حوار صحفي مع الكاتب|| خالد بن حمود

في لقاءٍ جديد من لقاءات دار "الأثر الأدبي للنشر والتوزيع"، نلتقي اليوم بأحد الأصوات الأدبية المميزة مع الكاتب " خالد بن حمود " ، لنتعرف عن قرب إلى رحلته مع الكتابة، وبداياته، وأبرز محطات تجربته الإبداعية، كما نسلط الضوء على أحدث أعماله الصادرة عن الدار، والرسائل التي يسعى إلى تقديمها من خلال كتاباته، ورؤيته للمشهد الأدبي، وطموحاته المستقبلية.
فإلى الحوار...

1. في البداية، نرحب بك في مجلة »قعدة مبدعين«. هل يمكن أن تعرف القراء بنفسك،
وتحدثنا عن بداياتك؟

أشكركم على هذا الترحيب الجميل، وعلى هذه المساحة التي تمنح المبدع فرصة لأن يقترب من
القارئ بعيًدا عن ضجيج العناوين.
أنا خالد بن حمود، إعلامي و كاتب أجد في الأدب مساحة للبوح، ومساحة أخرى للتأمل، وأؤمن أن الكاتب الحقيقي لا يكتب ليملأ صفحات، وإنما ليترك في روح القارئ سؤاًلا أو شعوًرا أو أثًرا لا
يزول بسهولة.
كانت بداياتي مع الكتابة مرتبطة بالشغف أكثر من ارتباطها بفكرة أن أصبح كاتًبا. كنت أجد نفسي
أكتب عندما تعجز اللغة اليومية عن حمل ما أشعر به أو ما أراه حولي، ومع الوقت تحولت الكتابة من لحظة عابرة إلى مشروع، ومن هواية إلى مسؤولية تجاه الكلمة والقارئ.
ولعل أجمل ما في البدايات أنها كانت صادقة؛ لم أكن أبحث عن لقب »كاتب«، كنت فقط أبحث عن الجملة التي تشبهني.


2. كيف اكتشفت شغفك بالأدب، وما الذي دفعك إلى الاستمرار في هذا المجال؟

اكتشفت شغفي بالأدب حين أدركت أن بعض المشاعر لا تستطيع الحياة اليومية أن تمنحها أسماءها الكاملة، بينما تستطيع الرواية أن تفعل ذلك.
كنت دائًما مفتوًنا بالإنسان؛ بتناقضاته، بخوفه، بذاكرته، وبالأشياء التي يخفيها خلف ملامحه الهادئة. ومن هنا بدأت علاقتي بالأدب، فالكتابة بالنسبة لي ليست هروًبا من الواقع، بل طريقة أكثر عمًقا لرؤيته.
أما الاستمرار، فكان سببه إيماني بأن هناك حكايات تستحق أن ُتروى، وأصواًتا تستحق أن ُتسمع.
وكلما انتهيت من نص شعرت أن هناك نًصا آخر ينتظرني، وكأن الكتابة بحر لا يصل الكاتب فيه إلى شاطئه الأخير.


3. حدثنا عن أعمالك الصادرة، وما الفكرة التي يقوم عليها؟

الي تنطلق في جوهرها من الإنسان، من صراعاته الداخلية، ومن علاقته بالحب والفقد والذاكرة والاختيار.
# ومن الأعمال التي أعتز بها * مجموعة قصصية بعنوان النظرة الأخيرة صدرت عام 2003 عن مكتبة مدبولي،* ورواية »حْشم«، وهي تجربة روائية تحمل الكثير من الأسئلة الإنسانية، وتحاول أن تذهب إلى المناطق التي لا نتحدث عنها عادًة بصوت مرتفع؛ إلى ما نخفيه، وما نخاف الاعتراف به، وما تتركه التجارب في أرواحنا.
* كما أعمل على «حين يتسع البحر»، وهي تجربة مختلفة في بنائها ومزاجها، لكنها تلتقي مع أعمالي الأخرى في شيء واحد: البحث عن الإنسان خلف الحكاية.
أنا لا أحب أن أضع أعمالي داخل تعريف واحد مغلق؛ لأنني أؤمن أن الرواية الجيدة هي التي تفتح
أبواًبا متعددة للتأويل، وتترك للقارئ حقه في أن يجد نفسه بين سطورها.


4. ما الرسالة التي تحرص على إيصالها للقارئ من خلال كتاباتك؟

لا أؤمن بأن الكاتب ينبغي أن يقف فوق القارئ ليعطيه درًسا أو يلقنه رسالة مباشرة.
أنا أفضل أن أضعه أمام مرآة، ثم أتركه يرى ما يريد أن يراه، لكن إن كانت هناك رسالة تتكرر في كتاباتي، فهي أن الإنسان أكثر تعقيًدا مما يبدو، وأن وراء كل صمت حكاية، ووراء كل قرار ثمًنا، ووراء كل شخص نلتقيه عالًما كامًلا لا نعرف عنه شيًئا.
أريد للقارئ أن ينهي الكتاب وهو يشعر أنه لم يقرأ حكاية فقط، بل اقترب قليًلا من نفسه.


5. كيف تصف أسلوبك في الكتابة، وما الذي يميزه من وجهة نظرك؟

أميل إلى الكتابة التي تجمع بين السرد واللغة الأدبية، دون أن تتحول اللغة إلى استعراض.
أحب الجملة التي تحمل إحساًسا، والصورة التي يمكن أن يراها القارئ قبل أن يقرأها، والحوار الذي يبدو طبيعًيا لكنه يخفي وراءه شيًئا آخر.
وأعتقد أن أكثر ما يميز أسلوبي هو اهتمامي بالحالة النفسية للشخصيات، وبالمساحات الصامتة
بينها؛ فما لا تقوله الشخصية أحياًنا يكون أكثر أهمية مما تقوله.
أنا أبحث دائًما عن لغة تشبه الحكاية، لا لغة تقف أمام الحكاية.


6. ما أبرز التحديات التي واجهتك خلال رحلتك الأدبية؟

أكبر تحٍّد واجهته هو أن تكتب وأنت تعرف أن هناك من سيقرأك بعين مختلفة عن عينك.
الكاتب يضع جزًءا من روحه على الورق، ثم يتركها بين أيدي الآخرين، وهذه ليست عملية سهلة.
وهناك أيًضا تحدي الاستمرار؛ أن تحافظ على شغفك في وقت أصبحت فيه السرعة هي لغة العصر، وأصبح إنتاج المحتوى أسهل من إنتاج الأدب.
تعلمت أن الكتابة الحقيقية تحتاج إلى صبر، وأن بعض النصوص لا ينبغي أن نستعجل ولادتها.
فالكاتب لا يكتب بالكلمات وحدها، وإنما يكتب أيًضا بتجاربه، وبصمته، وبالأيام التي عاشها.


7. كيف جاءت فكرة التعاون مع دار "الأثر الأدبي للنشر والتوزيع"؟

جاء التعاون في لحظة كنت أبحث فيها عن شريك يؤمن بالنص، وليس فقط بالكتاب كمنتج. كما
أن الصديق محمد الشرقاوي كان له دور في ذلك بأسلوبه الراقي معي، ودون التطرق إلى التفاصيل قال لي بالحرف الواحد: " أنت صاحب الدار ونحن ضيوفك ".
أيًضا كنت أرى أن مرحلة النشر لا تقل أهمية عن مرحلة الكتابة، لأن المخطوط حين يغادر مكتب
الكاتب يبدأ رحلة جديدة نحو القارئ.
ومن هنا بدأت علاقتي بدار" الأثر الأدبي للنشر والتوزيع"، وكانت الفكرة الأساسية بالنسبة لي أن أجد جهة تستطيع أن تمنح العمل حقه من الاهتمام، وأن ترافقه حتى يصل إلى صورته التي أطمح إليها.


8. ما الذي شجعك على اختيار دار "الأثر" لنشر أعمالك؟ 

ما شجعني هو الإحساس بأن هناك اهتماًما حقيقًيا بالكاتب وبالنص، من خلال حديثي مع الصديق الأستاذ محمد الشرقاوي.
فالكاتب عندما يسّلم مخطوطه لدار نشر، لا يسّلمها أوراًقا فقط، بل يسّلمها جزًءا من تجربته ووقته ومشاعره، ولهذا كنت أبحث عن دار أستطيع أن أشعر معها أن العمل مشروع مشترك، لا مجرد معاملة نشر، وهذا ما وجدته في تجربتي مع "الأثر الأدبي".


9. كيف تصف تجربتك مع دار" الأثر الأدبي للنشر والتوزيع" منذ بداية التعاون وحتي صدور الكتاب؟

كانت تجربة تحمل الكثير من التفاصيل، وأعتقد أن قيمة أي تجربة نشر لا تظهر فقط لحظة صدور الكتاب، وإنما في الطريق الذي يسبق تلك اللحظة، وجدت اهتماًما بالتفاصيل ومتابعة لمراحل العمل، وهذا منحني شعوًرا بأن الكتاب يمر بمرحلة حقيقية قبل أن يصل إلى القارئ. وبالنسبة لي، أجمل ما في التجربة أنني لم أشعر أن الكتاب خرج من يدي إلى المجهول، بل شعرت أن هناك من يرافقه في رحلته الأولى.


10. ما أكثر ما أعجبك في أسلوب تعامل الدار مع المؤلفين؟

أكثر ما أقّدره هو التعامل الإنساني قبل التعامل المهني فالكاتب يحتاج إلى من يستمع إليه، ويفهم حساسيته تجاه نصه، ويدرك أن الكتاب بالنسبة إليه ليس مجرد منتج.
وأرى أن احترام الكاتب، والاهتمام بتفاصيل عمله، والحرص على أن يخرج الكتاب بصورة تليق
به، كلها أمور تصنع علاقة طويلة المدى بين الكاتب ودار النشر.


11. ما أهمية وجود دار نشر داعمة في نجاح الكاتب ووصول أعماله إلى القراء؟

دار النشر الداعمة تستطيع أن تختصر على الكاتب الكثير من الطريق، فالكاتب يعرف كيف يكتب، لكنه ليس بالضرورة خبيًرا في كل ما يتعلق بالنشر والتوزيع والتسويق والوصول إلى القارئ.
ولهذا أرى أن العلاقة الناجحة بين الكاتب والناشر تقوم على التكامل؛ الكاتب يقدم روحه وفكرته ونصه، والناشر يملك الخبرة والأدوات التي تساعد هذا النص على الوصول.
الكتاب لا تكتمل رحلته عندما ُيطبع، وإنما عندما يجد قارئه.


12. كيف كان تفاعل القراء مع كتابك بعد صدوره؟

تفاعل القراء هو الجزء الأكثر حساسية وجماًلا في رحلة أي كاتب، فبعد أن تنتهي من الكتابة، يصبح النص ملًكا للقارئ بقدر ما هو ابن تجربتك أنت، وكل قارئ يراه من زاوية مختلفة.
أسعدني أن أجد تفاعًلا مع الشخصيات والأحداث والمشاعر، وأن أجد من يتوقف عند تفاصيل
ربما لم أتوقع أن تلفت انتباهه.
وهذا تحديًدا ما يجعلني أؤمن أن الرواية لا تكتمل إلا عندما تدخل عقل وقلب قارئها.


13. هل تلقيت مواقف أو رسائل من القراء تركت أثًرا في نفسك؟

نعم، وبعض الرسائل لا يمكن للكاتب أن ينساها بسهولة.
أكثر ما يؤثر فّي هو عندما يخبرني قارئ أن شخصية أو موقًفا أو جملة من العمل ذّكره بشيء عاشه، أو جعله يعيد التفكير في تجربة شخصية.
في تلك اللحظة أشعر أن الكتاب تجاوز حدود الورق، فالكاتب قد يكتب جملة وينساها بعد سنوات، بينما قد يحملها قارئ في ذاكرته عمًرا كامًلا. وهذه مسؤولية جميلة ومخيفة في الوقت نفسه.


14. برأيك، ما أهم الصفات التي يجب أن يتحلى بها الكاتب الناجح؟

أعتقد أن أهم صفة هي الصدق.
الكاتب يستطيع أن يتعلم تقنيات السرد، وأن يدرس اللغة، وأن يقرأ في المدارس الأدبية المختلفة، لكن من الصعب أن يتعلم كيف يكون صادًقا مع نصه، ويحتاج الكاتب كذلك إلى القراءة المستمرة، والصبر، والملاحظة، والقدرة على تقبل النقد، والأهم من كل ذلك أن يبقى فضولًيا تجاه الإنسان والحياة؛ لأن الكاتب الذي يتوقف عن الدهشة، يبدأ في تكرار نفسه.


15. ما النصيحة التي تقدمها للكّتاب الذين يستعدون لنشر أعمالهم الأولى؟

لا تستعجلوا النشر.
اكتبوا أوًلا، ثم اقرأوا ما كتبتم كأنكم قراء لا مؤلفون. راجعوا النص، واطلبوا رأي أشخاص تثقون بذائقتهم، ولا تخافوا من حذف الصفحات التي تحبونها إذا كانت لا تخدم العمل.
والأهم: لا تجعلوا حلم النشر أكبر من حلم الكتابة.
الكتاب الجيد يحتاج إلى وقت، والنجاح الأدبي ليس سباًقا. لا يهم أن تكون أول من يصل، بقدر ما يهم أن تصل ومعك نص يستحق أن يبقى.


16. هل تعمل حالًيا على مشروع أدبي جديد؟ وما الذي يمكن أن تخبرنا عنه؟

نعم، هناك مشروع أدبي جديد أعمل عليه، وأتعامل معه بحذر شديد، لأنني أؤمن أن بعض الأعمال تحتاج إلى أن تنضج بعيًدا عن الضوء قبل أن ترى النور، لا أريد أن أكشف الكثير من تفاصيله في هذه المرحلة، لكن يمكنني القول إنه يحمل تجربة مختلفة في الشكل والمزاج، مع احتفاظه بالهواجس الإنسانية التي تشغلني دائًما.
وأعتقد أن القارئ عندما يلتقي بالعمل في وقته المناسب، سيكتشف بنفسه لماذا احتاجت الحكاية
إلى كل هذا الصمت قبل أن ُتروى.


17. في ختام اللقاء، ما الرسالة التي تود توجيهها إلى القراء، وإلى الكّتاب الشباب، وإلى أسرة دار "الأثر الأدبي للنشر والتوزيع"؟

إلى القارئ أقول: شكًرا لأنك تمنح الكتاب فرصة، ولأنك تسمح لكلمات الكاتب أن تعبر إلى عالمك
الخاص. كل كتاب يصل إلى قارئ صادق هو حياة جديدة للنص.
وإلى الكّتاب الشباب أقول: لا تخافوا من البدايات، ولا تستعجلوا النهايات. اكتبوا لأن لديكم شيًئا يستحق أن ُيقال، لا لأنكم تريدون فقط أن ُيقال إنكم أصبحتم كّتاًبا.
أما إلى أسرة دار »الأثر الأدبي للنشر والتوزيع«، فأقول: شكًرا لكل يد شاركت في تحويل الحلم من
مخطوط على الورق إلى كتاب يستطيع أن يصل إلى الناس. وأتمنى أن تستمر هذه الشراكة في صناعة مساحات جديدة للكلمة، وللكاتب، وللقارئ.
في النهاية، أؤمن أن الكتابة ليست أن تترك اسمك على غلاف كتاب، بل أن تترك شيًئا منك في قلب شخص لم تعرفه يوًما.
وهذا، بالنسبة لي، هو المعنى الحقيقي للأدب.


في النهاية، نكون قد استعرضنا بعضًا من أبعاد الكتابة الإبداعية وتعرفنا على رؤية الكاتب العميقة والمميزة لهذه العملية الرائعة. كانت هذه الجلسة بمثابة رحلة مليئة بالإلهام والتأمل، حيث أضاء الكاتب أمامنا أفقًا جديدًا لفهم الأدب والتعامل مع الإبداع. نُشكر الكاتب المبدع " خالد بن حمود " على وقته الثمين ومشاركته أفكاره، ونتمنى أن تكون هذه الكلمات مصدر إلهام لجميع المبدعين الشغوفين بالكتابة. وفي النهاية، نعلم جميعًا أن الكتابة هي فن لا يتوقف، وأن كل كلمة هي خطوة نحو عالم جديد لا نهاية له."


إعداد / الصحفية أسماء أشرف ✍🏻

إرسال تعليق

أحدث أقدم