت إنسانها من الجهل والتقليد الأعمى. رسالتي في كل ما أكتب هي دعوةٌ مفتوحة ومستمرة لإيقاظ العقل النقدي، وبناء الإنسان المفكر القادر على الابتكار وصناعة مستقبله بيده."
5- كيف تصف أسلوبك في الكتابة، وما الذي يميزه من وجهة نظرك؟
"أصف أسلوبي بأنه ينتهج «السهل الممتنع»؛ وهو المنهج الذي استلهمته من قاماتٍ فكرية وأدبية رفيعة، وفي مقدمتهم عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين.
ما يميز هذا الأسلوب هو تحرير الأفكار الفلسفية العميقة والدراسات التأسيسية الصعبة من أسر التقعير والتعقيد اللفظي المصطنع، وصياغتها في لغة عربية فصيحة، رشيقة ومحكمة، يجد فيها القارئ المبتدئ متعة الفهم وسلاسة العبارة، ويلمس فيها الباحث المخضرم صرامة المنهج وجزالة البيان. الكاتب الحقيقي ليس من يصنع حواجز بينه وبين الناس ليدّعي العمق، بل من يملك المقدرة على إنزال الفكرة الشاهقة لتصافح عقول الجميع."
6- ما أبرز التحديات التي واجهتك خلال رحلتك الأدبية والبحثية؟
"التحديات لم تكن عقباتٍ مانعة بقدر ما كانت اختباراتٍ صقلت التجربة، ويمكن تلخيصها في أمرين رئيسيين:
* الأول: صرامة البحث والتدقيق؛ فالخوض في مشروع فكري وحضاري يتناول بناء الدولة والقيادة فرض عليّ عبء التحقق الوثائقي ومقارنة الأرشيفات التاريخية، ومقاومة إغراء السرد الإنشائي العاطفي لحساب الطرح العلمي المحايد.
* الثاني: المعادلة بين الميدانين الطبي والفكري؛ فالجمع بين متطلبات الدراسة الأكاديمية الصارمة في كلية طب الفم والأسنان، وبين عكوف الساعات الطوال على التأليف والقراءة والبحث الفلسفي، تطلّب انضباطاً ذاتياً عالياً وإدارة دقيقة للوقت والجهد."
7- كيف جاءت فكرة التعاون مع دار "الأثر الأدبي للنشر والتوزيع"؟
"جاءت الفكرة انطلاقاً من إدراكي — بوصف هذا السِّفْر عملي الأول — لأهمية اختيار دار نشر ذات ثقلٍ نوعي تستوعب طبيعة المشاريع الفكرية والتأصيلية؛ فالكتاب لا يبحث عن مجرد مطبعة، بل عن شريكٍ ثقافي يحمل الرسالة ذاتها.
خلال مرحلة البحث، حرصتُ على استشارة أهل الخبرة والاختصاص في الوسط الأدبي، وكانت المحطة الفاصلة حين استشرتُ الدكتورة هدى مصطفى، الكاتبة البارزة في أدب الطفل وذات المكانة والمهنية المرموقة؛ حيث زكّت لي دار «الأثر الأدبي» دون تردد، وتحدثت بكثيرٍ من التقدير عن رئيس مجلس إدارتها، الأستاذ الكاتب محمد الشرقاوي، وما يتحلى به من نزاهةٍ فكرية ورؤيةٍ واعية بصناعة النشر. ومن هنا وُلدت فكرة التواصل مع الدار، وبدأ أول خيوط التعاون المشترك."
8- ما الذي شجعك على اختيار دار "الأثر" لنشر أعمالك؟
"شجّعني في المقام الأول «السمعة المهنية وشهادات الكُتّاب»؛ فحين استطلعتُ تجارب المؤلفين الذين سبق لهم النشر مع دار «الأثر»، وجدتُ إجماعاً نادراً على أن الدار تنتهج فلسفة «التبنّي الكامل» للمؤلف؛ فلا تنتهي علاقتها به عند توقيع العقد، بل تحتضنه كابنٍ من أبنائها وشريكٍ في النجاح.
تأكد لديّ أن الدار تعتني بكل مفاصل العمل بصورة احترافية بالغة:
* تقف مع الكاتب في التدقيق اللغوي والمراجعة الفنية الدقيقة.
* تولي عناية فائقة لإخراج الغلاف بما يليق بمضمون الكتاب وهيبته.
* تمتلك خطة واضحة ومسؤولة في التسويق والتوزيع لتضمن وصول الفكرة إلى قارئها المستهدف.
هذا التوازن الدقيق بين الاحترافية التجارية والغيرة الصادقة على القيمة المعرفية للكتاب، هو ما منحني الاطمئنان الكامل لحسم الاختيار لصالح دار «الأثر»."
9- كيف تصف تجربتك مع دار "الأثر الأدبي للنشر والتوزيع" منذ بداية التعاون وحتى صدور الكتاب؟
"أصفها — بتجردٍ تام ودون أدنى مبالغة — بأنها تجربة نموذجية ومثالية إلى أبعد حد، وأحمد الله عز وجل على توفيقه بأن منّ عليّ بهذا التعاقد المبارك مع دار «الأثر».
لقد كانت رحلة إعداد الكتاب وصدوره تجربة بناءة وممتعة في كل مراحلها؛ تميزت بالانضباط والمهنية الرفيعة وسلاسة المتابعة. في كثير من الأحيان تصاحب إصدار العمل الأول للكاتب مشاعر قلق وتوجس من تعقيدات النشر، لكن ما لمسته مع الدار حوّل هذا القلق إلى طمأنينة وثقة واعتزاز؛ فكل خطوة كانت محسوبة ومدروسة، والتنسيق الداخلي والالتزام بالوقت كان على أعلى مستوى من الدقة والاحترافية."
10- ما أكثر ما أعجبك في أسلوب تعامل الدار مع المؤلفين؟
"أكثر ما أسرني هو «البُعد الإنساني وروح الشراكة الحقيقية»؛ فدار «الأثر» لا تتعامل مع المؤلف بوصفه مجرد اسمٍ في عقد، أو طرف في معاملة تجارية جافة، بل تحتضنه كشريك فكري ورسالي في مشروع بناء الوعي، وتشعره بأنه صار فرداً أصيلاً في أسرة الدار.
ويتجلى هذا الرقي بصورة واضحة في أسلوب رئيس مجلس الإدارة، الأستاذ الكاتب محمد الشرقاوي؛ فهو نموذج في التواضع الشديد، والأدب الجم، وحسن الخلق، والصبر النادر. يقف مع مؤلفيه كأخ أكبر ناصح وداعم؛ وكنتُ ألمس ذلك بنفسي حين أراسله كثيراً مستشيراً ومستفسراً عن أدق التفاصيل، لا سيما في المفاضلة بين خيارات الأغلفة والأمور الفنية، فكان يجيب دوماً بسعة صدر، ويوضح لي وجهة النظر المهنية بمحبة وشفافية تجعل الكاتب يشعر أن جهده في أيدٍ أمينة تحرص على نجاحه تماماً كما يحرص هو على كتابه."
11- ما أهمية وجود دار نشر داعمة في نجاح الكاتب ووصول أعماله إلى القراء؟
"أهمية بالغة ومحورية لا يمكن إغفالها؛ فالعلاقة بين الكاتب ودار النشر الرائدة ليست علاقة تبعية، بل هي «شراكة استراتيجية وتكامل حضاري»؛ فالكاتب يصنع الفكرة والروح، ودار النشر تمنحها أجنحة التحليق والوصول.
الكاتب الحقيقي يُسخّر كامل طاقته الذهنية والوجدانية لصناعة المحتوى، وتأصيل الرؤية، وتجويد الفكرة؛ وهنا تبرز الحاجة إلى دار نشر داعمة تضطلع بالمسؤوليات التي تلي اكتمال النص، وتتمثل أهميتها في أركان أساسية:
* أولاً: مظلة الثقة والرصيد القرائي: دور النشر ذات الثقل والسمعة المرموقة — كدار «الأثر» — تمتلك بالفعل قاعدة قراء عريضة وواعية تثق في ذائقتها وخياراتها الفكرية؛ فحين تتبنى الدار عملاً لمؤلف، فإنها تمنحه فرصة عادلة للظهور أمام جمهورٍ نوعي يترقب إصداراتها، وتختصر مسافاتٍ طويلة في بناء جسور التواصل بين النص والقارئ.
* ثانياً: الاحترافية الفنية التي تحفظ هيبة النص: صناعة الكتاب فنّ قائم بذاته؛ ووجود دار واعية يضمن خروج الجهد الفكري في أبهى حُلّة، بدءاً من التدقيق اللغوي الصارم، والصف والإخراج الداخلي المتقن، وصولاً إلى تصميم الغلاف بهوية بصرية تعكس عمق العمل، مما يُقدّم الكاتب للساحة الثقافية بصورة تليق بقدْره وبقيمة ما كتب.
* ثالثاً: الحضور الفاعل في المحافل والمعارض الدولية: الدار القوية تكون حاضرة في كبريات التظاهرات الثقافية، مثل: معرض القاهرة الدولي للكتاب، ومعرض الرياض، ومعرض أبوظبي، وغيرها من معارض الكتب العربية والدولية، مما يتيح للعمل الوجود في قلب المشهد الثقافي والوصول المباشر إلى جمهور متنوع في شتى الأقطار.
* رابعاً: التوزيع الشامل والانتشار الرقمي الحديث: دار النشر المتمكنة تمتلك شبكة توزيع واسعة ومنافذ بيع متفرعة، فضلاً عن شراكاتها وتعاقداتها مع المنصات والتطبيقات الرقمية لنشر الكتاب إلكترونياً، وهو ما يضمن للقارئ حول العالم — شرقاً وغرباً — إمكانية الوصول إلى الكتاب بيسر وسهولة وتجاوز الحواجز الجغرافية.
باختصار: الكاتب يغرس بذرة الفكرة ويرعاها، والدار الداعمة هي البيئة الخصبة التي تجعل هذه البذرة شجرةً وارفة الظلال، يطال أثرها وثمرها أكبر مساحة ممكنة من عقول القراء."
12- كيف كان تفاعل القراء مع كتابك بعد صدوره؟
"في الحقيقة، تم توقيع عقد النشر مع دار «الأثر الأدبي»، والكتاب حالياً في مراحله الفنية والطباعية الأخيرة ليرى النور في القريب العاجل بإذن الله، ليكون بين يدي القراء في معارض الكتاب والمنافذ المختلفة.
ورغم أن الكتاب لم يُطرح بعد في الأسواق بصورته المادية، إلا أن التفاعل المبدئي مع الإعلان عن فكرة العمل ومحاوره الأساسية كان باعثاً على التفاؤل والاعتزاز؛ حيث لمستُ ترقباً كبيراً من نخبٍ فكرية وقراء مهتمين بالدراسات الحضارية وسير التكوين القيادي، وهذا الترقب في ذاته يحمّلني مسؤولية مضاعفة بأن يكون العمل عند مستوى تطلعاتهم حين يصافح عقولهم قريباً."
13- هل تلقيت مواقف أو رسائل من القراء تركت أثراً في نفسك؟
"بما أن الكتاب سيصدر قريباً بإذن الله، فإن أكثر الرسائل التي تركت في نفسي أثراً عميقاً ومحفوراً هي تلك التي كانت تصلني من قراء مقالاتي الفكرية والفلسفية التي اعتدتُ نشرها سابقاً.
تلك الرسائل تمثل للكاتب بمثابة البوصلة والوقود الحقيقي؛ فحين يكتب إليك قارئ ليخبرك بأن مقالاً قرأه لك قد أضاء له زاوية كانت مظلمة في تفكيره، أو جعله يعيد النظر في قناعة جامدة، أو ساعده في العثور على ضالته المعرفية وتطوير ذاته، يشعر الكاتب حينها بأن جهده لم يذهب سدى. هذه الرسائل هي أعظم جائزة ينالها صاحب القلم؛ لأنها تقول لك بلغة يقينية صادقة: «أكمل مسيرتك.. فأنت تمضي على الطريق الصحيح»."
14- برأيك، ما أهم الصفات التي يجب أن يتحلى بها الكاتب الناجح؟
"الكاتب الناجح لا تصنعه الموهبة وحدها، بل تصنعه منظومة قيمية ومعرفية متكاملة، أرى أن أهم ركائزها:
* المصداقية والأمانة العلمية: أن يكون الكاتب مخلصاً للحقيقة والدليل، فلا يزيّف الوقائع، ولا يكتب ما لا يؤمن به التماساً لرضا عابر أو شهرة زائفة.
* النهم القرائي والتواضع المعرفي: لا يوجد كاتب حقيقي لا يقرأ؛ فالكتابة ثمرةٌ لامتلاء العقل، ومَن توقف عن القراءة جفّ قلمه حتماً. والكاتب الناضج يدرك دائماً أن ما يجهله أعظم مما يعلمه.
* حمل قضية ورسالة: الكتابة ليست استعراضاً لغوياً، بل هي مشروع لتنوير العقل والارتقاء بالمجتمع؛ والكاتب بلا رسالة كالمسافر بلا وجهة.
* الانضباط والصرامة في الصنعة: القدرة على الصبر والمراجعة الدؤوبة، وممارسة النقد الذاتي القاسي على نصه بحذف الزوائد وتهذيب الفكرة قبل أن تخرج إلى الناس."
15- ما النصيحة التي تقدمها للكتّاب الذين يستعدون لنشر أعمالهم الأولى؟
"نصيحتي الخالصة لهم: «إياكم والتعجل في معانقة الضوء على حساب جودة البناء».
لا تجعلوا غايتكم القصوى هي مجرد إصدار كتاب يحمل أسماءكم ليُعرض في المعارض أو يُوضع على الأرفف؛ فالكتاب الرديء عبءٌ على صاحبه قبل أن يكون عبئاً على الثقافة.
* اعكفوا على أعمالكم بالتهذيب والتدقيق، ولا تدفعوا بنصوصكم إلى المطابع إلا بعد أن تنضج وتختمر تماماً.
* اسألوا أنفسكم بصدق وتجرد: ما الإضافة الحقيقية التي سيقدمها هذا العمل للمكتبة العربية ولعقل القارئ؟
* ابنوا عملاً يليق باحترامكم لذواتكم، ويليق بذائقة القارئ الواعي، ويصمد أمام اختبار الزمن؛ فالأعمال المتسرعة تتلاشى سريعاً، بينما النص الرصين المتقن هو ما يمكث في الأرض وينفع الناس."
16- هل تعمل حالياً على مشروع أدبي أو فكري جديد؟ وما الذي يمكن أن تخبرنا عنه؟
"مشروعي الراهن والمستمر هو استكمال «السلسلة المرجعية الحضارية في بناء الإنسان والدولة وصناعة المستقبل»، التي تنضوي تحت العنوان العام: «عائدٌ من المستقبل».
وكتابي الصادر قريباً: «الجذور التي صنعت القائد»، هو اللبنة الأولى والمجلد الافتتاحي ضمن مشروع فكري ضخم يضم 16 كتاباً، ستصدر تباعاً بإذن الله.
يقوم هذا المشروع بأكمله على دراسةٍ تأصيلية معمقة في بناء الإنسان وتنمية المجتمع وصناعة النهضة في ضوء التجربة القيادية لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، ومسار بناء دولة الإمارات العربية المتحدة وإمارة دبي؛ وهي التجربة التي تحولت إلى نموذج ملهم تصدّر المؤشرات الدولية في كفاءة العمل الحكومي، والتنافسية الاقتصادية، والريادة التجارية والسياحية عالمياً. نسعى من خلال هذا المشروع الموسوعي إلى تفكيك شفرات هذه التجربة استراتيجياً وتطبيقياً، لتقديم خارطة طريق معرفية تسهم في نهضة مجتمعاتنا العربية."
17- في ختام اللقاء، ما الرسالة التي تود توجيهها إلى القراء، وإلى الكتّاب الشباب، وإلى أسرة دار "الأثر الأدبي للنشر والتوزيع"؟
* إلى القراء الكرام:
لا تتوقفوا عن القراءة أبداً؛ فالقراءة ليست ترفاً ذهنياً، بل هي شرط الوجود الإنساني ورافعة نهضة الأمم. بالقراءة والتفكير الحر تتسع المدارك وتُبنى الحضارات، وتذكروا دائماً أنه لا يمكن لأي أمة أن تنمو أو تسعد أو تنهض إلا إذا جعلت الفكر وإعمال العقل ديدنها الأول في الحياة.
* إلى الكتّاب الشباب:
اجعلوا رهانكم الدائم على الوعي والقيمة؛ لا تكتبوا إرضاءً لفقاعات الرواج المؤقت، بل اكتبوا بمسؤولية واحترام لعقل القارئ. كونوا إضافة حقيقية لحركة الفكر والثقافة، واعلموا أن عظمة الكاتب تُقاس بمدى أثره في إيقاظ العقول لا بعدد النسخ التي يطبعها.
* إلى أسرة دار "الأثر الأدبي للنشر والتوزيع":
رسالتي لهم هي دعوةٌ للاستمرار في هذا المسار المهني الراقي في انتقاء الأعمال الفكرية القيّمة. لقد أشار الفيلسوف الألماني الشهير آرثر شوبنهاور في أطروحاته إلى جناية بعض دور النشر على الثقافة حين تتحول إلى مؤسسات تجارية ربحية بحتة، تروّج للغث وتغرق الساحة بالمؤلفات السطحية التي تفسد الذائقة العامة طلباً للمال؛ وما لمسته في دار «الأثر الأدبي» — بقيادة الأستاذ الكاتب محمد الشرقاوي — هو النقيض التام لذلك؛ إذ تضع الدار إثراء المشهد الثقافي وجودة المحتوى في صدارة أولوياتها، وأقول لهم: استمروا في هذا النهج الرائد، فالمستقبل دوماً للأثر الذي يبقى.
وفي الختام، أتوجه بخالص الشكر والتقدير لأسرة مجلة «قعدة مُبدعين» على هذا الحوار الممتع والراقي، متمنياً لكم ولقرائكم دوام التميز والتألق. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
في النهاية، نكون قد استعرضنا بعضًا من أبعاد الكتابة الإبداعية وتعرفنا على رؤية الكاتب العميقة والمميزة لهذه العملية الرائعة. كانت هذه الجلسة بمثابة رحلة مليئة بالإلهام والتأمل، حيث أضاء الكاتب أمامنا أفقًا جديدًا لفهم الأدب والتعامل مع الإبداع. نُشكر الكاتب المبدع " عبد الرحمن عماد الدين فوزي " على وقته الثمين ومشاركته أفكاره، ونتمنى أن تكون هذه الكلمات مصدر إلهام لجميع المبدعين الشغوفين بالكتابة. وفي النهاية، نعلم جميعًا أن الكتابة هي فن لا يتوقف، وأن كل كلمة هي خطوة نحو عالم جديد لا نهاية له."
إعداد الحوار: الصحفية أسماء أشرف ✍️