رضوى عاشور… أثرٌ لا يشيخ

رضوى عاشور… أثرٌ لا يشيخ

امرأةٌ عبرت من الكتب إلى الذاكرة

كان المطر يقرع زجاج النافذة بهدوء، وفي مكانٍ ما، أتخيّل رضوى عاشور تجلس إلى كرسيها، يلفّ كتفيها وشاحٌ من الصوف، وبين يديها كتابٌ تقلب صفحاته بعناية، ثم ترفع فنجان قهوتها إلى شفتيها دون أن تترك عينيها تغادران السطور.

وبعد قليل، تتجه إلى مكتبها. تجلس بهدوء، تفتح مدوّنتها، تمسك قلمها، وتترك للأفكار طريقها إلى الورق.

ربما لم تكن تلك الغرفة موجودة كما أتخيلها، وربما لم يكن المطر يقرع نافذتها في تلك اللحظة، لكنني أحب أن أتخيلها هكذا؛ امرأةً تجلس وحيدة أمام صفحة بيضاء، ولا تعرف أن الكلمات التي ستكتبها ستعبر يومًا من الورق إلى ذاكرة أجيال كاملة.

قبل أن تصبح الكتابة وطنها

كانت رضوى عاشور كاتبة وقاصة وروائية وناقدة أدبية وأستاذة جامعية مصرية. وُلدت في القاهرة عام 1946، ونشأت في بيتٍ كان للأدب والفن حضورٌ فيه؛ فوالدها المحامي مصطفى عاشور، ووالدتها مي عزام، الشاعرة والفنانة، أسهما في تشكيل عالمها الثقافي منذ البدايات.

درست رضوى الأدب في جامعة القاهرة، ثم حصلت على الماجستير في الأدب المقارن، قبل أن تنتقل إلى الولايات المتحدة لمتابعة دراستها، حيث حصلت على الدكتوراه بأطروحة تناولت الأدب الأفريقي الأمريكي.

وفي حياتها الخاصة، كانت زوجة الشاعر الفلسطيني مريد البرغوثي، وأم الشاعر تميم البرغوثي؛ فكان الشعر والأدب حاضرين في بيتها، لا ككتبٍ على الرفوف فحسب، بل كجزءٍ من الحياة نفسها.

المرأة التي اختارت الكتابة

لم تدخل رضوى عالم الكتابة من باب الرواية وحدها، بل بدأت من النقد والدراسة. ففي عام 1977 صدر لها كتاب «الطريق إلى الخيمة الأخرى»، الذي تناول تجربة غسان كنفاني الأدبية، ثم صدر لها كتاب «جبران وبليك» بالإنجليزية، وهو دراسة نقدية ارتبطت ببحثها الأكاديمي.

لكن الكتابة عند رضوى لم تبقَ حبيسة القاعات الجامعية أو صفحات الدراسات النقدية؛ سرعان ما وجدت طريقها إلى الرواية، حيث استطاعت أن تمنح صوتًا للذاكرة، وللمنفيين، ولأولئك الذين لا تمنحهم كتب التاريخ عادةً المساحة الكافية للحكاية.

حين تحوّلت الذاكرة إلى حكاية

لم تكن رضوى عاشور تكتب التاريخ كما يُكتب في الكتب، بل كانت تفتّش بين صفحاته عن الإنسان الذي غالبًا ما ينساه المؤرخون؛ عن الذين عاشوا الخوف والفقد والمنفى، وحملوا ذاكرتهم معهم حين تغيّرت المدن والحدود.

وفي «ثلاثية غرناطة»، عادت إلى الأندلس لتروي حكاية أناسٍ عاديين وجدوا أنفسهم في مواجهة اقتلاعٍ بطيء من أرضهم وهويتهم، فجعلت من غرناطة ذاكرةً لا تسقط بسقوط المدينة.

ثم جاءت «الطنطورية»، لتفتح جرحًا فلسطينيًا آخر، من خلال حكاية رقية التي تحمل وطنها وذكرياتها من مكان إلى آخر، وكأن الإنسان يستطيع أن يُهجّر من أرضه، لكنه لا يستطيع أن يُهجّر الأرض من داخله.

وفي أعمال أخرى مثل «سراج» و**«أطياف»**، ظلت رضوى تلاحق أسئلتها عن الذاكرة والوطن والهوية والمنفى، لكن كل مرة بصوت مختلف. وكأنها لم تكن تكتب الحكايات بقدر ما كانت تنقذها من النسيان.

حين أصبحت الكتابة فعل حياة

لم تكن الكتابة عند رضوى عاشور ملاذًا من الحياة، بل كانت طريقةً لمواجهتها. كتبت وهي تعرف أن بعض الحكايات لا تُكتب من مسافة آمنة، وأن الكلمات قد تكون أحيانًا أثقل من أن تحملها يدٌ واحدة.

وحين واجهت المرض، لم تتخلَّ عن الكتابة. ظلّت تمسك بخيطها حتى في الأيام التي كان الجسد فيها يخذلها. وفي كتابها «أثقل من رضوى»، بدت أكثر قربًا من القارئ؛ تحدثت عن المرض، والهزيمة، والقلق، والوطن، وعن تلك التفاصيل الصغيرة التي تجعل الإنسان يتمسك بالحياة رغم قسوتها.

ولعل أجمل ما تركته رضوى أنها لم تسمح للألم أن يختصرها. بقيت الكاتبة والإنسانة والمرأة التي رأت في الكتابة فعل مقاومة حين تضيق الحياة، وفعل حب حين يصبح العالم أكثر قسوة.

حين يبقى الكاتب بعد الرحيل

رحلت رضوى عاشور، لكن بعض الكتّاب لا يغادرون حقًا. يتركون أصواتهم معلقة بين صفحات كتبهم، وكلما فتح أحدنا كتابًا لهم، عادوا إلى الحياة من جديد.

وربما لهذا لا تبدو رضوى عاشور اليوم امرأةً غابت، بقدر ما تبدو أثرًا بقي. أثرًا تركته في الرواية، وفي الذاكرة، وفي كل قارئٍ وجد بين سطورها شيئًا يشبهه.

لقد عبرت رضوى من الكتب إلى الذاكرة، ومن الذاكرة إلى قلوب قرّائها؛ وحين تنتهي الحكاية، يبقى صوتها هناك… في الصفحة الأخيرة، ينتظر قارئًا جديدًا ليعيدها إلى الحياة.
رحم الله رضوى عاشور، الكاتبة التي جعلت من الكلمة ذاكرة، ومن الذاكرة حكايةً لا تشيخ.

إرسال تعليق

أحدث أقدم