حوار صحفي مع الكاتبة/ أسماء عبدالمقصود.

لكل كاتب حكاية تبدأ قبل أن يكتب أول كلمة، حكاية مليئة بالشغف والتجارب التي تصنع منه صوتًا مختلفًا. الكاتبة " أسماء عبدالمقصود " واحدة من تلك الأصوات التي نجحت في الوصول إلى القارئ بصدق وعمق. في هذا اللقاء الخاص، نتوقف معها عند محطات مهمة من مسيرتها الأدبية، ونسلط الضوء على رؤيتها للكتابة والإبداع. 
مرحبا بك في مجله "قعده مُبدعين" يسعدنا ويشرفنا أن نلتقي بهذه الموهبه العظيمه في مجلتنا:
1.هل يمكنكِ أن تخبرينا قليلًا عن نفسكِ وبداياتكِ؟
أهلًا بحضرتكِ، ويسرّني هذا اللقاء الطيب في مجلتكم، وأسأل الله أن يجعله لقاءً نافعًا مباركًا.
اسمي أسماء عبدالمقصود، وقد استخدمني الله عز وجل في حب مجال الدعم النفسي مع الحفاظ على طابعه الإيماني؛ لأنني أراهما كفّتي ميزان لا يستقيم أحدهما دون الآخر. فالنفس إذا أُحسن فهمها هدأت، وإذا أُحسن وصلها بربها اطمأنّت.
وفي الحقيقة، لم تكن في حياتي حادثة فاصلة أشعرتني أنني أمتلك دافعًا خاصًا للكتابة، بل كانت الكتابة تسير إليّ قبل أن أسير إليها. كانت أفكاري تسبقني إلى أوراق متناثرة، وتستقر في أجندات صغيرة منذ أن تعلّمت كيف أمسك القلم، وكيف تتحول الكلمة إلى جملة، وكيف يمكن للجملة أن تصير نحن.
كنت أكتب كثيرًا، كثيرًا دون أن أعلم أن ما بين يديّ قد يكون شيئًا يستحق أن يُرى أو يُقرأ. وكنت أحتفظ بما أكتب كأنني أحتفظ بحديث خفي بيني وبين نفسي، لا يطّلع عليه أحد، ولم أكن أفكر في الأمر كثيرًا.
وخلال سنوات الدراسة، كان معلّميّ كثيرًا ما يُبدون إعجابهم بمقالاتي العربية والإنجليزية وموضوعات التعبير، فكان ذلك يشبه نسمات تدفع مركبًا صغيرًا في عرض البحر دون أن أشعر.
أحببت الكتابة، واسترسلت فيها، ولم أكن أدرك أن السر ببساطة هو أنني كنت أجد نفسي فيها؛ فإذا بدأت الكتابة فاضت بي، كما يفيض النبع إذا وجد مجراه.
وكانت لي صديقة لا ولن أنسى فضلها عليّ، كانت خير الداعمة وخير القارئة. تعرّفت مصادفةً على بعض ما أكتب، ومنذ تلك اللحظة لم يمر نص كتبته إلا وكان لها فيه حضور ورأي. كانت تقرأ كل ما أكتب، ولو كلمة واحدة، وتبدي إعجابها حتى بما قد أراه أنا عابرًا لا يُلتفت إليه، فكأنها كانت ترى في الحروف بذورًا قبل أن أراها أنا سنابل.
ومن هنا كانت البداية. لم تكن لحظة انطلاق مفاجئة، بل كانت رحلة دبّرها الله عز وجل بلطفه، وساقني إليها، واستخدمني فيها على قدر ضعفي، بغير حول مني ولا قوة. وأسأله أن يجعل لما أكتب أثرًا طيبًا



2.ما السبب الذي دفعكِ إلى الكتابة؟

لا أستطيع أن أحدد سببًا واحدًا أقول إنني قررت الكتابة من أجله. الأمر جاء معي دون ترتيب.
ربما وجدت أن هذه هي الطريقة التي تساعدني على التعبير عن نفسي وتفكيري ومشاعري، وربما كنت أشعر أن القلم والورق يفهمانني بطريقة لا أستطيع تفسيرها.
لم أجلس يومًا لأقرر أنني سأصبح كاتبة، وإنما وجدتني أكتب، ثم أحببت ما تمنحني إياه الكتابة من مساحة أستطيع فيها أن أقول ما بداخلي كما هو.



3.متى بدأتِ الكتابة؟ وكيف اكتشفتِ هذه الموهبة؟

بدأت الكتابة منذ سنوات الدراسة الأولى، منذ أن عرفت كيف أمسك القلم وأحوّل ما يدور في داخلي إلى كلمات.
ولعل أجمل ما في الأمر أنني لم أكتشفها في لحظة واحدة؛ اكتشفتها بالتدريج. بدأت بكتابات صغيرة لا يراها أحد، ثم بدأت ألاحظ إعجاب المعلّمين بما أكتب، وبعد ذلك بدأت أجد من يقرأ لي ويشجعني.
ومع الوقت فهمت أن الكتابة مساحة أجد فيها نفسي وأستطيع من خلالها أن أصل إلى الآخرين.



4.ما أبرز إنجازاتكِ في مجال الكتابة؟

الحمد لله، وبفضل الله وتوفيقه، كتبت في مجالات متعددة مع بعض الشركات في مجال العمل الحر ككاتبة محتوى، كما أعمل في كتابة المحتوى والسيناريو لدى بعض الجهات.
وكان من أهم ما قدمته حتى الآن كتابان: «رحلة أمان» و«بهجة»، وهما من الأعمال القريبة إلى قلبي.
كما أمتلك صفحة باسمي، «أسماء عبدالمقصود»، أشارك من خلالها كتاباتي وأفكاري.
وأحمد الله قبل كل شيء أن أجد لما أكتبه أثرًا يصل إلى الناس، فربما يكون الأثر في قلب إنسان أعظم عندي من أي إنجاز آخر.



5.هل يمكنكِ أن تعطينا نبذة ؟

كلاهما قريب إلى قلبي، ولكل واحد منهما مكانته الخاصة.
«رحلة أمان» يحمل جزءًا من الأفكار التي أؤمن بها حول الإنسان، ونفسه، واحتياجه إلى الأمان والفهم والطمأنينة.
أما «بهجة»، فهو أقرب إلى المساحات التي تذكّر الإنسان بأن الحياة لا تخلو من الأشياء الجميلة، وأننا أحيانًا نحتاج فقط إلى أن ننتبه إليها ونمنحها حقها من الشعور.



6.ما الرسالة التي تريدين إيصالها من خلال أعمالك الأدبية؟

أريد أن أصل إلى الإنسان في التفاصيل التي قد لا ينتبه إليها.
أريد أن أوصل أهمية الصحة النفسية، وأهمية أن يهتم الإنسان بتفاصيل نفسه ومشاعره، وألا يمرّ عليها الزمن دون أن يفهمها.
وأؤمن كذلك بأن الدين جزء لا يتجزأ من صحتنا النفسية، لكنني أريد أن أقدّم هذه الفكرة بصورة صحيحة ومتزنة؛ أن نفهم أنفسنا بصورة أعمق، ونفهم من حولنا بصورة أرحب، وأن ندرك أن الإنسان ليس جسدًا فقط ولا عقلًا فقط، وإنما روح ونفس وجسد، وكل جانب منها له حقه.



7.ما أكبر التحديات التي واجهتكِ أثناء الكتابة؟

الحمد لله، بفضل الله وإعانته يهون كل تحدٍّ..
بالتأكيد مررت بعقبات كثيرة، ولا أعتقد أن أي طريق يخلو منها، لكن فضل الله كان دائمًا أكبر بكثير من كل عقبة.
وأتعلم مع الوقت أن التحدي الحقيقي ليس في وجود العقبات، وإنما في أن نستمر رغم وجودها، وأن نستعين بالله في كل خطوة..



8.هل كان لديكِ كاتب أو قدوة أدبية ألهمتكِ في بداية مشواركِ؟ وكيف أثّر في أسلوبكِ؟

لم يكن هناك كاتب واحد بعينه اتخذته قدوة أو حاولت تقليده، لكنني بالتأكيد استفدت من كل شخص قرأت له أو استمعت إليه.
أؤمن أن كل قراءة تترك شيئًا فينا، حتى وإن لم نشعر بذلك وقتها، وقد نتأثر بفكرة أو أسلوب ..
وفي النهاية، أحاول دائمًا أن يكون لي صوتي الخاص، وأن أكتب بالطريقة التي تشبهني.



9.من الشخص الذي دعمكِ لتسيري في هذا الطريق؟

كانت لي صديقة أكنّ لها فضلًا كبيرًا، ولن أنسى دعمها لي.
كانت أول من رأى بعض ما أكتب، وكانت خير قارئة وخير داعمة. كانت تقرأ لي حتى الكلمات التي كنت أراها عابرة، وتمنحني شعورًا بأن ما أكتبه يستحق أن يُرى.
وأحيانًا لا يحتاج الإنسان إلى شخص يصنع له الطريق.. يحتاج فقط إلى شخص يؤمن به وهو لا يزال في بدايته، وهذا ما فعلته معي..



10.ما اهتماماتكِ الأخرى بعيدًا عن الكتابة؟

أعمل في مجال الصحة النفسية من خلال CBT وLife Coaching، وهو مجال قريب جدًا من اهتمامي، وأحاول من خلاله أن أساعد الإنسان على فهم نفسه بصورة أفضل.
كما أن لدي اهتمامًا ب Graphic design وأمارسه كهواية إلى جانب الكتابة.



11.هل تعتقدين أن الكتابة تحتاج إلى الكثير من المعاناة والصراع الداخلي لخلق شيء مميز، أم أن الإبداع يمكن أن يكون نتيجة لحظات عفوية؟

أؤمن أن الإبداع نتيجة للحظات صادقة..

ليس شرطًا أن تكون كل كتابة عظيمة وليدة الألم، فقد تولد الكلمات من لحظة امتنان، أو فرح، أو تأمل، أو حتى موقف عابر.
المهم في رأيي أن تكون الكتابة صادقة، لأن الصدق يصل دائمًا، وربما يلمس الإنسان في مكان لم نكن نعلم أنه موجود.



12.متى اكتشفتِ أن الكتابة ليست مجرد هواية، بل شغف حقيقي لديكِ؟

حين وجدت أن ما أكتبه يؤثر ويغيّر في حياة بعض الناس، بفضل الله.
عندها أدركت أن الأمر تجاوز كونه مجرد هواية أو وسيلة للتعبير عن نفسي، وأصبح وسيلة يمكن أن أترك من خلالها أثرًا في شخص آخر.
وهذا بالنسبة لي من أجمل ما يمكن أن تمنحه الكتابة لصاحبها.


13.كيف تتعاملين مع النقد؟ وهل كان له تأثير في تطوير أسلوبكِ؟

أتقبل النقد جدًا، وأحمد الله على ذلك.
وأي شخص يوجه إليّ نقدًا أتقبل حديثه بصدر رحب، وأحب أن أناقشه وأفهم وجهة نظره، لأنني لا أؤمن أن الإنسان يصل إلى أفضل نسخة من نفسه إذا أغلق أذنيه عن كل ملاحظة.
بالتأكيد، النقد البنّاء يؤثر في أسلوبي إلى الأفضل بإذن الله، ما دام هدفه الإصلاح وليس مجرد التقليل.



14.كيف ترين مستقبل الأدب العربي في عصر التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي؟

أتمنى من كل قلبي أن يكون المستقبل أكثر إنصافًا لأصحاب التأثير الحقيقي.
فمع الزحام الكبير، قد تختفي عقول مبدعة وأصوات تستحق أن تُسمع، وقد يعلو أحيانًا صوت من يملك حضورًا أكبر، لا من يملك فكرة أفضل.. لكنني أؤمن أن الفكرة في الصادق والمختلف وصاحب الأثر الحقيقي.
والتكنولوجيا يمكن أن تكون وسيلة عظيمة إذا أحسنّا استخدامها، لأنها تتيح للكلمة أن تصل إلى أعداد أكبر بكثير، ويبقى التحدي في أن نحافظ على قيمة الكلمة وسط هذا الزحام.



15.ما رسالتكِ لكل شخص يمتلك موهبة، سواء في الكتابة أو في أي مجال آخر؟

أقول له: استعن بالله و أكمل، وصدّق حلمك، ولا تتوقف عند أول عقبة.. نحن في دنيا، والاستعانة بالله هي أعظم ما نملك فيها. ضع هدفًا أمامك، واسْعَ إليه بكل الطرق الممكنة، ولا تجعل تأخر النتائج سببًا في أن تتخلى عن الطريق.
استعن بالله، وابذل ما تستطيع، وكن صادقًا في سعيك، وتذكّر أن الله معك في كل خطوة.



16.هل أنتِ راضية عمّا وصلتِ إليه حتى الآن؟

الحمد لله، بفضل الله راضية جدًا.
ولست أقول ذلك لأنني وصلت إلى كل ما أريده، وإنما لأنني مؤمنة أن لكل مرحلة قدرها ووقتها، وأن ما كتبه الله لي هو الخير.
أنا ممتنة لكل خطوة، ولكل تجربة، ولكل شخص كان جزءًا من الرحلة.



17.من وجهة نظركِ، هل الأدب قادر على تغيير المجتمع أم أنه مجرد انعكاس له؟

الأدب قادر جدًا على صنع التغيير، ولكن بشرط أن نعطيه الفرصة.
الكلمة قد تغيّر فكرة، والفكرة قد تغيّر إنسانًا، والإنسان قد يغيّر أشياء كثيرة من حوله.
لذلك لا أرى الأدب مجرد انعكاس للمجتمع، بل أراه قادرًا على أن يكون جزءًا من تغييره أيضًا، إذا امتلك الصدق والوعي والمسؤولية.



18.أي كتاب من كتبكِ هو الأقرب إلى قلبكِ؟ ولماذا؟

أحب الكتابين جدًا، وكلاهما قريب مني، لكن ربما يكون « بهجة» هو الأقرب إلى قلبي؛ لأن له ذكريات أكثر عندي، ولأنه ارتبط بمرحلة وتجارب تركت أثرًا خاصًا في نفسي.



19.ما رأيكِ في مجلة «قعدة مُبدعين»؟ 

أتمنى لكم كل التوفيق.
وأرى أن فكرة الحوار جميلة ومميزة، وسعدت جدًا بهذه المساحة التي أتاحت لي أن أتحدث عن جزء من رحلتي ..



20.هل تعملين حاليًا على مشروع جديد؟ وما الذي يمكن أن نتوقعه منكِ قريبًا؟

نسأل الله التوفيق.
أعمل بإذن الله على تقديم شيء مختلف ومميز، يليق بالقراء ويكون له قيمة حقيقية..
لا أحب أن أستبق التفاصيل، لكن إن شاء الله ننتظر شيئًا جديدًا، وأسأل الله أن يبارك فيه وينفع به. 
والله المستعان..


في النهاية، نكون قد استعرضنا بعضًا من أبعاد الكتابة الإبداعية وتعرفنا على رؤية الكاتبة العميقة والمميزة لهذه العملية الرائعة. كانت هذه الجلسة بمثابة رحلة مليئة بالإلهام والتأمل، حيث أضاءت الكاتبة أمامنا أفقًا جديدًا لفهم الأدب والتعامل مع الإبداع. نُشكر الكاتبة المبدعة " أسماء عبدالمقصود " على وقتها الثمين ومشاركت أفكارها، ونتمنى أن تكون هذه الكلمات مصدر إلهام لجميع المبدعين الشغوفين بالكتابة. وفي النهاية، نعلم جميعًا أن الكتابة هي فن لا يتوقف، وأن كل كلمة هي خطوة نحو عالم جديد لا نهاية له."


إعداد: الصحفية أسماء أشرف ✍️

إرسال تعليق

أحدث أقدم