الذين أتقنوا النجاة ونسوا الحياة

الذين أتقنوا النجاة ونسوا الحياة
ليس كلُّ من تجاوز العاصفة قد وصل إلى الشاطئ؛ فثمة من ظلّ يركض طويلًا حتى نسي إلى أين كان يريد الوصول، ومن انشغل بترميم ما كسرته الأيام فيه، حتى لم ينتبه إلى أن عمره يمضي، وأن النجاة التي طالما تمناها تحوّلت، دون أن يدري، إلى حياةٍ كاملة يقضيها في محاولة النجاة.

نحن أبناء زمنٍ يتقن فيه الإنسان إخفاء تعبه أكثر مما يتقن التعبير عنه. نتعلّم كيف نبتسم في اللحظة المناسبة، وكيف نجيب بكلمة «بخير» دون أن نمنح أحدًا فرصةً لاكتشاف ما وراءها، وكيف نواصل السير حتى حين تصبح أرواحنا أثقل من خطواتنا. ومع الوقت، لا يعود التماسك اختيارًا نلجأ إليه عند الضرورة، بل يتحوّل إلى دورٍ نؤديه بإتقان، حتى ننسى أن لنا حقًّا في التوقف، وأن الإنسان لا يُقاس دائمًا بقدرته على الاحتمال.

المفارقة أن النجاة، التي كانت يومًا غايتنا، قد تصبح سجننا حين نعتادها أكثر مما ينبغي. نؤجّل فرحتنا حتى تنتهي مسؤولياتنا، ونؤجّل أحلامنا حتى تستقرّ ظروفنا، ونؤجّل راحتنا حتى نطمئن على الجميع؛ ثم نكتشف أن المسؤوليات لا تنتهي، وأن الظروف لا تمنح أحدًا ضماناتٍ دائمة، وأن قائمة الأشياء المؤجّلة أطول من أعمارنا المتاحة.

وهكذا، نمضي في الحياة كما لو كنّا نستعدّ لها، لا كما لو كنّا نعيشها. نعمل لنرتاح لاحقًا، ونتعب لنفرح لاحقًا، ونصبر على حاضرنا انتظارًا لمستقبلٍ نظنّه أكثر رحمة. لكن ماذا لو لم تكن الحياة هي تلك اللحظة البعيدة التي ننتظرها؟ ماذا لو كانت تختبئ في التفاصيل الصغيرة التي نعبرها مسرعين؛ في حديثٍ صادق، وفي ضحكةٍ لم نمنحها وقتها، وفي صباحٍ مرّ دون أن نلتفت إلى جماله، وفي أنفسنا التي اعتادت أن تأتي أخيرًا في كل مرة؟

لسنا مطالبين بأن نكون أقوياء طوال الوقت، ولا بأن نحوّل كل جرحٍ إلى درس، وكل خسارةٍ إلى حكمة، وكل انكسارٍ إلى حكاية ملهمة. أحيانًا، يكون من حقّنا أن نتعب دون أن نبرّر تعبنا، وأن نحزن دون أن نبحث عن معنى فوريّ لحزننا، وأن نعترف بأن بعض التجارب لا تجعلنا أفضل بالضرورة، بل تتركنا بحاجةٍ إلى وقتٍ طويل كي نستعيد ما كنّاه قبلها.

فليست البطولة أن يخرج الإنسان من كل معركةٍ واقفًا، بل أن يعرف متى يتوقّف عن خوض المعارك التي تستنزفه، ومتى يتصالح مع ضعفه دون أن يراه هزيمة، ومتى يدرك أن الحفاظ على نفسه ليس أنانية، وأن الحياة لا تطلب منه أن يدفع روحه ثمنًا لكل شيء.

ربما لا نحتاج إلى مزيدٍ من الصلابة بقدر ما نحتاج إلى شيءٍ من الرفق بأنفسنا؛ إلى أن نتوقف عن معاملة أيامنا كاختباراتٍ متتالية، وعن النظر إلى الراحة باعتبارها مكافأةً لا نستحقها إلا بعد الإنهاك. فليس علينا أن ننهار حتى نعترف بأننا متعبون، ولا أن نفقد كل شيءٍ حتى ندرك قيمة ما بقي في أيدينا.

وفي النهاية، لعلّ أخطر ما قد يحدث للإنسان ليس أن يخسر الطريق، بل أن يواصل السير فيه طويلًا دون أن يسأل نفسه إن كان لا يزال يريد الوصول إلى نهايته. أن ينجو من كل شيء، ثم يكتشف أنه ترك نفسه خلفه في إحدى المحطات، ومضى دون أن يلتفت.

فلا تجعلوا النجاة تأخذ منكم الحياة، ولا تنتظروا أن تنتهي كل معارككم كي تمنحوا أنفسكم حقّ العيش؛ فبعض الأعمار لا تضيع حين نخسرها، بل حين نقضيها كاملةً في الاستعداد لأن نبدأها.

إرسال تعليق

أحدث أقدم