من ضفة الوجع إلى فسحة الحياة
ليس كل من شق للعلم طريقًا بلغ غايته، ولا كل من أوتي من المعرفة نصيبًا عرف للمعرفة حقها؛ فالعلم إن لم تزكه الرحمة ظل حرفة وإن علا شأن صاحبه، وإن لم يحمل صاحبه تبعة ما أوتي، انقلبت موهبته عليه حجة لا مكرمة.
غير أن في سجل الزمان رجالًا إذا مرت أسماؤهم به، أطرق لها القلم إجلالًا؛ إذ لم يجعلوا من مواهبهم سُلّمًا إلى المجد، بل جعلوا منها جسرًا يعبر عليه الآخرون من ضفة الوجع إلى فسحة الحياة.
وهنا، بين حد المشرط ورقة الرحمة، وبين صرامة العلم ورهبة الموت، قامت سيرة رجل لم يكن الطب عنده صناعة يتقنها، ولا منصبًا يورث صاحبه الذكر؛ بل أمانة استودعها الله بين يديه.
رجل جعل يده تمتد إلى القلب، تسترد منه خفقة أوشكت أن تنطفئ؛ فإذا بالمشرط، على حدته، يحمل من الرحمة ما تعجز عنه الكلمات، وإذا بالعلم، في أرفع صوره، ينزل من برج المعرفة ليجلس إلى جوار إنسان لا يملك إلا رجاءه.
ذلك هو مجدي يعقوب.
وُلد مجدي يعقوب في مصر عام 1935، ونشأ في بيت كان الطب حاضرًا في جنباته؛ فقد كان والده الدكتور «يعقوب نمر» طبيبًا بوزارة الصحة، يتنقل بين أقاليم مصر ومحافظاتها، ومن خلاله عرف الصبي مبكرًا أن الطب ليس مجرد مهنة، وأن وراء كل مريض حكاية تبدأ قبل أن تطأ قدمه عتبة المستشفى.
ثم جاء الموت قريبًا منه على نحو آخر، هادمًا طمأنينة الطفولة؛ فقد عرف الفقد في صباه، حين خطف الموت عمته الشابة «إيفيت» بسبب مرض في الصمام الميترالي، وكان الطب يومها عاجزًا عن أن يمنحها العلاج الذي كان يمكن أن ينقذها في زمن لاحق. بقيت الحادثة جرحًا غائرًا في ذاكرته، وربما كان لها نصيب في توجيه خطاه فيما بعد؛ فالرجل الذي سيقضي عمره لاحقًا في جراحة القلب، عرف منذ صباه أن خلف كل مرض سؤالًا، وأن بعض الأسئلة لا يجيب عنها الطب إلا حين يجرؤ أحدهم على البحث والإنقاذ.
درس الطب في جامعة القاهرة، وتخرج عام 1957، ثم خرج إلى بريطانيا عام 1962 ليستكمل تدريبه الجراحي. وبعدها انتقل لفترة إلى الولايات المتحدة، قبل أن يعود إلى لندن، حيث أخذت رحلته مع جراحة القلب تتسع حتى تولى منصب استشاري جراحة القلب والصدر في مستشفى «هارفيلد» عام 1969.
كانت جراحة القلب والصدر يومها علمًا غضًا يتقدم بخطوات واسعة لكنها متعثرة، ولم يكن قد بلغ بعد الصورة التي نعرفها اليوم؛ وكانت عمليات القلب المفتوح وزراعة الأعضاء وجراحات العيوب الخلقية لا تزال تحمل من المخاطر ما يجعل كل تقدم فيها مغامرة محسوبة بين الحياة والفناء.
وفي هارفيلد، لم يجد السير مجدي يعقوب أمامه طريقًا ممهدًا؛ بل وجد قلوبًا كثيرة تقف عند حدود ما يعرفه الطب، وكان عليه أن يعمل بعقل الجراح الصارم، وبعين الباحث الذي لا يرضى أن تكون حدود المعرفة هي حدود الأمل.
ولعل واحدة من أكثر الحكايات دلالة على طريقته في التفكير بدأت بطفل في الرابعة من عمره.
وصل الطفل إلى هارفيلد عام 1970 بحالة قلبية نادرة ومعقدة. ولم تكن وسائل التصوير والموجات فوق الصوتية قد بلغت ما هي عليه اليوم، ومع فتح الصدر والجراحة، اكتشف السير مجدي يعقوب أن الطفل يعيش بقلب لا يعمل فيه أحد جانبيه بالصورة الطبيعية؛ كان أمامه قلب أحادي البطين، وهي حالة بالغة التعقيد لم يكن الطب المعاصر آنذاك يملك لها علاجًا يستطيع أن يعد بإصلاحها.
أجرى ما استطاع فعله في تلك اللحظة لتحسين تدفق الدم وتخفيف العبء، ثم ذهب إلى والدي الطفل بملامحه الهادئة الحزينة. كان عليه أن يخبرهما بالحقيقة الثقيلة: القلب لا يمكن إصلاحه بالوسائل المتاحة. لكنه لم يرد أن تكون الحقيقة نهاية الحديث وسقوف الأمل، فأخبرهما أيضًا أن هناك أبحاثًا جارية، وأن ما لا يستطيع الطب فعله يومها قد يصبح ممكنًا في الغد.
خرج الطفل من غرفة العمليات، لكن مأساة قلبه الناقص بقيت في ذهن الطبيب؛ إذ كان يعلم أن ما فعله لم يكن إلا محاولة لمنحه مزيدًا من الوقت، وأن الطريق إلى العلاج الحقيقي لا يزال يحتاج إلى علم وبحث ومجازفة.
وفي تلك السنوات، كان الجراح الفرنسي الرائد «فرانسيس فونتان» يعمل في فرنسا على تطوير جراحة للحالات التي يولد فيها الأطفال بقلب أحادي البطين. تابع السير مجدي يعقوب هذه الأبحاث بشغف، وبدأ يفكر في كيفية إدخال تعديلات جراحية عميقة ومبتكرة تلائم حالة طفله الذي ظل يتابعه بقلق.
وحين بلغ الطفل التاسعة، عاد إلى هارفيلد مرة أخرى.
كان عام 1974، وكانت أمام الطبيب فرصة قد تغير حياة الطفل إلى الأبد، لكنها كانت فرصة تفصلها عن الموت شعرة ومخاطر مرعبة. أُجريت العملية المعقدة التي عدّل فيها السير مجدي يعقوب تقنية فونتان، مستخدمًا صمامات بشرية لإعادة تنظيم مجرى الدم، في تعديل جراحي صار معروفًا باسم «تعديل فونتان» الذي طوره يعقوب. استغرقت العملية سبع ساعات طوال حبست فيها الأنفاس، وخرج الطفل منها حيًا، عائدًا إلى منزله ليستأنف حياته. ونُشرت نتائج التجربة عام 1976.
لكن المفاجأة الأعمق والمؤثرة حقيقة، جاءت بعد سنوات طوال.
كبر الطفل الذي أنقذ الطبيب قلبه، ولم ينس فضل العلم والرحمة؛ فاتجه لدراسة علم الأدوية، ثم عمل في مجال اكتشاف الأدوية، قبل أن يقرر أن يجعل البحث العلمي طريقًا لحياته. وحين بلغ الثانية والعشرين، التقى بالسير مجدي يعقوب في هارفيلد، وأخبره برغبته في دراسة الدكتوراه والعمل في البحث العلمي.
لم يكتفِ السير مجدي يعقوب بالترحيب به، بل عرض عليه أن يأتي إلى هارفيلد، وأن يعمل معه في مختبر لدراسة الأوعية الدموية البشرية، وأن يبدأ دراسة الدكتوراه هناك.
ومنذ ذلك اللقاء الفريد، نشأت بين الطبيب ومريضه السابق شراكة علمية ملهمة امتدت نحو ثلاثين عامًا كاملة، أثمرت عن أكثر من مئة وستين بحثًا علميًا، وأسهمت في تدريب أكثر من عشرين طالبًا في الدكتوراه والدرجات البحثية العليا.
وهكذا أخذت الحكاية منعطفًا إنسانيًا آسِرًا لا تصنعه لغة الأرقام الصماء وحدها؛ فالطفل الذي كان الطبيب يبحث له عن مجرد فرصة للبقاء على قيد الحياة، صار بعد سنوات ذراعًا علمية تشارك نفس الطبيب في البحث عن فرص حياة واعدة لآخرين.
هنا تحديدًا تتضح فلسفة السير مجدي يعقوب العميقة في العلم: المريض ليس نهاية البحث، بل قد يكون بدايته؛ والجراح العظيم لا ينقذ حياة واحدة وينصرف، بل يستطيع، بنور العلم ورقة الرحمة، أن يفتح الباب لإنقاذ آلاف الحيوات التي لم تولد بعد.
لكن حكاية السير مجدي يعقوب لم تتوقف عند ذلك الطفل.
ففي عام 1980، أسس برنامج زراعة القلب في مستشفى هارفيلد، وسرعان ما أصبح البرنامج واحدًا من أكبر برامج زراعة القلب والرئة في العالم، حتى تجاوز عدد عمليات الزراعة التي أُجريت فيه الآلاف. ولم يكن يعقوب يرى في زراعة القلب مجرد عملية تستبدل عضوًا بآخر، بل علمًا قائمًا بذاته يحتاج إلى فهم دقيق للمناعة والأنسجة ووظائف القلب والرئة وكل ما يحيط بها.
وفي السادس من ديسمبر عام 1983، وقف أمام حالة أخرى شديدة الخطورة؛ الصحفي السويدي «لارس ليونغبرغ»، الذي كانت حالته قد بلغت من التدهور حدًا جعل أطباء في الولايات المتحدة يرفضون إجراء العملية له. جاء إلى هارفيلد باعتبارها فرصته الأخيرة.
كانت العملية التي تنتظره هي أول زراعة قلب ورئة في بريطانيا، وقد استغرقت نحو ست ساعات.
أجرى السير مجدي يعقوب العملية، ونجحت الزراعة نفسها، وإن كان المريض قد توفي بعد ثلاثة عشر يومًا بسبب مرض آخر كان يعاني منه. ومع ذلك، كانت العملية نقطة فاصلة في تاريخ زراعة القلب والرئة في بريطانيا، ومهدت الطريق لآلاف العمليات التي جاءت بعدها.
ولم يكن ذلك الرجل يكتفي بأن ينجح في غرفة العمليات، ثم يضع يده عن العلم.
كان يرى أن القلب لا يزال يحمل أسرارًا لم تُكتشف، وأن كل عملية ناجحة تفتح بابًا لسؤال جديد.
فامتدت أبحاثه إلى صمامات القلب وهندسة الأنسجة، وإلى محاولة تطوير صمامات حية يمكن أن تنمو مع جسم الطفل، وإلى تجدد عضلة القلب والخلايا الجذعية، وارتفاع ضغط الدم الرئوي، وأجهزة مساعدة البطين الأيسر، وغيرها من المجالات التي جعلت عمله يتجاوز الجراحة إلى البحث في أصل المرض وكيف يمكن علاجه من جذوره. وقد قاد فريقه أبحاثًا في هذه المجالات لعقود طويلة، وشارك في تأليف أكثر من ألف وأربعمئة بحث علمي منشور.
ولعل أجمل ما في سيرته أن الرجل، كلما اتسعت شهرته، اتسعت معها دائرة من يريد أن يمنحهم فرصة الحياة.
فلم يبقَ العلم حبيس المستشفيات البريطانية.
في عام 1995 تأسست مؤسسة «سلسلة الأمل» Chain of Hope، التي عملت على الوصول إلى الأطفال المصابين بأمراض القلب في البلدان التي تفتقر إلى الإمكانات الطبية الكافية، وربط الخبرات الطبية حول العالم، وتدريب الفرق المحلية حتى لا يكون علاج الطفل مرهونًا دائمًا بقدرته على السفر إلى بلد آخر. وامتدت هذه الجهود إلى دول عدة في أفريقيا وآسيا ومنطقة الخليج وغيرها.
ثم جاء الدور على مصر.
في عام 2008 أُطلقت مؤسسة مجدي يعقوب للقلب، ومن ثمراتها مركز أسوان للقلب، ليصبح العلم الذي تعلمه الرجل في القاهرة ولندن وأمريكا عائدًا مرة أخرى إلى أرضه الأولى.
وهناك، في أسوان، لم يكن السؤال: من يستطيع أن يدفع ثمن العلاج؟
بل كان السؤال: من يحتاج إلى العلاج؟
فالمركز يقدم خدماته الطبية مجانًا للمرضى، ويعمل في الوقت نفسه على تدريب الأطباء والممرضين والعلماء والفنيين المصريين وفق أعلى المعايير، ويجمع بين العلاج والبحث العلمي؛ حتى لا يكون إنقاذ المريض نهاية الرحلة، بل بداية لعلم جديد ينفع من يأتي بعده.
وهكذا اتسعت الدائرة أكثر؛ طفل في الرابعة وقف قلبه أمام حدود الطب، فجاء البحث ليمنحه فرصة أخرى، ثم صار ذلك الطفل بعد سنوات باحثًا يشارك في إنقاذ آخرين، ثم خرج العلم من غرف العمليات إلى مراكز البحث، ومن مراكز البحث إلى أسوان، ومن أسوان إلى أطفال في أماكن بعيدة لا يعرفون اسم الطبيب الذي كان سببًا في وصول يد الرحمة إليهم.
ولم تتوقف مسيرة الرجل عند ما صنعه في الماضي.
فحتى اليوم، وبعد عقود طويلة من العمل، لا يزال السير مجدي يعقوب حاضرًا في البحث العلمي، ويشغل منصب مدير الأبحاث في معهد مجدي يعقوب، ويشارك في الإشراف على أعمال بحثية تمتد من بيولوجيا صمامات القلب وهندسة الأنسجة إلى تجدد عضلة القلب والخلايا الجذعية وفشل القلب وارتفاع ضغط الدم الرئوي. كما يواصل المركز في أسوان عمله في العلاج والتدريب والبحث العلمي.
وقد مر على الرجل من التكريم ما يكفي ليملأ سيرة كاملة؛ فنال لقب «سير» تقديرًا لخدماته في الطب والجراحة، ثم مُنح وسام الاستحقاق عام 2014، إلى جانب زمالة الجمعية الملكية البريطانية وزمالة أكاديمية العلوم الطبية، ووسام النيل للعلوم والإنسانية، وميدالية ليستر تقديرًا لإسهاماته في علوم الجراحة.
غير أن ألقابًا كهذه، على جلال قدرها، لا تبدو هي أكثر ما يليق بهذه السيرة.
فماذا يصنع اللقب أمام طفل عاد إلى بيته بقلب يعمل؟
وماذا يصنع الوسام أمام أم دخل ابنها غرفة العمليات وهي لا تدري أترى وجهه بعدها أم لا؟
وماذا تساوي صفحات التكريم أمام طبيب لم يكتفِ بأن يكون هو العالم، بل أخذ بيد أجيال من العلماء والباحثين من بعده؟
لقد ترك السير مجدي يعقوب وراءه أكثر من عمليات ناجحة، وأكثر من أبحاث منشورة، وأكثر من جوائز وأوسمة.
ترك مدرسة.
وترك تلاميذ.
وترك مراكز تحمل العلم إلى من لا يملكون ثمنه.
وترك خلفه سؤالًا أكبر من الجراحة نفسها: ماذا يستطيع العلم حين يسكن قلب صاحبه رحمة بالإنسان؟
ولعل الإجابة ظلت تتكرر طوال مسيرته؛ في طفل صغير ظن الطب يومًا أن قلبه لا سبيل إلى إصلاحه، وفي مريض جاء إلى هارفيلد يحمل آخر خيط من الرجاء، وفي باحث كان يومًا ذلك الطفل نفسه، وفي طبيب شاب يقف اليوم في أسوان إلى جوار مريض لا يعرف من يكون السير مجدي يعقوب، لكنه يعرف أن هناك يدًا ستمتد إليه حين تضيق به الدنيا.
وهنا تحديدًا، بين حد المشرط ورقة الرحمة، لا تبدو عظمة الرجل في أنه عرف كيف يفتح القلب فحسب؛ بل في أنه عرف كيف يفتح من خلاله أبوابًا للحياة، ثم مضى يترك تلك الأبواب مفتوحة لمن سيأتي بعده.
فبعض الرجال تنتهي حكاياتهم حين يفرغون من إنجازاتهم، أما الذين جعلوا العلم أمانة، فلا تنتهي حكاياتهم عندهم؛ إذ تبقى آثار أيديهم في حياة من أنقذوا، وفي علم من علّموا، وفي قلوب أجيال لم يعرفوا أسماءها بعد.
وتلك، في ظني، هي أرفع منزلة يمكن أن يبلغها صاحب علم؛ أن يمضي العمر، ويبقى أثره حيًا في خفقة قلب لم يكن ليكتب لها الله الحياة لولا أن سخر لها من عباده من حمل العلم، وصان الأمانة، وأحسن حملها.
- لـ بـسـمـة جـمـعـة الـقـاضـي
#