حين لا تكفي الأرقام للحكم على الإنسانالمقدمة



المقدمة:

في وقت أصبحت فيه الأرقام جزءًا أساسيًا من الطريقة التي نقيس بها نجاحنا، أصبح من السهل أن نختصر الإنسان في رقم؛ تقدير دراسي، راتب، عدد من الإنجازات، أو حتى عدد المتابعين. وكأن قيمة الإنسان يمكن أن تُكتب في خانة، أو تُقارن بغيره في جدول.

لكن خلف كل رقم حكاية لا تظهر في النتيجة النهائية؛ محاولات لم يراها أحد، اختيارات صعبة، أخطاء صنعت خبرة، وأيام كان فيها الاستمرار وحده إنجازًا. لذلك، ربما حان الوقت لنسأل أنفسنا: هل الأرقام تخبرنا فعلًا مَن يكون الإنسان، أم أنها تخبرنا فقط عن جزء صغير مما حققه؟

المقال:

في حياتنا اليومية، أصبحت الأرقام حاضرة في تفاصيل كثيرة من حياتنا. نقيس بها النجاح، والتفوّق، والدخل، وعدد الإنجازات، وأحيانًا نستخدمها للحكم على الأشخاص أنفسهم. قد نسأل عن التقدير قبل أن نسأل عن التجربة، وعن الراتب قبل أن نعرف طبيعة العمل، وعن النتيجة قبل أن نفهم الطريق الذي أوصل إليها.

ومع الوقت، أصبح من السهل أن نضع الإنسان في صورة مختصرة، ثم نحكم عليه من خلال رقم أو نتيجة. لكن هل يمكن فعلًا لرقم واحد أن يختصر إنسانًا بكل ما يحمله من تجارب واختيارات ومحاولات؟

الدرجة الدراسية، مثلًا، تستطيع أن تخبرنا عن نتيجة امتحان، لكنها لا تخبرنا عن عدد الساعات التي قضاها الطالب في الدراسة، ولا عن الظروف التي مرّ بها، ولا عن المرات التي حاول فيها أن يفهم ولم يستطع. وكذلك الوظيفة أو الراتب قد يعطياننا فكرة عن جانب من الحياة المهنية، لكنهما لا يحددان قيمة الشخص ولا شخصيته.

حتى النجاح نفسه أصبح في أحيان كثيرة مرتبطًا بما يمكن عرضه وإثباته. شهادة جديدة، وظيفة أفضل، منصب أعلى، أو إنجاز يمكن الحديث عنه. وكلما زادت القائمة، شعرنا أننا نسير في الطريق الصحيح. لكن ماذا عن الأشياء التي لا يمكن إضافتها إلى قائمة الإنجازات؟

ماذا عن شخص أصبح أكثر نضجًا بعد تجربة صعبة؟ شخص تعلّم كيف يتحمّل مسؤولية قراراته؟ شخص لم يصل إلى المكان الذي كان يخطط له، لكنه لم يتوقف عن المحاولة؟ هذه الأشياء لا تحمل أرقامًا واضحة، ومع ذلك قد تكون من أهم ما يكوّن الإنسان.

المشكلة ليست في الأرقام، فهي ضرورية في حياتنا وتساعدنا على تقييم الكثير من الأمور. المشكلة تبدأ عندما تتحول الأرقام من وسيلة للقياس إلى وسيلة للحُكم. فعندما نعتقد أن الشخص صاحب الدرجة الأعلى هو بالضرورة الأكثر نجاحًا، أو أن صاحب الدخل الأكبر هو الأكثر قيمة، نكون قد اختصرنا الإنسان في جانب واحد فقط.

والأمر لا يتوقف عند نظرتنا للآخرين، بل يمتد إلى نظرتنا لأنفسنا. فمقارنة حياتنا بأرقام الآخرين قد تجعلنا نشعر بأننا متأخرون، حتى لو كنا قد قطعنا شوطًا كبيرًا مقارنة بما كنا عليه من قبل. قد ننظر إلى نتيجة شخص آخر وننسى تمامًا أن لكل إنسان ظروفه، وقد نرى وصوله ولا نرى الطريق الذي قطعه للوصول.

ربما نحتاج إلى أن نغيّر السؤال من: «كم حققت؟» إلى «ماذا تعلّمت؟». ومن: «أين وصلت؟» إلى «كيف أصبحت؟». فليست كل قيمة قابلة للقياس، وليس كل ما يمكن قياسه قادرًا على التعبير عن القيمة الحقيقية.

في النهاية، قد تخبرنا الأرقام عن النتائج، لكنها لا تخبرنا دائمًا عن الإنسان الذي يقف خلفها. وبين الرقم وصاحبه توجد قصة كاملة؛ فيها نجاح وفشل، خوف ومحاولة، قرارات صحيحة وأخرى خاطئة، وأيام كان فيها الاستمرار وحده إنجازًا.

لذلك، لا بأس أن نستخدم الأرقام لنعرف أين نقف، لكن لا ينبغي أن نسمح لها بأن تحدد لنا مَن نكون. فالإنسان أكبر من مجموع إنجازاته، وأعمق من أي نتيجة، وأهم بكثير من رقم يمكن كتابته بجانب اسمه.

إرسال تعليق

أحدث أقدم