على ضفاف الذاكرة.. حكاية امرأةٍ ابتكرت خلودها
( أحلام مستغانمي )
حين تصبح اللحظةُ تاريخًا صامتًا..
منذ طفولتي، كان يتردد على مسامعي اسم أحلام مستغانمي، ولطالما ساقني الشغف للسماع عنها أكثر فأكثر ، ورغم جهلي في صغري بعالم القراءة والكتابة، إلا أنني كنتُ أهوى هذا العالم وأعشق كل ما يمت إليه بصلة، لكنني حينها لم أستطع اقتناء كتبها بسبب صغر سني.
وها أنا اليوم قد كبرتُ، قرأتُ الكثير والكثير، وكتبتُ كثيراً.. كنتُ ألتهم الكتب وكأنني أعوض ما فاتني في طفولتي ، وإلى اليوم، تبقى أحلام مستغانمي في الذاكرة كذكرى جميلة احتفظتُ بها منذ صغري.
قبل أن تكبُر الحكاية.. جذورٌ في تربة الأدب ..
في الثالث عشر من أبريل عام 1953، فتحت عينيها على الدنيا في تونس العاصمة، وكأنّ الأقدار شاءت لها منذ البدء أن تذوق طعم الغربة الأولى ، تسع سنوات كاملة قضتها هناك، تغزل حنينها في الصمت، حتى نادتها الجزائر حُرّة عام 1962، فعادت إليها تعانق أرضًا كانت تشبه أسطورة يرويها الكبار
هناك، على أرض الوطن المشتعل بالحرية، نشأت ورأت كيف تحترق الأرواح عشقًا وتاريخًا، فقبضت على القلم وجعلت من الحبر سِلاحها ووطنها البديل، لتثبت للعالم أن الحكايات حين تُكتب بدم القلوب.. لا تموت.
حين أدركت أن الرواية هي ثورتها
الأجمل
لم تكن الإذاعة بالنسبة لها مجرد نافذة بثّ أو صوتٍ عبر الأثير، بل كانت ساحةً تتسلل منها إلى قلوب العطشى للجمال؛ همست عبر برنامجها (همسات)، فصار اسمُها شاعرةً تقتفي الأرواح خطاياها الشفيفة
وفي سبعينات القرن الماضي، حملت حقائب شجنها ورسخت خُطاها الأولى بإصدار:
على مرفأ الأيام
الكتابة في لحظة عارية
ثم رحلت نحو باريس؛ هناك، تحت سماء
المدينة الضبابية، تقاطعت أقدارها مع صحفيّ لبنانيّ غيّرت رحلتها معه مجرى الحكاية، قبل أن تعتلي منصات العلم في الثمانينات وتقتنص شهادة الدكتوراه من جامعة السوربون .
لم تكن الحياة لديها سوى سفرٍ دائم بين المدن، حتى ألقت أرساءها في بيروت؛ تلك المدينة التي تشبه كبرياءها وشغفها ، وفي عام 1998، قطفت ثمرة استبداد الحبر بها حين حازت (جائزة نجيب محفوظ) عن روايتها الأيقونية (ذاكرة الجسد) التي زلزلت عالم الأدب، لتبدأ معها ثلاثيتها الخالدة وتُتبعها بـ:
فوضى الحواس
عابر سرير
ولم يتوقف طوفان كلماتها؛ فباغتت القراء
بـ (نسيان ) كدليلٍ للكبرياء الأنثوي، وتغنت بالوجع في (الأسود يليق بك)، وجمعت أسرار الحب والحياة في (شرفات بحر الشمال) و(عليك اللهفة) و(شهياً كفراق)
ولأن كلماتها لم تكن مجرد حبرٍ على ورق، بل صرخةً علنية للانحياز إلى الإنسان، اختارتها منظمة (اليونسكو) فنانةً من أجل السلام وصوتاً يُبشر بالمحبة؛ ليغدو قلمها رسالة دفاعٍ عن المرأة، وثورةً تناهض العنف، وجسرًا يربط بين الثقافات.
سيدةُ الحبر الشجي.. حين تغدو الكتابةُ فعل كبرياء
لم تكن أحلام مستغانمي تعزف على أوتار اللغة لتكتب مجرد روايات، بل كانت تبتكر حالة من العشق والكبرياء والتمرد الأنثوي. نسجت عباراتٍ أصبحت أشبه بتمائم يحفظها العشّاق والمخذولون على حدٍّ سواء.
في أدبها، نرى الحب متلبساً بالحرب، والذاكرة ممتلئة بأطياف الوطن، والخيبة تُعاش بكبرياء لا بانكسار. جعلت من الأسود لوناً للكرامة، ومن النسيان فرساً يُركب لمواجهة الغياب. إنها الكاتبة التي لم تُعلم قارئاتها كيف يعشقن فحسب، بل كيف يحتفظن بكرامتهنّ حية في قلب العاصفة.
السطرُ الأخير.. بدايةُ خلودٍ لاينتهي
واليوم، حين أعود بالذاكرة إلى تلك الطفلة التي كانت تتمنى مصافحة كتبها، أدركُ أن الكُتّاب الحقيقيين لا يسكنون أرفف المكتبات فحسب، بل يمتدون في أرواحنا، ويُشكّلون ذائقتنا دون أن ندري.
رحلة أحلام مستغانمي لم تكن مجرد سيرة ذاتية لامرأةٍ عاشت بين الترحال والحبر، بل كانت حكاية جيلٍ كامل تعلم كيف يكتب وجعه بكبرياء، وكيف يحول غياباته إلى نصوص لا تموت.
تتغير المدن، وتتمزق الأوراق، وتغيب الأيام.. لكن صوتها يبقى هناك، معلقاً بين السطور، ليُذكّرنا دائماً أن الكلمة الصادقة هي الوطن الوحيد الذي لا نُهجَر منه أبداً.
سلامٌ على التي جعلت من الكلمة كبرياءً، ومن الحزن طقساً جميلاً، ومن الذاكرة حكايةً أبدية لا يطالها غياب.