كان يَطُل على العالم من خلال نافذة أفكاره التي غيَّرت نظرته للعديد من الأمور ، فقد كان يملِك بُعْد نظر ، وِجهات نظر مغايرة ، نقاط اختلاف مكَّنته من التأقلم على الأحداث بل والمساهمة في تغييرها بقَدْر الإمكان ، خرج من صومعته وقرر إطلاق أولَى أفكاره عام ٢٠١٧ برواية تحمِل عنوان ( عباءة الفجر ) والتي كانت أولى خُطوات بزوغه في عالم الأدب ، وهو الكاتب الجزائري " حسام الدين بريطل " الذي أضاء رُكن مجلة ( قعدة مبدعين ) الذي ما زال يرحِّب ويضُم كل ذي موهبة ، إليكم الحوار:
1.في البداية، ما سر شغفك بالكتابة ؟
الكتابة بالنسبة لي ليست اختيارًا بقدْر ما هي حالة وُلدت معي وتطوّرت مع التجربة ، هي المساحة التي أستطيع فيها أن أرتّب فوضى الداخل، وأنْ أقول ما لا يُقال بصوت مباشر. كلما ازدادت الحياة تعقيدًا، ازدادت حاجتي إلى الكتابة كنوع من الفهم والتصالح مع الذات والعالم.
2.لم اتَّجهت لكتابة الروايات دوناً عن كل صنوف الأدب؟
الرواية هي الفن الأكثر اتساعًا بالنسبة لي، لأنها تمنحني حرية بناء العوالم والشخصيات والأفكار دون قيود صارمة ، كنت بحاجة إلى شكل أدبي يسمح بسرد التجربة الإنسانية بكل تناقضاتها، وكانت الرواية الوعاء الأنسب لذلك.
3.هل تسير بخُطوات متباطئة في درب الأدب أم ترغب في سرعة الوصول ؟
أؤمن أن الأدب لا يعترف بالسرعة بقدْر ما يعترف بالاستمرارية ، لا أبحث عن الوصول السريع، بل عن أثر طويل المدى. فالتدرَّج بالنسبة لي ليس بطئًا، بل بناء حقيقي يضمن بقاء التجربة.
4.هل تتأنَّى قبل كتابة الفكرة؟ وهل تطرح أفكارك على أحد قبل النشر النهائي ؟
غالبًا ما أترك الفكرة تنضج داخلي قبل كتابتها، فلا أتعجَّل تحويل كل فكرة إلى نص . أما في مرحلة المراجعة، فأعود إلى نفسي كقارئ أول، وأحيانًا أستشير من أثق بذائقته الأدبية، لكن القرار النهائي يبقى لي.
5.هل تملِك الجرأة الكافية أثناء الكتابة أم تحجِّم أفكارك وتضع لها بعض القيود ؟
أكتب بجرأة، لكن بوعي. فالجرأة لا تعني الفوضى، بل قول الحقيقة الفنية كما هي، حتى وإنْ كانت مزعجة أو مختلفة. أحاول أنْ أكون صادقًا مع الفكرة أكثر من سعيي لإرضاء الجميع.
6.هل تعكس الكتابة جانباً من شخصيتك أم أنها مَحض خيال ؟
هي مزيج بين الاثنين. هناك دائمًا جزء مني داخل النص، حتى وإنْ لم يظهر بشكل مباشر لكني أستخدم الخيال لتوسيع التجربة لا للهروب منها ، الكتابة عندي هي إعادة تشكيل للواقع لا نسخه.
7. هل تأثرت بأحد من الكتّاب في كتاباتك سواء القُدامَى أو المعاصرين ؟
من الطبيعي أنْ يترك كل كاتب يقرأ بعمق أثرًا في وجدان من يأتي بعده ، من بين الأصوات العربية المعاصرة التي لفتت انتباهي الروائي الفلسطيني إبراهيم نصر الله، لما تحمِله أعماله من عُمق إنساني ورؤية فكرية، وكذلك الروائي المصري إبراهيم عبد المجيد، لما يتميَّز به من لغة أدبية رفيعة وسرد هادئ ومُتقَن. أما من رواد الأدب، فقد كان لنجيب محفوظ أثر كبير في تقديري لفن الرواية، كما أعتز كثيرًا بإرث الأديب الجزائري الطاهر وطار، الذي قدّم للأدب الجزائري والعربي أعمالًا راسخة تعكِس هُوية المجتمع وتحولاته. ومع ذلك، أشعر أن ميولي الأدبية أقرب إلى مدرسة الرواد والكتّاب القُدامَى، لما تتميز به من رصانة في اللغة، وعمق في الفكرة، ومتانة في البناء السردي، مع حرصي الدائم على أنْ أصنع صوتي الأدبي الخاص بعيدًا عن التقليد.
8.هل النشر الورقي بحاجة لبعض الصبر أم أن الأمر كان يسيراً معك ؟
النشر الورقي ليس سهلًا كما يُظَن، بل يحتاج إلى صبر طويل وإصرار أكبر من الحماس الأول ، فيه الكثير من الانتظار والتجربة والخطأ، لكنه تجربة ضرورية لأي كاتب يريد أنْ يرى نصه في شكله الحقيقي.
9.هل ترغب في النشر مع دار نشر مصرية ؟
بكل تأكيد ، أرى أن النشر مع دار نشر مصرية سيكون تجربة ثرية ومهمة، لما تتمتَّع به مصر من تاريخ عريق في صناعة النشر وانتشار الكتاب عربيًا. وإذا وجدت دارًا تؤمن بعملي الأدبي، فسأكون سعيدًا بخوض هذه التجربة.
10.هل توِد زيادة معرض القاهرة الدولي للكتاب ؟ وكيف ترى حجم الإقبال عليه كل عام ألا يدفعك ذلك لخوض التجربة ؟
معرض القاهرة الدولي للكتاب حدث ثقافي كبير يمثِّل حلمًا لكثير من الكتّاب ، الإقبال الكبير عليه دليل على أن القراءة ما زالت حاضرة بقوة في العالم العربي، وهو ما يشكّل دافعًا لأي كاتب لخوض التجربة والتفاعل المباشر مع القرّاء.
11.هل لديك مشاريع قادمة ما زالت تحت قيد التنفيذ ؟
نعم، هناك مشاريع أدبية قيد الإنجاز، وأخرى جاهزة ستصدُر قريبًا جدًا من خلال دار فكرة كوم للنشر والتوزيع، التي أخصّها بتحية تقدير، مع بالغ الشكر للأستاذ حمزة قريرة على اهتمامه المهني الراقي وحرصه الصادق على العناية بأعمالي الروائية. كما أن هناك أعمالاً أخرى ما زالت في طور التشكّل والبناء الداخلي. وأؤمن أن النص الأدبي لا يكتمل إلا حين ينضج تمامًا، ليخرج إلى القارئ في صورته التي يستحقها.
12.عمَ تدور فكرة روايتك ( عباءة الفجر ) ؟
تدور رواية عباءة الفجر حول رحلة إنسانية عميقة تبحث عن النور وسط العتمة، وعن ذلك التحوَّل الخفي الذي يحدث داخل الإنسان حين تصدمه الحياة بأسئلتها القاسية وتقلُّباتها غير المتوقَعة. إنها ليست مجرد حكاية، بل تجربة شعورية تمشي على حدّ الألم والأمل، وتلاحق لحظة نادرة يتكسَّر فيها الداخل ليُولد من جديد بشكل مختلف. هناك، بين الانكسار والبداية، تُكتب ملامح الفجر.
13.ماذا أضافت لك الكتابة ؟ وهل تمنحك رؤية مستقبلية؟
منحتني الكتابة قدرة أكبر على الفهم قبل الحُكم، وعلى النظر إلى الأمور من زوايا متعددة ، كما وسّعت رؤيتي للمستقبل، وجعلتني أؤمن بأن الكلمة يمكن أنْ تكون فعل تغيير حقيقي إذا أُحسن استخدامها.
14.هل حقَّقت روايتك النجاح المنشود ؟ وما أقصَى طموحاتك في مجال الأدب؟
أعتبر أن أي خطوة تصل إلى القارئ هي نجاح في حد ذاتها، لكن الطموح الأدبي لا يتوقف عند نقطة معينة ، هدفي أنْ أترك أثرًا حقيقيًا في القارئ، وأنْ تكون أعمالي جزءًا من ذاكرة الأدب العربي.
15.هل وجدت من مدَّ لك يد العون في بداية الطريق وما أفضل نصيحة أُسديت إليك؟
كنت محظوظًا في بداية الطريق بأنْ التقيت بأشخاص آمنوا بموهبتي، ولو بكلمة صادقة أو رسالة تشجيع عابرة، وكان لذلك أثر عميق في منحي الثقة للاستمرار ، أما أفضل نصيحة تلقيتها، فكانت أنْ أكتب لنفسي أولًا، وأنْ أكون صادقًا مع النص قبل أنْ أسعَى لإرضاء القارئ أو الانشغال بآراء الآخرين. وما زِلت أؤمن أن الكلمة الصادقة لا تضيع، بل تجد طريقها إلى القلوب مهما طال الزمن، لأن الأدب الحقيقي لا يُقاس بسرعة انتشاره، بل بقدرته على البقاء في ذاكرة القارئ.
وفي النهاية نشكر الكاتب " حسام الدين بريطل" على رغبته المستمرة في نشر الوعي والإدلاء بآرائه في كل ما يَخُص شئون الحياة رغبةً في ترك الأثر الذي يبغاه كل كاتب ، متمنين له مستقبل باهر ونجاح متواصل ...
حوار الكاتبة: خلود أيمن
تشرّفت بهذا الحوار الذي لم يكن مجرد أسئلة وأجوبة، بل مساحةً أُتيح فيها للكلمة أن تحكي رحلتها. كل الامتنان لمجلة قعدة مُبدعين، وللأستاذة خلود أيمن، على هذا التقديم الراقي والاحتفاء الصادق بالتجربة الأدبية. أسأل الله أن يبارك هذا الجهد، وأن تظل مجلتكم منبرًا يضيء دروب الإبداع، ويمنح الأقلام الجادة ما تستحقه من حضور.
ردحذفKholood Ayman 🌼
للأستاذة خلود أيمن... شكرًا لأنكِ أحسنتِ الإصغاء قبل السؤال، وأجدتِ تقديم التجربة قبل صاحبها. كل التقدير لهذا الحضور المهني الراقي.
ردحذف