كريم مقلد لقعدة مبدعين:القصيدة التي تبحث عن الجائزة قد تصل إليها، لكن القصيدة التي تبحث عن حقيقتها هي التي يمكن أن تبقى... حوار خاص
في هذا الحوار الاستثنائي لـ "مجلة قعدة مبدعين"، يفتح لنا الشاعر كريم مقلد أبواب عالمه الخاص، ليتحدث بشفافية مطلقة عن كواليس رحلته التي تخللتها محطات في اللياقه البدنيه،الصحافة وتنقيب الآثار، قبل أن يستقر في محراب الترجمة. نغوص معه في رؤيته الجريئة للمشهد الثقافي الراهن، حيث يضع يده على الجرح محذرًا من تحول الإبداع إلى سلعة تُفصل على مقاس الجوائز وذائقة لجان التحكيم
1- الشاعر والمترجم كريم مقلد : اهلا بك في قعدة مبدعين هل من الممكن أن تعرفنا في سطور من هو كريم مقلد ؟
اهلا برواد مجلة قعدة مبدعين، انا شاعر مصري وُلد في الريف المصري، على سرير أخضر كما كان يقول نزار قباني، مع اختلاف المكان والتجربة. نشأت في أسرة بسيطة بقرية لاصيفر البلد، وعشقت منذ طفولتي الخُضرة والاستماع إلى الطبيعة والعيش في غمارها، وظل ارتباطي بالتربة السمراء عميقًا في داخلي.
انتقلت أسرتي لفترة قصيرة إلى الإسكندرية، المدينة التي ارتبطت بها روحي رغم أنني كنت طفلًا لم يكن قد أدرك الحياة ومعانيها بعد. ثم عدنا إلى كفر الشيخ، حيث تلقيت تعليمي حتى المرحلة الثانوية، قبل أن أنتقل إلى قنا للدراسة في كلية الآثار بجامعة جنوب الوادي. وهناك اقتربت من البيئة الصعيدية الحقيقية، وصادقت عددًا من الشعراء الذين أصبح بعضهم نجومًا في المشهد الثقافي اليوم.
مررت خلال حياتي العملية بتقلبات ومحطات كثيرة، بين الصحافة والسياحة وغيرها، حتى استقر بي الحال في عالم الترجمة، الذي أمضيت فيه سنوات وما زلت أعمل به. وفي كل هذه الرحلة، لم تغب عيناي عن المنارة التي كنت أرنو إليها طوال الوقت: الشعر.
2-من تنقيب الآثار إلى صالات اللياقة، ثم عوالم الترجمة والشعر.. هل كان كريم مقلد يبحث عن نفسه في كل هذه المحطات، أم أن الشاعر في داخلك كان يجرب أن يعيش أكثر من حياة ليجد قصيدته؟
بالتأكيد. معظم هذه التجارب جاء بحكم الظروف، والقليل منها كان باختياري، وإن كان الاختيار نفسه ينتهي بنا أحيانًا إلى مواجهة جبرية الحياة؛ فمهما اخترنا طرقنا، تظل صروف الدهر قادرة على أن تضعنا تحت مطرقة ما لا نملك دفعه.
لكنني أؤمن أن كل تجربة عشتها تركت أثرًا في تجربتي الشعرية. كنت أبحث عن نفسي بالفعل، إلا أنني منذ نعومة أظفاري كنت أكتب الشعر، منذ المرحلة الابتدائية، وكنت شغوفًا بخوض التجارب، واكتشاف الأمكنة، والاقتراب من الأشخاص والمواقف المختلفة.
كانت بعض هذه التجارب قاسية، لكنها، بطريقة أو بأخرى، صنعت مني شاعرًا مختلفًا، صاحب تجربة ومفردات وطريقة تناول خاصة. وربما لم أكن أدرك ذلك وقتها، لكنني الآن أرى أن كل ما عشته كان يضيف حجرًا إلى بناء تجربتي. وما زال أمامي الكثير لأضع شعر العامية في المكانة التي يستحقها، وأميز بين الغث والثمين.
3-من جغرافيا الدلتا (كفر الشيخ) إلى عمق الصعيد (قنا) ثم صخب السياحة (شرم الشيخ).. كيف انعكست هذه الأمكنة المتناقضة على تجربتك ومفرداتك؟
كما قلت، أعشق الخُضرة والعيش في أحضانها، كما أعشق البحر. لكن شيئًا آخر كان يسكن داخلي ولم أكتشفه إلا عندما ذهبت إلى قنا، رغم معاناتي في التكيف مع الحياة هناك في بداياتها؛ وهو عشقي للنيل والجبال.
ثم جاء ارتباطي بالأشخاص، وهم جزء أصيل من أي تجربة إنسانية. وسأكون غير منصف إذا قلت إن قنا لم تُثرِ مفرداتي وتجربتي؛ بل ربما كنت سأظل شاعرًا يبحث عن نفسه حتى اليوم لو لم أذهب إلى قنا العزيزة.
أما شرم الشيخ، فقد أمضيت فيها قرابة ثماني سنوات، لم أحتك خلالها بالوسط الشعري، لكنها كانت مدينة تركت أثرها بطريقتها الخاصة. كانت بالنسبة إليّ عزلة وتجربة جديدة وخلوة مع النفس، كتبت خلالها بعض النصوص، وإن كانت قليلة، إلا أنني أعتز بها كثيرًا.
4-عملك بالصحافة لفترة كيف أثر على حدسك وماذا اعطاك وأخذ منك ؟
في الحقيقة، وجدت بعض الأصدقاء يعملون في الصحافة، وبعد تخرجي كنت أبحث عن عمل، فوجدتها الأقرب إلى شغفي في ذلك الوقت. تدربت في عدد من الجرائد وعملت فيها وفي غيرها فترة لم تزد على عامين.
أما عن الحدس، فأظن أن لكل شاعر حدسًا خاصًا، وربما تكون لديه بصيرة تجعله يرى ما لا يراه الآخرون.
كانت فترة الصحافة ثرية بالعلاقات والأصدقاء، ومنحتني احتكاكًا واسعًا بالمجتمع القاهري، وهو ما أضاف بالتأكيد إلى تجربتي الإنسانية. لكنني لم أعتبر نفسي صحفيًا بالمعنى الاحترافي الكامل؛ لأن ما كنت أسعى إليه كان الوصول إلى شيء أصبح، في الأجواء التي أعقبت ثورة يناير وحالة الاستقطاب التي صاحبتها، بالغ الصعوبة، وربما مستحيلًا.
وفي النهاية تركت الصحافة، أو ربما تركتني هي، بعد أن فترت العلاقة بيننا.
5-اخترت اسم "نهاوند" عنوانًا لديوانك الأول.. هذا المقام الموسيقي صاحب الشجنٌ والرقة. هل "نهاوند" كان مرآة لرؤيتك للحياة، أم هو محاولة لترميم ما أفسدته الرحلة بالقصيدة؟
بالفعل «نهاوند» هو اسم المقام الموسيقي المعروف بما يحمله من شجن ورقة، وهو في الوقت نفسه اسم لمعركة نهاوند بين المسلمين والفرس. وقد قصدت هذا التداخل تحديدًا؛ ففيه بُعد درامي أظن أن قارئ الديوان وبالأخص القصيدة التي تحمل هذ الاسم، سيكتشفه بصورة أوضح.
أما الديوان في مجمله، فهو تجربتي الأولى، وقد استغرق مني أكثر من أربعة عشر عامًا حتى يخرج إلى النور. وأنا بطبيعتي مقل جدًا في الكتابة، وربما كان ذلك عيبًا في جانب منه؛ إذ أمكث مع القصيدة أشهرًا طويلة حتى أصل إلى صورتها التي أرضى عنها. أحذف كثيرًا، وأبحث كثيرًا، وأعود إلى النص مرارًا، أراجعه وأدققه، ومن الصعب أن أشعر بالرضا الكامل عن الناتج النهائي.
لكن لحظة صدور «نهاوند» كانت لحظة سعادة حقيقية بالنسبة إليّ؛ لأنه لم يكن مجرد ديوان منشور، وإنما خلاصة سنوات طويلة من الكتابة والتأمل والمراجعة.
وبعده انشغلت بقصائد جديدة تمهيدًا لتجربة أخرى وديوان آخر، ومع ذلك يظل «نهاوند» قريبًا جدًا إلى قلبي؛ فهو باكورة أعمالي، وأول أبنائي، وله في نفسي مكانة لا تشبهها مكانة أي عمل آخر.
6-الفوز بمسابقة النشر الإقليمي لعام 2023 كان تدشينًا رسميًا لتجربتك؛ كيف تحمي شغفك العفوي بالكتابة من "رسمية" الألقاب والجوائز ؟
في الحقيقة، لا أميل كثيرًا إلى الجوائز؛ لأنني أرى أن بعض الشعراء أصبحوا يتعاملون معها بوصفها غاية مادية أكثر منها اعترافًا بالقيمة الأدبية. وفي رأيي أن الجائزة الحقيقية ينبغي أن تحظى برعاية مؤسسية جادة، وأن ترفع الدولة من شأنها إعلاميًا وماديًا، لأن قيمة الجائزة في النهاية تستمد جانبًا كبيرًا من قيمتها الأدبية من الجهة التي ترعاها ومن المعايير التي تُبنى عليها.
لكن المشهد اختلط في السنوات الأخيرة، وأُسندت بعض الجوائز إلى غير مستحقيها، وظهرت ترشيحات وأسماء لا أراها معبرة عن جوهر الشعر الحقيقي. كما ظهرت جوائز عربية ذات إمكانات مادية كبيرة، وأصبح بعض الشعراء يسعون إليها بشدة، حتى بدأنا نرى تجارب تتشابه فيما بينها؛ لأن ما يوافق ذائقة بعض لجان التحكيم يصبح هو الأقرب إلى الفوز.
وهنا أرى أن الخطر الحقيقي يكمن في أن يتحول الشاعر من البحث عن صوته الخاص إلى البحث عما يرضي الجائزة. فالسعي المحموم وراء الجوائز أزاح، في أحيان كثيرة، السعي وراء الاختلاف، وأضر بالمشروعات الشعرية الجديدة التي تستحق أن تجد طريقها إلى الواجهة، ولا سيما في شعر العامية. وأنا أفضل أن تظل القصيدة وفية لضرورتها الداخلية، لا أن تُكتب بعين تترقب لجنة التحكيم.
أما عن جائزة النشر الإقليمي، فقد تمثلت بالنسبة إليّ في طباعة الديوان، لا أكثر ولا أقل؛ فقد كنت في حاجة إلى طباعته، وحين وجدت فرصة تتيح ذلك مجانًا تقدمت إليها لهذا الغرض وحده. لم يكن هدفي من التقدم تسليع شعري أو البحث عن عائد مادي، وإنما إتاحة الفرصة للديوان لأن يرى النور ويصل إلى القارئ.
7- ماهي مشاريعك القادمة؟
كتبت عددًا من القصائد ضمن مشروع الديوان الجديد، ونشرت معظمها على صفحتي في فيسبوك، باعتبارها نافذتي الأقرب إلى من يحب هذا النوع من الكتابة. وأطمح أن يكون للديوان، رغم تعدد موضوعاته، نفس شعري واحد يجمعه، وأن يمثل مشروعًا مكتملًا، له خطه الخاص وهويته المغايرة، بحيث لا يشبه أحدًا، ويكون له صوت يمكن أن يُقرأ ويُقال عنه: هذا ما يكتبه كريم مقلد.
ومن القصائد التي أنجزتها في هذا المشروع: «الخانقاه»، و«آية الولي»، و«ريم»، و«السمندل»، وأنا الآن عاكف على كتابة قصيدة جديدة تنتمي إلى الروح الشعرية نفسها، لكنها تأتي في ثوب مختلف عن سابقاتها.
أما في الترجمة، فهناك كتب قيد النشر أعتز بما قدمته فيها، من بينها أعمال أدبية واجتماعية.
8-ما الشئ المختلف الذي تطمح إليه في هذا المشروع ، وما الشغف الجديد الذي يفرض نفسه على أوراقك في كتابة ديوانك الثاني ؟
لا أريد أن أحدد المشروع تحديدًا صارمًا، حتى لا يتحول التحديد إلى نوع من التحجيم أو التأطير، لكنني منشغل في هذا الديوان بعاطفة الزهد والنفس الصوفي، حتى وإن لم تُقدَّم الصوفية فيه بالصورة المعتادة.
فالتصوف عندي له مفهوم وشكل مختلفان؛ إنه ليس حالة منفصلة عن الحياة، بل يتداخل مع تجاربها وتفاصيلها كلها. لذلك لا أرى غرابة في أن أتناول معركة بروح صوفية، أو مولدًا بنهج صوفي، أو أي تجربة إنسانية أخرى من خلال هذه الرؤية.
إنها في النهاية محاولة للاقتراب من مفهوم مغاير للصوفية، أقرب إلى الزهد، لكنه لا يتماهى معه تمامًا. وأظن أن القارئ المتأمل في القصائد سيشعر بهذا النفس الصوفي، لا بوصفه فكرة معلنة، وإنما كطعم خفي يتسلل إليه أثناء القراءة ويتكشف له شيئًا فشيئًا.
9-المترجم يرتدي عباءة الدقة بصرامة ، والشاعر يتجرد من كل شيء ويستخدم ألفاظه الخاصة ومفراداته .. كيف يعيش المترجم والشاعر في عقل كريم مقلد دون أن يصطدما؟
في الحقيقة، لا أرى تصادمًا بين الشقين. فالترجمة بالنسبة إليّ عمل له حدوده ووقته ومقابله، حتى وإن كان متصلًا بالأدب؛ أما الشعر فهو شيء آخر تمامًا، متجرد من هذه الحدود كلها، ومحلق في سماء لا تحدها قواعد العمل ولا تحكمها فكرة المقابل أو الزمن.
الترجمة أتعامل معها باعتبارها حرفة تحتاج إلى الدقة والانضباط، بينما الشعر حالة أكثر اتساعًا وحرية؛ ولذلك يستطيع المترجم والشاعر أن يعيشا في داخلي دون أن يتصارعا، لأن لكل منهما فضاءه الخاص.
10-نُشرت ترجماتك في منصات معرفية وثقافية كبرى.. هل أضافت دقة الترجمة ومفرداتها بعدًا جديدًا للصورة الشعرية في قصيدتك، أم جعلتها أكثر حذراً؟
كما قلت، أظن أن الشعر يمكن أن يضيف إلى الترجمة، ولا سيما في صياغة القوالب السردية، أكثر مما تفعل الترجمة مع الشعر بصورة مباشرة. فالشعر شديد التكثيف، ومفرداته منتقاة بعناية بالغة، وكل قصيدة ينبغي أن تمتلك لغتها الخاصة، وألا تكون نسخة من قصيدة أخرى، سواء مما كتبته أنا أو مما كُتب قبل ذلك في تاريخ شعر العامية.
أما الترجمة فهي بحر واسع من اللغات والثقافات، وما أضافته إلى تجربتي جاء أساسًا من الثقافة التي اكتسبتها عبر القراءات الغربية، إلى جانب قراءات أخرى كثيرة أثرت في تكويني ومعرفتي بالحياة.
وأنا أرى أن الشاعر الذي يفتقر إلى الثقافة، لا في الأدب وحده وإنما في الحياة والمعرفة عمومًا، يظل شاعرًا محدود الأفق مهما امتلك من موهبة؛ فالموهبة وحدها لا تكفي. وإذا نادى الشاعر الأفق ولم تكن لديه معرفة واسعة بما حوله، فلن يجد في الأفق ما يجيبه.
11-تنقلت بين مسارح الجامعة، ساقية الصاوي، وبيت الشعر.. متى يبتسم الشاعر بالرضا وهو على المسرح؟ وكيفى تجد جمهور اليوم في تذوق شجن العامية وسط كل هذا الزخم؟
رغم هذا الزخم الكبير، أرى أن الشعر الحقيقي، الذي يقدم صورة شعرية مختلفة، وبناءً أدبيًا مغايرًا، وتجديدًا حقيقيًا في التناول، أصبح قليلًا جدًا، حتى يكاد يُعد على أصابع اليد الواحدة. لقد أصبح اللون الأدبي الواحد، أو تكرار النموذج نفسه، يهيمن على مساحة كبيرة من المشهد.
أما على المسرح، فمن الضروري في رأيي أن يعجب الشاعر بالجمهور قبل أن يحدث العكس؛ فإذا اجتمعت الحالتان، فهنيئًا للجميع.
أسعد لحظاتي هي تلك التي أسمع فيها آهة أو ابتسامة من الجمهور وأنا أنتقل من صورة شعرية إلى أخرى، أو حين يقاطعني التصفيق قبل أن أتمكن من إكمال ما أقول. في تلك اللحظات أشعر أنني أكملت رسالتي، أو بالمعنى المجازي بالطبع، أنني نصف إله، كما كان يعتقد الإغريق.
12-اذا حُصرت في مجال واحد فماذا سيكون ولماذا ؟
الشعر ليس مجالًا بالنسبة إليّ، بل هو حياة. لقد سبقني الشعر إلى مهدي، ثم جاءت الحياة لتتيح للآخرين أن يتعرفوا إليّ من خلاله.
لكن إذا كنت تقصدين مجال العمل، فسأختار أن أكون راعيًا بسيطًا للغنم، يجلس في بريته وسط مزرعته الصغيرة، ويربي أبناءه وأحفاده، من دون ثقافة ولا قراءة ولا شعر، بل بالفطرة وحدها. أظن أن الحياة، في بساطتها الأولى، ربما كانت ستكون أجمل.
13-كيف ترى المشهد الثقافي اليوم ؟
أعتقد أننا أمام مشهد يثير الأسى؛ فالشعراء يعيشون بين حاجتهم إلى التفرغ للإبداع وحاجتهم إلى بناء مستقبلهم وتأمين حياتهم، وهذه ليست أزمة وليدة اليوم.
لكن دخول المال الخليجي بقوة إلى مجال الجوائز، مع تراجع الدور المؤسسي للدولة والإعلام الوطني، زاد المشهد تعقيدًا. وأصبح بعض الشعراء يسارعون إلى أي فرصة تحمل عائدًا أو دعمًا، ولا ألومهم تمامًا؛ فالخليج ينفق بسخاء، ويمتلك إعلامًا قويًا وتأثيرًا واسعًا.
لكن ما ألوم عليه بعض الشعراء هو أن يغيروا جلد القصيدة كي تتوافق مع جائزة بعينها، وأن يتخلوا عن أسئلتها الكبرى لصالح موضوعات يظنون أنها أقرب إلى ذائقة لجان التحكيم.
البحث في الذات والوجود والقضايا الإنسانية البعيدة عن التماس المباشر مع الحياة كلها موضوعات مشروعة ومهمة، لكن المشكلة تبدأ حين تصبح هي وحدها ما تبحث عنه الجوائز، فيصبح الشعراء بدورهم أسرى لهذا الاتجاه.
المطلوب ليس أن يكتب الشاعر ما تريده الجائزة، وإنما أن يكتب ما تفرضه عليه تجربته وضرورته الداخلية. فالقصيدة التي تبحث عن الجائزة قد تصل إليها، لكن القصيدة التي تبحث عن حقيقتها هي التي يمكن أن تبقى.
14-هل من الممكن أن تهدي للمجلة قصيدة من إبداعك؟
يسعدني بالطبع أن أهدي لكم آخر قصائدي وهي "السمندل"
في غابة نهر جودينو سمندل سيئ السمعة
يصاحبه الليل على دينه فيسرق م القمر لمعة
في بطئه -لما يتهادى في صمته- يشبه الدمعة
حرقت العشب كالعادة يعيش الدهن في الشمعة
يعيش الزيزفون غابة يموت راكية قتيل الشاي
حلوق الساكس قلابة عرب باكية بتشرق ناي
إعاقة وراثها من طفرة لسهم بينتخب ذكراه
سكن قلبي على زفرة، وسارق نبضه بالإكراه
موطن روحي في القرية برغم الترك
وعازل كهربة وطني عن الدنمارك
ومين قضّى شبابه تراب وما اتعلقش بالجدر فأوان الحصد
وهاجر في الليالي غراب صبح ينعق كبلبل غنى من غير قصد
طلع من صدره يتنفس لقى العنبر في بطن الحوت
عشان الشم له ذكرى صبح جدد حياته بموت
على الضفة المقابلة لقصره نبت قلبه في الضلمة
طرح جنية م الفايكينج سنت رغبته التالمة
ومين يقدر يفك ضفاير الجينجر،
يغازل لمعة الخنجر،
يهادن في احتضاره بشوق سبقله الدبح من عالمة
وعازل كهربة جسمي ما بتوترش.. لأني فاقد الإحساس
بصلي لروحي ما تمطرش.. بتهجد بقلب نحاس
ملامحي نتيجة محسومة في زاوية حيطة بتلطّع
عشان أقرا تاريخ الغد لازم أمسي يتقطّع
على مد البصر كارين على مد الهوى ثومة
سمندل نهر جودينو علاقته بيا مسمومة
علاقتي بالهتاف وقت السحر .. أو بحة من صوت انتحر.. في الجنة همس
علاقتي بالبيات من غير عشا .. أو صحوة من قرص الحشا.. في الجنة غمس
علاقتي بالحواس الخمس دب فسهل أفريقي
نجا م الانقراض، مملوك..
نجا م القلعة، أو لؤلؤ..
نجا م الرمل..
كله في الهوا معزول
وكله قد ما بيسعى يخلد قصته هيزول
أنا سمعت انسحاب ظلي كموجة من معدية
نحيب زغلل عيون النيل ودوب كحله في المية
وطار الشعر يهجيني في جوقة ما ورائية
في أفلام البطل يحتل وينادي
هنا الحرية.. غمتني
تبوغ الرحلة والتخميس
في أحلام انسكاب التلج في بلادي
زهدت الشمس ويارتني..
هنا بتسيّح الكوابيس
هنا المنظر ديكور الجنة .. مش لايق على الدنيا
هناك المخ فيه زنة.. بتتمنى وقاعد ليه؟
مهاجر لم ينل خيرها.. وخيرها لم يزل منية
ما شافش من الصور غيرها.. من الكسرة اللي جوا عنيه
ما نشفش الهوا برا عرق طول السفر جواه
فكمكم روحه واتعطر صبح من لذته أواه
أنين يشبه لقا حورية لما تفكره بحواه
لا دي النشوة اللي خمنها ولا نفس الهوى هواه
أنا بشتاق لها خلسة عشان عيب إني أقول حنيت
ومين يستاهل الحبسة عشان مصر الوطن مش بيت
فليه شيلاني في النني مادام عامية
وليه طالبه الوصال مني ما دام رامية
وليه جنسيتي التانية بتستغربني في الباسبور
وليه صدر الجوى كامل في بيت الذاكرة المشطور
وحشتيني ورق أخضر إذا شم الخريف خمه
ينشف دمه ويهادي الصفا بالنصل
وحشتيني صنوبر حن للبرد ف حما أمه
لأنه من فصيلة حب...... حب الأصل
وحشتيني ولو عديتي من جوايا مش رامش
يا روح لبستني في التكوين وخلت لي الحياة هامش
في غابة نهر جودينو سمندل مختفي حسه
هنا القهوة اسبريسو سيجاري فوينتي وهافانا
ومش بتامل الدخان أنا اللي رقبتي ملووحة
وليه بتهجى في العنوان وأنا عايش في نيرفانا؟
فلا ينفع أكون نشوان ولا بعد الهدى روحة
لقلب ابني اللي معرفهاش وتنهيدته اللي عرفانا
هشوف الجنة بعيونه واسيبله نهاية مفتوحة
-ما رأيك في هذا الحوار وفي مجلة قعدة مبدعين؟
حوار ماتع، أُحسنتِ فيه صياغة الأسئلة واختيارها بعناية، واستطاع أن يغطي طيفًا واسعًا من حياتي وتجربتي، سواء على المستوى الإنساني أو الأدبي والمهني.
وأشكر الشاعرة والصحفية يمنى أبو السباع على اهتمامها، وعلى شعورها بالمسؤولية تجاه الإبداع والمبدعين، وأتمنى لها دوام التوفيق والاستمرار.
وأنا سعيد بهذا الحوار، وممتن لهذه المساحة التي أتاحت لي أن أتحدث عن جوانب من تجربتي، وأن أشارك القارئ بعض ما يشغلني في الشعر والترجمة والحياة.. شكرا مجلة قعدة مبدعين.
وفي نهاية هذا الحوار الممتع ، لا يتوقف ضيفنا عند حدود التجربة الأولى، بل يأخذنا في جولة داخل مشروعه القادم الذي يتنفس بروح صوفية مغايرة، وزهد يتقاطع مع تفاصيل الحياة اليومية في معاركها وموالدها. يكشف لنا كيف ينجح يومياً في عقد معاهدة سلام بين المترجم المنضبط والشاعر المتمرد داخل عقله، دون أن يصطدما ، شكرا للشاعر المترجم كريم مقلد وعلى وعدٍ بالقاء آخر، ومن مجلة قعدة مبدعين نتمنى لك كل التوفيق والازدهار.
حوار بقلم يمنى أبو السباع