بالأمسِ

 مجلة قعدة مُبدعين 



           
           بالأمسِ   "


بالأمسِ
كنا نتسامرُ حتى تهدأَ النجوم،
نتقاسمُ الحلمَ كما يقتسمُ العطاشُ ماءَ السراب،
نضحكُ من أوجاعِنا وكأنها قصصٌ عابرة،
وننسجُ من أحاديثِ الليلِ وشاحًا يُدفِئ أرواحَنا
كانت الكلماتُ تتدفقُ بيننا بلا قيود،
كأنها موجاتُ بحرٍ تأبى الانكسار

واليومَ
نلتقي كالغرباءِ على أعتابِ ذاكرةٍ مُهشَّمة،
نتبادلُ السلامَ ببرودٍ كأنه رمادُ شُموعٍ انطفأت،
وكأنّ اللقاءَ ذنبٌ نحاولُ التبرؤَ منه،
وكأنّ كُلّ طرفٍ يحملُ في داخلهِ سؤالًا لا يُقال

أيُّ ريحٍ تلكَ التي عصفتْ بما كان بيننا؟
أكانَ الحنينُ ثقيلًا على أكتافِنا؟
أم أن الأقدارَ أشفقتْ علينا من حلمٍ يستحيلُ تحقيقه؟

كُنّا
نرسمُ مستقبلَنا كأنه لوحةٌ من نور،
والآن...
صارت تلكَ اللوحةُ بقايا رمادٍ لا تُقرأ

بالأمسِ
كنتَ لي أكثرَ من صديق،
كنتَ مرآتي التي تعكسُ وجهي كما هو، بلا زيفٍ ولا خديعة،
كنتَ شجرةً أستظلُ بها حين تشتدُّ عليَّ شمسُ الحياة

واليومَ
صرتَ كظلٍ يَهربُ منّي كلما اقتربتُ،
ظلٌ لا يُمسَك، ولا يُفهَم، ولا يَعودُ كما كان

ما بينَ الأمسِ واليومِ انهارَ جسرُ القلوب،
انفصلت العناقيدُ عن كرومِها، وذابَ الندى قبلَ أن يُقبِّلَ الزهر
قل لي! هل ماتَ فيكَ ما كُنتُ أعرفه؟
أم أن ما بيننا دفنتُهُ بيديّ دون أن أدري؟

يا من كُنتَ يومًا وطَنًا أتفيأُ في ظلِّه،
أراكَ اليومَ مدينةً غريبةً، أبوابُها مُوصدة،
وشوارعُها مليئةٌ بالأشباحِ التي تحملُ وجوهَنا القديمة

كيفَ تحوّل الحُبُّ الذي كان يُشبهُ القصائدَ
إلى كلماتٍ تُردَّد ببرودٍ كأنها رصاصات؟

أيُّ لعنةٍ أصابتنا؟ وأيُّ طريقٍ اتخذناهُ حتى انتهى بنا المطافُ هكذا؟
أهوَ صمتُك الذي قتلني؟
أم خوفُنا من مواجهةِ حقيقةِ ما نحنُ عليه؟

بالأمسِ
كنتَ كلَّ شيء،
واليومَ
أصبحتَ ذكرى تُشبهُ الحُلم،
لا أُدركُ إن كنتُ أحنُّ إليها أم أهربُ منها.


بقلم: الكاتبة زهراء عبده 

إرسال تعليق

أحدث أقدم