حوار صحفي مع الكاتب بلال الهلاوي

 مجلة قعدة مُبدعين 

حوار مع الكاتب بلال الهلاوي




في عالم الأدب، حيث تتلاقى الكلمات مع الأحاسيس وتنسج القصص عالمًا من الخيال والواقع، نجد أن بعض الكتاب لا يكتفون بمجرد كتابة الحروف، بل يبثون في أعمالهم نبضًا من الإبداع الذي يتسلل إلى قلوب قرائهم. اليوم، نحن على موعد مع أحد هؤلاء الكتاب الذين أثبتوا جدارتهم في صنع القصص التي تُحاكي الواقع وتُلهب الخيال. في هذا الحوار الخاص، نسلط الضوء على رحلة الكاتب المبدع [ بلال الهلاوي ]، الذي قدم لنا العديد من الأعمال الأدبية التي شكلت نقطة فارقة في عالم الأدب. نلتقي به اليوم للحديث عن مشواره، مصدر إلهامه، والتحديات التي واجهها في طريقه نحو الإبداع."

1. في البداية، نرحب بك في مجلة "قعدة مُبدعين". هل يمكن أن تعرف القراء بنفسك، وتحدثنا عن بداياتك؟
مرحبًا بكم، أعزائي القراء الكرام،
أنا بلال الهلاوي، كاتب وروائي ومدوّن مغربي من مدينة تازة، أبلغ من العمر ستةً وعشرين عامًا. حاصل على شهادة البكالوريا في الآداب والعلوم الإنسانية، وخريج الكلية متعددة التخصصات التابعة لجامعة سيدي محمد بن عبد الله بفاس، تخصص العلوم القانونية.

2_ ما السبب الذي دفعك للكتابة؟ 
أظن أن الدافع الذي قادني إلى الكتابة بسيط في ظاهره، لكنه عميق في جوهره. فأنا أؤمن بأن الكتابة هي روح الحرية ومنبرها؛ فهي تمنح الكاتب القدرة على الغوص في عوالم لا حدود لها بكل جوارحه، والالتقاء بشخصيات مختلفة، ومرافقتها في رحلات قد تمتد لأيام أو حتى لأشهر، حتى تصبح جزءا من وجدانه.
وإلى جانب ذلك، فإن الإبداع يُعد سببًا آخر لا يقل أهمية؛ فالكتابة بالنسبة إليّ مساحة رحبة لابتكار الأفكار، وبناء العوالم، والتعبير عن المشاعر والرؤى بأسلوب يلامس القارئ ويمنحه تجربة إنسانية وفكرية ثرية.

3_ متي بدأت رحلتك للكتابة؟ 
بدأت رحلتي مع الكتابة عام 2018، وكانت البداية من خلال كتابة سيناريو لفيلم قصير بعنوان «البريء». إلا أنني ابتعدت عن الكتابة فترةً بسبب انشغالي بالدراسة، ثم عدت إليها عبر كتابة المقالات، ونُشر لي عدد منها في مواقع وصحف إلكترونية، من بينها جريدة العمق المغربي وجريدة الإعلام الأخضر.
وبعد تلك التجربة، قررت خوض غمار الكتابة الروائية، فتُوِّجت هذه الخطوة بصدور روايتي الأولى «الظل الظليل» عام 2026، والتي شكّلت انطلاقتي الفعلية في عالم الرواية. كما تشرفت بالمشاركة بها في عدد من المعارض الدولية للكتاب، في مقدمتها معرض القاهرة الدولي للكتاب ومعرض تونس الدولي للكتاب في العام نفسه.

4_ ما هي إنجازاتك الأدبية؟ 
أعتز بأن أولى خطواتي في المشهد الأدبي تمثلت في صدور روايتي «الظل الظليل» عام 2026، وهي رواية ذات طابع اجتماعي و سير ذاتي، تناولت فيها محطات من حياتي وتجارب إنسانية كان لها أثر بالغ في تشكيل شخصيتي ورؤيتي للحياة.
وإلى جانب الكتابة الروائية، أحرص على كتابة المقالات الفكرية والاجتماعية، إيمانًا مني بأن الكلمة ليست وسيلةً للتعبير فحسب، بل أداة لبناء الوعي وإثارة النقاش حول القضايا التي تمس المجتمع. ومن أبرز مقالاتي: «بناءُ الإنسان قبل تعلية البُنيان»، و«ظاهرة التحرش... العار المستمر، إلى متى يُغضُّ الطرف؟»، و«حين تندثر القيم، تنهار الأخلاق»، و«من الإبادة إلى التجويع... تغييرٌ في الأسلوب والغاية واحدة»، و«عيد الأضحى: بين العقيدة الدينية والعادة المجتمعية».
كما تشرفت بالمشاركة في عدد من المعارض الدولية للكتاب، وهو ما أتاح لي فرصة التواصل المباشر مع القراء والمهتمين بالشأن الثقافي، والاطلاع على تجارب أدبية متنوعة، الأمر الذي أسهم في صقل تجربتي الكتابية وتوسيع آفاقها.
وأرى أن ما حققته حتى الآن ليس محطة وصول، بل بداية لمسيرة أدبية أطمح من خلالها إلى تقديم أعمال روائية وفكرية تحمل قيمة إنسانية وفنية، وتترك أثرا صادقا في وجدان القارئ.


5_ ما هي رسالتك التي تريد أن توصلها من خلال أعمالك الأدبية؟
أؤمن بأن لكل عمل أدبي رسالته الخاصة، وإن كانت بعض الرسائل تتقاطع فيما بينها. ومن أبرز القضايا التي أحرص على إبرازها في أعمالي دور الأسرة، لأنني أراها اللبنة الأولى في بناء الإنسان، والركيزة الأساسية التي يقوم عليها المجتمع. ففي كنف الأسرة يتعلم الفرد قيم المحبة والتكافل والاحترام وتحمل المسؤولية، وهي القيم التي تشكل شخصيته وترافقه في مختلف مراحل حياته.
كما أسعى إلى تسليط الضوء على أثر البيئة الأسرية في تكوين الإنسان؛ فكما أن الأسرة المتماسكة قادرة على بناء شخصية سوية وواثقة، فإن التفكك الأسري قد يترك آثارا نفسية واجتماعية عميقة في الفرد. لذلك تحضر الأسرة في أعمالي الأدبية بوصفها عنصرا محوريا، لأنها تمثل في نظري نقطة الانطلاق في بناء الإنسان، سواء من خلال الأثر الإيجابي؛ وهو الغالب، أو من خلال الأثر السلبي الذي قد ينجم عن غياب الاستقرار الأسري.
وفي النهاية، أطمح إلى أن يجد القارئ في أعمالي ما يدفعه إلى التأمل في ذاته، وفي أسرته، وفي المجتمع الذي يعيش فيه، لأن الأدب الحقيقي لا يكتفي بسرد الحكايات، بل يفتح بابًا للتفكير والحوار والتغيير.

6_ ما أهتمامتك بعيداً عن الكتابة؟ 
بعيدا عن الكتابة، أهتم بعدة مجالات أجد فيها مساحة للتعلم والتأثير، يأتي في مقدمتها مجال القانون، لما له من دور في ترسيخ العدالة والدفاع عن حقوق الفئات المستضعفة، وهو مجال يثير اهتمامي على المستويين الفكري والإنساني.
كما أهتم بصناعة المحتوى الثقافي، وأسعى من خلالها إلى تقديم محتوى ثقافي هادف يسهم في نشر المعرفة والوعي، في مقابل ما تشهده بعض المنصات من انتشار للمحتوى السطحي الذي لا يضيف قيمة، وقد ينعكس سلبا على وعي الناشئة وقيمهم.
إلى جانب ذلك، يستهويني مجال البرمجة والإعلاميات، لما يتيحه من فرص للإبداع وحل المشكلات ومواكبة التطور التقني المتسارع.
ورغم تنوع هذه الاهتمامات، تظل الكتابة جزءًا أصيلًا من حياتي، والمحور الذي تلتقي عنده معظم اهتماماتي الفكرية والإنسانية.


7_ من الشخص الذي دعمك لتصل لما انت عليه الآن؟
لا أستطيع أن أنسب ما وصلت إليه إلى شخص واحد، لأن كل مرحلة من حياتي كان فيها من مدَّ لي يد الدعم والتشجيع، وفي مقدمة هؤلاء تأتي عائلتي، ولا سيما والداي؛ ثم إخوتي، الذين كانوا دائما مصدرا للسند والثقة، وكان لإيمانهم بي أثر كبير في مواصلة الطريق.
كما أكنّ كل التقدير لأساتذتي، الذين تعلمت منهم الكثير، ولم يقتصر دورهم على نقل المعرفة، بل أسهموا أيضا في تشكيل شخصيتي الفكرية والثقافية.
ولا يفوتني أن أتوجه بالشكر إلى صديقتي الدكتورة والكاتبة بريهان أحمد، وهي إنسانة أكنّ لها كل الاحترام والتقدير لما تتمتع به من تواضع ورقي في التعامل، لقد كانت ولا تزال تقدم لي النصح والتوجيه، ليس في المجال الأدبي فحسب، بل حتى على المستوى الشخصي، وأجد منها الدعم في مختلف الظروف، لذلك أوجه إليها خالص شكري وامتناني، متمنيا لها دوام النجاح والتوفيق.
وفي النهاية، أؤمن بأن النجاح لا يصنعه الإنسان وحده، بل هو ثمرة دعم وتشجيع أشخاص آمنوا به في مختلف مراحل حياته، وأشعر بالامتنان لكل من كان له أثر؛ كبيرا كان أم صغيرا، في مسيرتي.

8_ ما هي أكبر التحديات التي واجهتها أثناء كتابة كتبتك؟
أعتقد أن أكبر تحدٍّ واجهني كان إدارة الوقت، فقد كان عليَّ أن أوفّق بين الكتابة والتزاماتي الأخرى، وهو ما كان يؤخر أحيانًا إنجاز العمل. فالكتابة بالنسبة إليّ ليست مجرد مهمة أؤديها، بل حالة من الاندماج الكامل؛ إذ كنت في كثير من الأحيان أنغمس في الكتابة إلى درجة أنني لا أنتبه إلى مرور الوقت، بل قد أنسى حتى موعد تناول الطعام، ولا ألتفت إليه إلا عندما يناديني أحد أفراد أسرتي لإخباري بأن وقت الغداء أو العشاء قد حان.
كما أن الكتابة خلال شهر رمضان كانت تمثل تحديًا إضافيًا، نظرا لاختلاف إيقاع اليوم وما يتطلبه الصيام من جهد بدني وذهني، مما جعل عملية الكتابة أكثر إرهاقًا.
وفي المقابل، لم أفرض على نفسي جدولا زمنيا صارما لإنهاء العمل، وهو ما أعتبره جانبا إيجابيا في تجربتي؛ إذ منحني ذلك مساحة للكتابة بهدوء ودون ضغط، وجعل اهتمامي منصبًا على جودة النص أكثر من الالتزام بموعد محدد، وأؤمن بأن العمل الأدبي يحتاج إلى أن ينضج في وقته الطبيعي، بعيدا عن الاستعجال.

9_ هل أنت راضٍ عن ما وصلت له؟
سأكون صريحا معك؛ لا أزال في بداية الطريق، ولا أرى أنني وصلت إلى ما أطمح إليه بعد، أقول ذلك بكل صدق وأمانة، لأنني أؤمن بأن الكاتب الحقيقي لا يتوقف عند أول إنجاز، بل يعتبر كل عمل ينجزه خطوةً نحو ما هو أفضل.
صحيح أنني أصدرت روايتي الأولى «الظل الظليل»، وهي محطة أعتز بها كثيرا، لكنها بالنسبة إليّ ليست سوى بداية لمسيرة طويلة، وما زلت أعمل بهدوء، بعيدا عن التسرع، وأسعى إلى تطوير أدواتي وخوض تجارب أدبية جديدة.
ولا يقتصر طموحي على الرواية وحدها، رغم أنها تمثل مساري الأدبي الرئيس، بل أعمل أيضا على مشاريع أدبية من أجناس مختلفة، لأنني أؤمن بأن التنوع يثري تجربة الكاتب ويمنحه آفاقا أوسع للإبداع.
لذلك لا أستطيع أن أقول إنني راضٍ أو غير راضٍ عما وصلت إليه؛ فما زلت في مرحلة البناء والتعلم، وأرى أن الطريق أمامي لا يزال طويلا، وهذا ما يدفعني إلى مواصلة العمل والاجتهاد، على أمل أن أقدم أعمالا تترك أثرا حقيقيا في القارئ.

10_ هل تعتقد أن الكتابة تحتاج إلى الكثير من المعاناة والصراع الداخلي لخلق شيء مميز، أم أن الإبداع يمكن أن يكون نتيجة لحظات عفوية؟
أعتقد أن الإبداع يولد من الأمرين معًا، ولا يمكن حصره في أحدهما دون الآخر. فالكاتب، كغيره من المبدعين، يمر بمحطات وتجارب مختلفة، قد يكون من بينها الألم والمعاناة والصراع الداخلي، وهذه التجارب تصقل شخصيته، وتمنحه رؤية أكثر عمقًا للحياة والإنسان، فتنعكس بصورة طبيعية على كتاباته وتمنحها خصوصيتها.
لكن الإبداع لا يولد من المعاناة وحدها؛ فهناك أيضًا لحظات عفوية قد تكون أكثر خصوبة من أي تخطيط مسبق، ففي كثير من الأحيان يبدأ الكاتب الكتابة وهو يملك فكرة معينة، ثم يجد نفسه منقادًا إلى مسارات لم يكن يتوقعها، وكأن الشخصيات والأحداث هي التي تقوده لا العكس، وفي تلك اللحظات، حين يطلق العنان لخياله دون قيود، يتجلى الإبداع في أنقى صوره.
لذلك، أرى أن المعاناة تمنح الكاتب عمقًا، بينما تمنحه العفوية حرية التحليق، ومن اجتماع العمق والحرية يولد العمل الأدبي القادر على ملامسة القارئ وترك أثرٍ في وجدانه.


11_ هل كان لديك نماذج أو قدوة من الكتاب الذين ألهموك في بداية مشوارك؟ وكيف أثروا في أسلوبك الكتابي؟
بطبيعة الحال، هناك العديد من الكتّاب والمفكرين الذين تركوا أثرًا في تكويني الفكري والأدبي، وقد لا يسعفني الوقت لذكرهم جميعا، لكن من أبرزهم: فيكتور هوغو، ونجيب محفوظ، وسيغموند فرويد، إلى جانب فلاسفة اليونان القديمة، وفي مقدمتهم أفلاطون وأرسطو.
ويرجع ذلك إلى شغفي الكبير بالفلسفة، التي أعدّها أمَّ العلوم؛ فهي تمنح الإنسان أدوات التفكير، وتساعده على فهم الحياة والإنسان ومعاني الأشياء من حوله، كما أنني أجد في الأدب والفلسفة وعلم النفس مجالات متكاملة، إذ يكمل كلٌّ منها الآخر في قراءة الإنسان وفهم دوافعه وصراعاته.
أما عن أثر هذه النماذج في أسلوبي الكتابي، فأعتقد أن القارئ سيلاحظ حضور البعد النفسي والأخلاقي في أعمالي، إلى جانب العودة إلى الماضي واستحضار الجذور بوصفهما عنصرين أساسيين في فهم الحاضر. كما أحرص على تناول موضوعات إنسانية مثل الحب والفقد، وقوة الإرادة، ورفض الاستسلام أمام التحديات، وهي قيم أسعى إلى أن تكون حاضرة في كتاباتي بصورة طبيعية وعميقة.

12_ من وجهة نظرك: هل الأدب قادر على تغيير المجتمع أم أنه مجرد انعكاس له؟
أعتقد أن الأدب يجمع بين الأمرين؛ فهو مرآة تعكس واقع المجتمع، وفي الوقت نفسه قوة قادرة على التأثير فيه وتغييره نحو الأفضل. فالأدب الحقيقي لا يكتفي بوصف الواقع، بل يسعى إلى مساءلته، وكشف مواطن الخلل فيه، وتحفيز القارئ على التفكير وإعادة النظر في كثير من القضايا.
وأؤمن بأن المجتمع الواعي والمثقف يمتلك القدرة على إصلاح ذاته، والأدب أحد أهم الوسائل التي تسهم في بناء هذا الوعي، فعندما نغرس قيم المعرفة والتفكير النقدي في نفوس الناشئة، فإننا نهيئ جيلا قادرا على قيادة المجتمع، والإبداع بحرية، ومعرفة كيف يفكر، وكيف يتعامل مع الخطأ، وكيف يتعلم منه.
ومن جهة أخرى، قد ينقل الأدب الجوانب السلبية في المجتمع، لكنه لا يفعل ذلك من أجل الترفيه أو الإثارة، وإنما بهدف تشخيص المشكلات وفتح باب الحوار حولها، تمهيدا لتجاوزها وإصلاحها، ولذلك فإن كون الأدب مرآة للمجتمع ليس عيبا، بل هو إحدى أهم وظائفه؛ لأنه يكشف الحقيقة ويمنح المجتمع فرصة للتأمل في نفسه والسعي إلى التطور.

13_ كيف ترى علاقة الكاتب بالقراء؟ هل تكتب بما يتوافق مع توقعات الجمهور، أم أن الكتابة هي انعكاس لروحك الداخلية فقط؟
أرى أن العلاقة بين الكاتب والقارئ علاقة تقوم على الثقة والمحبة والحوار غير المباشر؛ فالكاتب يكتب، والقارئ يمنح النص حياة جديدة من خلال تأويله وفهمه والتفاعل معه, لذلك يحرص الكاتب على أن يصل إلى القارئ بلغة صادقة وأسلوب قادر على ملامسة وجدانه، لا أن يكون النص عبئًا عليه أو تجربة يود الانتهاء منها سريعا.
أما عن الكتابة وفق توقعات الجمهور، فأعتقد أن الكاتب لا ينبغي أن يكون أسيرا لها، فمن حق القارئ أن يتفاجأ، وأن يجد في العمل الأدبي ما يخرجه من دائرة المألوف ويثير فضوله للتفكير. والكاتب المبدع؛ في نظري، هو من يستطيع كسر التوقعات وتقديم رؤية جديدة أو معالجة مختلفة، مع المحافظة على صدق العمل وتماسكه.
وفي الوقت نفسه، لا أرى أن الكتابة انعكاس للذات وحدها، ولا أنها استجابة كاملة لرغبات الجمهور، بل هي توازن بين صوت الكاتب الداخلي واحتياجات القارئ الفكرية والوجدانية. فعندما يكتب الكاتب بصدق وإبداع، ويمنح القارئ تجربة إنسانية أصيلة، فإنه ينجح في بناء علاقة طويلة الأمد معه، قائمة على الثقة والاحترام، لا على مجاملة التوقعات أو ملاحقة ما هو رائج.

14_ في رأيك، ما هو العنصر الأهم الذي يجب أن يتوافر في الكتاب ليحقق النجاح ويصل إلي قلوب القراء؟
في اعتقادي، لا يوجد عنصر واحد يضمن نجاح العمل الأدبي، بل هناك مجموعة من العناصر التي تتكامل فيما بينها، وفي مقدمتها الفكرة؛ إذ ينبغي أن تكون واضحة وذات قيمة، وليس بالضرورة أن تكون جديدة كليًا، فالكثير من القضايا طُرحت مرارًا، لكن ما يميز الكاتب هو زاوية معالجته لها ورؤيته الخاصة، فالكتابة؛ في نظري، ليست مجرد وسيلة للترفيه، بل رسالة تسعى إلى مناقشة قضية، أو طرح سؤال، أو إثارة التفكير.
أما العنصر الثاني، وهو من أكثر الجوانب التي أحرص عليها، فهو اللغة. فاللغة الراقية ليست مجرد أداة للتعبير، بل هي احترام للقارئ وإضافة حقيقية إلى رصيده اللغوي والثقافي، وأرى أن من حق القارئ أن يخرج من العمل الأدبي وقد اكتسب متعة فنية ومعرفة لغوية في آنٍ واحد.
ولست ضد استخدام العامية إذا كان السياق الفني يقتضيها، أو كانت تخدم الشخصيات أو الفكرة، لكنني أرى أن الإفراط فيها قد يجعل العمل محدود الانتشار، ويقصر دائرة تلقيه على فئة معينة من القراء، بينما تمنح اللغة العربية الفصحى العمل الأدبي قدرة أكبر على الوصول إلى جمهور أوسع داخل العالم العربي.
وفي النهاية، يبقى الإبداع والتميز رهينين بموهبة الكاتب واجتهاده، فلكل كاتب صوته الخاص وأسلوبه المختلف، وهذا التنوع هو ما يمنح الساحة الأدبية ثراءها وحيويتها.


15_ هل تعتبر الكتابه وسيله للتعبير الشخصي أم أنك تري فيهما وسيله للتأثير في المجتمع؟
أرى أن الكتابة تجمع بين الأمرين معًا، فهي في المقام الأول، وسيلة للتعبير عن الذات، وعن أفكار الكاتب ومشاعره ورؤيته للحياة، ومن خلالها يفصح عن مكنوناته بحرية وصدق، وفي هذه المساحة الحرة يتجلى الإبداع الحقيقي.
لكن الكتابة لا تتوقف عند حدود التعبير الشخصي، بل تمتد لتؤثر في المجتمع بصورة مباشرة أو غير مباشرة. فكل عمل أدبي يحمل فكرة أو قيمة أو رسالة، ومن الطبيعي أن يترك أثرًا في وعي القارئ، سواء دفعه إلى التأمل، أو إلى إعادة النظر في بعض القناعات، أو إلى تبني رؤية جديدة تجاه قضية معينة.
لذلك، لا أفصل بين التعبير عن الذات والتأثير في المجتمع؛ فكلما كانت الكتابة أكثر صدقًا وعمقًا، ازدادت قدرتها على الوصول إلى الناس وترك أثر حقيقي فيهم، وهو ما أراه أحد أهم أدوار الأدب.

16_ ماذا يمثل لك وجود كتبك في معرض القاهرة الدولي للكتاب؟
يمثل لي ذلك إنجازا أعتز به كثيرا، فقبل صدور روايتي، كنت أشاهد صور معرض القاهرة الدولي للكتاب وأتمنى أن يأتي اليوم الذي أرى فيه عملي معروضا بين رفوفه. فهذا المعرض لا يتمتع بمكانة عربية فحسب، بل يحظى أيضا بسمعة دولية، ويُعد أحد أهم التظاهرات الثقافية في العالم العربي.
وعندما أصبحت روايتي جزءا من هذا الحدث الثقافي الكبير، شعرت بسعادة وامتنان كبيرين، ولم يكن همّي الأول عدد النسخ المباعة، بل كان مصدر سعادتي أن أرى عملي حاضرا إلى جانب أعمال كتّاب كبار يمتلكون تجارب أدبية راسخة، وأن أحظى بفرصة أن يصل إلى قراء من مختلف البلدان.
وأعتبر هذه المشاركة محطة مهمة في مسيرتي الأدبية، لأنها منحتني دافعا أكبر للاستمرار في الكتابة والتطوير، لكنها في الوقت نفسه ليست بالنسبة إليّ نقطة الوصول، بل خطوة أولى في طريق ما زلت أراه طويلًا، وأسعى فيه إلى تقديم أعمال أكثر نضجًا وقيمة.

17_ متى اكتشفت أن الكتابة ليست مجرد هواية بل شغف حقيقي لديك؟ 
اكتشفت ذلك عندما شرعت في كتابة روايتي الأولى «الظل الظليل». ففي البداية، لم يكن في نيتي نشرها، بل كنت أكتبها بوصفها وثيقة شخصية أو سيرة أخلّد فيها أبرز المحطات والتجارب التي أسهمت في تشكيل شخصيتي، لتبقى شاهدا عليها، وربما يطّلع عليها أبنائي وأحفادي في المستقبل ويتعرفوا من خلالها إلى جزء من حياتي.
لكن مع تقدّم الكتابة، أدركت أن الأمر تجاوز حدود الهواية، وأن الكتابة أصبحت شغفا حقيقيا وجزءا أصيلا من حياتي، ثم جاءت تجربة كتابة المقالات لتمنح هذا الشغف بُعدًا آخر، إذ وجدت فيها وسيلة للدفاع عن الفئات المستضعفة، ومناقشة القضايا الاجتماعية والفكرية الراهنة، والإسهام، ولو بالكلمة، في نشر الوعي وإثارة النقاش حول ما يهم المجتمع.
ومنذ ذلك الحين، أيقنت أن الكتابة بالنسبة إليّ ليست مجرد هواية أقضي بها وقت الفراغ، بل رسالة ومسؤولية، وطريق اخترت أن أسير فيه، وأسعى من خلاله إلى أن أترك أثرا طيبا في القارئ والمجتمع.

18_ ما الشخصية الأدبية التي تمنيت لو كنت أنت من كتبتها؟
يصعب عليَّ اختيار شخصية واحدة، لكن إذا كان لا بد من الإجابة فسأقول: شخصيات نجيب محفوظ، دون تردد، فقد امتلك قدرة استثنائية على رسم الشخصيات الإنسانية بكل تعقيداتها النفسية والاجتماعية، حتى بدت حية وقريبة من القارئ، وكأنها جزء من الواقع.
كما أنني معجب أيضا بشخصيات فيكتور هوغو، لما تحمله من عمق إنساني وصراعات أخلاقية وفكرية، وللقدرة الفائقة التي امتلكها على جعل القارئ يعيش مع شخصياته ويتأثر بمصائرها.
ولا يكمن إعجابي بهذه الشخصيات في شهرتها فحسب، بل في كونها تجاوزت حدود الرواية لتصبح نماذج إنسانية خالدة، وهذا هو الطموح الذي يسعى إليه كل كاتب؛ أن يخلق شخصيات تبقى حاضرة في ذاكرة القراء حتى بعد أن يطووا صفحات الكتاب.


19_ هل مررت بفترة انقطاع عن الكتابة؟ وكيف استعدت شغفك بعدها؟
نعم، مررت بفترة انقطاع عن الكتابة، فبعد أن كتبت سيناريو لفيلم قصير بعنوان «البريء» عام 2018، قررت التوقف مؤقتا، لا لغياب الشغف، وإنما للتفرغ لمساري الدراسي، وكان قرارا واعيا لم أندم عليه أبدا، لأن لكل مرحلة من الحياة أولوياتها، وقد رأيت آنذاك أن الدراسة تستحق أن أكرّس لها كامل جهدي.
وبعد انتهاء تلك المرحلة، عاد الشغف إلى الكتابة بصورة طبيعية، وكانت البداية عندما فكرت في توثيق سنوات من حياتي وتجاربها في عمل روائي، لم يكن هدفي في البداية نشره، بل الاحتفاظ به بوصفه وثيقة شخصية، كما ذكرت سابقا، لكن مع تقدم العمل، تغيرت رؤيتي، وقررت أن يرى النور ويصل إلى القراء، فكانت رواية «الظل الظليل».
كما أسهمت تجربة كتابة المقالات في ترسيخ عودتي إلى عالم الكتابة، إذ فتحت أمامي آفاقا جديدة للتعبير عن أفكاري، ومناقشة القضايا الفكرية والاجتماعية، والتواصل مع جمهور أوسع، وقد تعلمت من هذه التجربة الكثير، وكانت محطة مهمة في تطور مسيرتي الأدبية، وأكدت لي أن الكتابة لم تعد مجرد هواية، بل أصبحت جزءا لا يتجزأ من حياتي.
وكان لصناعة المحتوى الثقافي والأدبي أثرٌ بالغ أيضا في صقل تجربتي؛ فمن خلال تقديم ملخصات للكتب، وكتابة المراجعات والتوصيات القرائية، ونشر تقييماتي على منصة Goodreads ووسائل التواصل الاجتماعي، اكتسبت خبرة أوسع في قراءة الأعمال الأدبية وتحليلها، وتعرّفت إلى أذواق متنوعة من القراء، وهو ما انعكس إيجابا على رؤيتي للكتابة وأسهم في تطوير أدواتي الأدبية.

20_ كيف تتعامل مع النقد؟ وهل له تأثير في تطوير أسلوبك الكتابي؟
أتعامل مع النقد بإيجابية كبيرة، بل أرحب به وأعدّه من أهم وسائل التطور وتحسين المستوى، لكنني أقصد هنا النقد البنّاء القائم على الموضوعية والتحليل، لا النقد الذي يكون غايته التقليل من الآخر أو الهجوم عليه دون تقديم قيمة حقيقية.
فالنقد البنّاء يمنح الكاتب فرصة لرؤية جوانب قد لا ينتبه إليها بنفسه، ويساعده على اكتشاف نقاط القوة وتعزيزها، كما يكشف له مواطن الضعف ليعمل على معالجتها، ولذلك أعتبر كل ملاحظة صادقة فرصة للتعلم والنضج، وليست انتقاصا من قيمة العمل.
وعندما أجد قارئا أو ناقدا يناقش عملي بوعي واحترام، أشعر بالاعتزاز؛ لأن ذلك يعني أن النص نجح في إيصال فكرته وأثار اهتماما يستحق النقاش، ومن هنا يصبح النقد جزءا من عملية الإبداع نفسها، لأنه يدفع الكاتب إلى إعادة النظر في أدواته، ويمنحه رؤية أوسع لتطوير أسلوبه وتجربته الأدبية.
لذلك، أؤمن بأن الكاتب الذي يغلق بابه أمام النقد يحرم نفسه من إحدى أهم وسائل النمو، أما الكاتب الذي يحسن الإصغاء إليه، فإنه يمنح نفسه فرصة دائمة للتطور.

21_ كيف تري مستقبل الأدب العربي في ظل التطور وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي؟
أرى أن مستقبل الأدب العربي يحمل الكثير من الأمل، وأتفاءل بما ينتظره في السنوات المقبلة، ويعود ذلك في رأيي، إلى ظهور العديد من الطاقات الشابة التي تثبت حضورها بإبداعات متميزة في مختلف الأجناس الأدبية، وهو ما يبشر بجيل جديد قادر على إثراء المشهد الثقافي العربي.
ولا أعتقد أن وسائل التواصل الاجتماعي أو التطور التكنولوجي؛ في حد ذاتهما يشكلان تهديدا للإبداع، بل على العكس، يمكن أن يكونا وسيلة فعالة للتعريف بالأعمال الأدبية، وتقريب الكاتب من جمهوره، وتوسيع دائرة انتشار الكتاب، شريطة أن يُحسن الكاتب استخدام هذه الوسائل، وأن يحافظ على التوازن بين حضوره الرقمي واهتمامه بجودة ما يكتبه.
ومن جهة أخرى، ألاحظ أن وعي القراء يتزايد عاما بعد عام، وأن الاهتمام بالقراءة لا يزال حاضرا، وهو ما نلمسه بوضوح في معارض الكتب والملتقيات الثقافية، حيث نشاهد تفاعلا جميلا بين الكتّاب والقراء، وحضورا لافتا لفئة الشباب، وهذا المشهد يمنحني الكثير من التفاؤل، ويؤكد أن الأدب العربي لا يزال قادرا على استقطاب جمهوره، والتجدد ومواكبة التحولات التي يشهدها العالم، دون أن يفقد هويته ورسائله الإنسانية.

22_ رسالتك لكل شخص يمتلك هذه الموهبة أو موهبة أخرى؟
رسالتي الأولى هي أن يؤمن الإنسان بنفسه، فالثقة بالنفس هي أساس كل نجاح، فمن الصعب أن يثق الآخرون بقدراتك إذا كنت أنت أول من يشك فيها. لذلك لا تستهن بموهبتك، وامنحها الوقت والجهد اللذين تستحقهما، فكل إنجاز كبير كانت بدايته خطوة صغيرة.
كما أنصح بالابتعاد عن الأشخاص السلبيين الذين لا يرون إلا العقبات، ويثبطون العزائم بدل أن يشجعوا على التطور، فوجود أشخاص إيجابيين وداعمين في محيطك يساعدك على الاستمرار وتجاوز الصعوبات.
وأؤكد أيضًا على أهمية أن يكون لكل مبدع صوته الخاص، لا تحاول تقليد الآخرين، بل تعلّم منهم واستفد من خبراتهم، مع الحفاظ على هويتك وأسلوبك المميز، فالتواضع أمام أصحاب التجارب والخبرات ليس ضعفا، بل هو دليل على الرغبة الصادقة في التعلم والتطور، ونحن جميعا نتعلم من بعضنا البعض، ولا عيب في طلب المعرفة، بل إنها الطريق إلى الإبداع الحقيقي.
وفي الختام، لا تنسَ أن تشكر كل من كان له فضل في تعليمك أو دعمك أو تشجيعك، فالتقدير والوفاء من أجمل الصفات التي ينبغي أن يتحلى بها الإنسان، والنجاح الحقيقي هو أن تتقدم دون أن تنسى من وقف إلى جانبك في بداية الطريق.


23_ما رأيك في مجلة قعدة مُبدعين؟ وما رأيك في إعداد الحوار؟
بكل صراحة، أرى أن مجلة قعدة مُبدعين تمثل منصة ثقافية مهمة لدعم الطاقات الشابة وإبراز المواهب الواعدة، وهي مبادرة تستحق كل التقدير؛ لأنها تفتح المجال أمام المبدعين للتعريف بتجاربهم وأعمالهم، وتسهم في إثراء المشهد الثقافي والإعلامي، وأتوقع لهذه المجلة مستقبلا واعدا، لا سيما في ظل ما تضمه من كفاءات شابة تمتلك الشغف والطموح.
أما عن هذا الحوار، فقد كان من أجمل الحوارات التي خضتها، فقد أحسنت الصحفية المبدعة أسماء أشرف إعداد أسئلته، وكانت متنوعة ومتوازنة، إذ تناولت جوانب مختلفة من شخصيتي ومسيرتي الأدبية، إلى جانب رؤيتي للكتابة والأدب، وهو ما أتاح لي فرصة الحديث عن تجربتي بصورة شاملة.
وأغتنم هذه المناسبة لأتوجه بخالص الشكر والتقدير للأستاذة أسماء أشرف على حسن الإعداد وإدارة الحوار، متمنيا لها دوام النجاح والتألق في مسيرتها الصحفية.
كما أشكر مجلة قعدة مُبدعين على هذه الاستضافة الكريمة، التي أتاحت لي فرصة التعرف إلى قراء جدد والتعريف بتجربتي الأدبية، وآمل أن أكون قد وفقت في تقديم إجابات تليق بقراء المجلة، وأن تكون هذه المقابلة بدايةً للقاءات أخرى مستقبلا، بالتزامن مع صدور أعمال أدبية جديدة بإذن الله.



في النهاية، نكون قد استعرضنا بعضًا من أبعاد الكتابة الإبداعية وتعرفنا على رؤية الكاتب العميقة والمميزة لهذه العملية الرائعة. كانت هذه الجلسة بمثابة رحلة مليئة بالإلهام والتأمل، حيث أضاء الكاتب أمامنا أفقًا جديدًا لفهم الأدب والتعامل مع الإبداع. نُشكر الكاتب المبدع " بلال الهلاوي " على وقته الثمين ومشاركته أفكاره، ونتمنى أن تكون هذه الكلمات مصدر إلهام لجميع المبدعين الشغوفين بالكتابة. وفي النهاية، نعلم جميعًا أن الكتابة هي فن لا يتوقف، وأن كل كلمة هي خطوة نحو عالم جديد لا نهاية له."

إعداد الحوار : الصحفية أسماء أشرف ✍️

إرسال تعليق

أحدث أقدم