أكتوبر.. حين قررت مصر أن تستعيد نفسها
هناك أيام تمر على التاريخ، وأيام يصعب على التاريخ نفسه أن يتجاوزها.
والسادس من أكتوبر واحد من تلك الأيام التي لم تكن مجرد تاريخ في التقويم، بل كانت لحظة فارقة أعادت إلى أمة كاملة شيئًا ظنت للحظة أنه ضاع: الثقة.
بعد نكسة يونيو، لم تكن مصر تواجه عدوًا على جبهة واحدة فقط، بل كانت تواجه جرحًا عميقًا في الذاكرة، وشعورًا ثقيلًا بالهزيمة، وأسئلة كثيرة عن المستقبل.
لكن المصريين لم يتعاملوا مع الهزيمة باعتبارها نهاية.
كان هناك من يستعد في صمت، ومن يتدرب، ومن يخطط، ومن ينتظر اللحظة التي يستطيع فيها أن يقول للعالم إن مصر لم تنكسر.
ثم جاء السادس من أكتوبر.
في ذلك اليوم، لم تبدأ المعركة بالرصاص وحده، بل بدأت بالإرادة.
اندفع جنود مصر نحو قناة السويس، وعبروا إلى الضفة الأخرى، وسقطت تحصينات خط بارليف أمام عزيمة رجال لم يحملوا السلاح من أجل معركة عابرة، وإنما حملوه من أجل وطن.
كان العبور أكبر من عبور قناة.
كان عبورًا من الخوف إلى المواجهة، ومن الانكسار إلى استعادة الكرامة، ومن انتظار الحل إلى صناعة الحل.
وراء كل جندي كان هناك بيت ينتظر، وأم تخفي خوفها بالدعاء، وأب يتابع الأخبار بقلب يرتجف، وزوجة تعرف أن الرجل الذي خرج من بيتها قد لا يعود، ومع ذلك كانت تعرف أن هناك وطنًا يستحق التضحية.
لهذا لا يمكن أن نفهم نصر أكتوبر من خلال الخرائط والأرقام وحدها.
فالحروب لا تُقاس فقط بما يحدث على الأرض، وإنما بما يحدث داخل الإنسان.
وفي أكتوبر، حدث شيء عظيم داخل الإنسان المصري.
عاد الإيمان بالقدرة.
عاد الشعور بأن الهزيمة ليست قدرًا أبديًا، وأن ما يبدو مستحيلًا يمكن أن يصبح حقيقة حين تجتمع الإرادة مع التخطيط والعمل والتضحية.
لقد كان النصر رسالة واضحة:
لا توجد هزيمة أكبر من أن يتوقف الإنسان عن المحاولة.
ولهذا فإن أعظم ما تركه أكتوبر للأجيال التي جاءت بعده ليس فقط ذكرى الانتصار، وإنما معنى الانتصار نفسه.
أن تعرف متى تصمت لتخطط، ومتى تتحرك لتصنع، ومتى تتمسك بحقك مهما طال الطريق.
أن تفهم أن الأوطان لا تحيا بالشعارات، وإنما بأبنائها الذين يؤمنون بها ويعملون من أجلها.
اليوم، بعد مرور سنوات طويلة على ذلك اليوم، ما زالت أرض سيناء تحمل آثار المعركة، وما زالت ذاكرة المصريين تحمل أسماء رجال دفعوا أغلى ثمن كي تبقى راية الوطن مرفوعة.
رحل كثيرون، لكن ما صنعوه لم يرحل.
فالشهيد لا يغيب حين يبقى الوطن الذي ضحى من أجله.
وفي كل مرة نتحدث فيها عن أكتوبر، نحن لا نستعيد الماضي فقط، بل نستعيد شيئًا من قوتنا في الحاضر.
نستعيد يقينًا يقول لنا إن الوطن الذي استطاع أن يعبر أصعب لحظاته، قادر على عبور ما يأتي بعدها.
أكتوبر لم يكن يومًا انتصرت فيه مصر على عدوها فقط، بل كان يومًا انتصرت فيه مصر على شعور الهزيمة نفسه.
ولهذا سيظل السادس من أكتوبر حاضرًا في وجداننا، لا باعتباره ذكرى نحتفل بها كل عام، وإنما باعتباره وعدًا يتجدد:
أن مصر إذا سقطت، تنهض.
وإذا تعثرت، تكمل.
وإذا بدا الطريق مستحيلًا، تصنع له طريقًا.
رحم الله شهداء مصر الأبرار، وحفظ جيشها، وحفظ أرضها وشعبها، وجعل مصر دائمًا قادرة على أن تعبر كل صعب نحو مستقبل يليق بها.
كل عام ومصر شامخة.. وكل عام ومصر قادرة على العبور.
✍️ بقلم الكاتب يوسف سليم
