مجلة قعدة مُبدعين
«بـيـن صَـفـحـاتِ الـزمـن||صِـراعُ الـفِـكـرِ وصـنـاعـةُ الأثَـر»
يَجلِسُ في ظُلمةِ غُرفتِه،
الجدران من حوله تضيق وكأنها سجن بُنيَّ خصيصًا لعزل أفكاره المتشابكة، الهواءُ راكِدٌ ولكنه مثقلٌ بالأسئلة، والوقتُ مُثقلٌ بالحيرةِ، الأوراقُ تُمزِّقُ صَمتَ المكانِ كأنَّها شهودٌ على صراعٍ خفيّ.
حولهُ كُتُبٌ صامتةٌ كأضرحةٍ سُطورُها مُثقلةٌ بأحداثٍ تَمرّ كعواصفَ دونَ أن تُغادِر ذاكرته،
كلُّ تاريخٍ فيها يُلقي عليه سِؤالًا: كيفَ تُفسِّرُني؟
وكأنّها تنتظرُ منهُ تفسيرَ الحياةِ،
كُلِّ حياة.
عقلهُ يتوغل بينَ الحقبِ، بينَ ثورةٍ اندلعت؛ لأجل الحريةِ وأخرى انتهت بأغلالِ الاستبداد،
يسألُ نفسه:
كيف يُفسِّرُ صراعاتِ الأممِ؟
كيف يُجيبُ على مآسي المَاضين؟
الأحداثُ تتناثرُ في عقله،
أممٌ بُنيت، وأخرى سقطت، وأبطالٌ قُتلوا، وأزمانٌ ضاعت، يتساءلُ:
هل حقًا يمكنني فهمُ هذا التاريخ؟
وإن كانت الأيامُ قد صَمتتْ، فإنَّ معادلاتِ الزمنِ كانت تحاصرُه، تُكرّرُ له نفسَ المواقف: هل يُمكنُ للإنسان أن يغيّرَ من مسارٍ كتبته أيدي القدر؟
هل يستطيعُ التغييرُ أن يكونَ ملموسًا؟
لكنَّ الجوابَ لا يَأتي، والوقتُ يضغطُ عليه أكثر، يُزاحِمُه بينَ طيّاتِ أوراقِه،
كُلُّ معلومةٍ هي سيفٌ يُلقيه الزمنُ؛ ليُضيفَ جُرحًا جديدًا في قلبِ طالبٍ أنهكَهُ السعيُ للحقيقةِ.
الساعةُ تُملي عليهِ صوتَها الثقيل، تقدَّم لا وقتَ للندمِ، تدورُ بشكلٍ لا يتوقف، وكأنَّ عقاربَها تحملُ معها كابوسَ الزمن الذي يمرُّ بسرعةٍ دون رحمة.
مُستقبلٌ يلوحُ أمامَ عينيه في فوضى، ورغمَ أنَّه يرى بعضَ النورِ فيه، إلا أنَّ الظلالَ تطغى على معالمه.
التاريخُ بأسره يُناديه أن يكون شاهدًا عليه، بينما هو في الواقع يُشاهدُه يتسللُ بعيدًا عن قبضته.
هل أستطيعُ أن أكونَ جزءًا من هذا التغيير؟
ذلك السؤال الذي يراوده في كل لحظةٍ، والذي يُثقلُ كاهلَ عقلِه.
في خضمِّ هذا الصراع الداخلي، يتسائلُ:
هل يُمكنني أن أُكتب؟
هل سيبقى اسمي بينَ هذه الأوراقِ الضخمة، أم سيضيعُ في تفاصيلٍ مفقودة؟
هل سنحتفظُ نحن كأفرادٍ بموقعٍ في التاريخ؟
أم أنَّنا مجردُ زوّارٍ عابرين في هذا المكانِ الذي يظلُّ يبتلعُنا في دوّامةِ الحاضر؟
لا يوجد جوابٌ حاسم، لكنَّ الوعيَ يَتسللُ إليه شيئًا فشيئًا.
ثمَّ يُدركُ فجأةً أنَّه لا يذاكر التاريخَ فحسب بل هو يختبرهُ في كلِّ ثانيةٍ.
يُراجعُ كلَّ فكرةٍ وكلَّ جملةٍ ولكن ما يُفزعُه ليس فهمُه للأحداثِ، بل خوفه من أن تَمرَّ هذه اللحظاتُ دون أن يتركَ أيَّ أثرٍ في هذا العالم.
ربما هذه الأوراق التي بين يديه هي مجرد زهورٍ ذابلةٍ لا تذكرُ إلا في كتبٍ قديمة، لكنَّه الآن يريدُ أن يتركَ بصمته، أن يكونَ أحدَ الأبطال الذين عاشوا ليُغيروا مسارًا.
وفي قلبه شعلةٌ تشتعلُ، رغمَ كلِّ الضغوطِ، ورغمَ كلِّ الأعباء.
تتسارعُ الأفكارُ في رأسه، لكنه يَتذكرُ درسًا قديمًا:
«التاريخُ لا يُدرسُ كما تُدرَسُ المعادلات -بل يُعاشُ- كلُّ لحظةٍ، كلُّ فكرةٍ هي جزءٌ من الصورة الكبرى التي لا نراها إلا بعد سنواتٍ من الآن.»
إذن،
هو لا يُخطئُ في محاولاته، بل هو يُحاولُ أن يتعلمَ كيف يتركُ خلفه إرثًا.
في النهاية..
ليست الكتب هي التي تُعلمه، بل هو الذي يتعلمُ منها ليُعيدَ صياغةَ التاريخ؛ ليصنعَ من نفسه فكرةً جديدة، أو حتى فكرةً قديمة يُحييها.
لكنَّ الخطواتِ تتعثرُ في بحرِ الأرقامِ، وفي كُلِّ حدثٍ مُدجَّجٍ بالدلالاتِ ينسابُ من بينِ يديه المعنى.
ما الذي يُريدهُ هذا التاريخ؟
ما الذي تُريدهُ هذه الحياة؟
هل يُمكنُ أن يُحاكمَ كُلُّ الماضي ليبقى الحاضرُ نقيًّا؟
بينَ الكُتُبِ المُبعثرةِ وضوءِ المصباحِ الخافتِ تثورُ فكرةٌ أُخرى.
إنَّ المذاكرةَ ليست فقطَ عبئًا؛ بل هي معركةٌ على جبهتين،
جبهةٌ ضدَّ الجهلِ،
وأُخرى ضدَّ الوقتِ.
تُقاتلُ لتحفظَ حقيقةً قد تكونُ يومًا ما سلاحًا ضدَّ النسيان.
أتذكَّرُ كلماتَ أستاذيّ الجامِعي:
«التاريخُ لا يرحمُ من يجهلهُ، فهو مرآةٌ لحاضرِنا ومستقبلِنا»
لكن أيُّ مرآةٍ هذه التي تُظهرُ لِيّ وجههي المُرهق؟
ثمَّةَ خَيطٌ رفيعٌ يربطُ بينَ كلِّ شيءٍ، بينَ سطورِ الكُتُبِ وبينَ أحلامِها الصغيرةِ.
في كُلِّ حدثٍ تقرأُه ترى لمحةً من الحُلم تسألُ:
هل أنا جزءٌ من هذا التاريخ؟
هل سيأتي يومٌ يُكتبُ فيه اسمي؟
وماذا لو فشلْت؟
هل ستكونُ كلُّ هذه الليالي عبثًا؟
> وفي عُمقِ التعبِ؛ يُولدُ المعنى.
الكتبُ ليست خصومًا، بل هي رفاقٌ في طريقِها، الأوراقُ ليست سكاكينَ، بل هي أجنحةٌ ترفعُها فوقَ قيودِ الزمنِ.
صوتُ عقاربِ الساعةِ لم يَعُدْ تهديدًا، بل هو إيقاعٌ يُذكِّرُ أنَّ كُلَّ لحظةٍ هي فرصةٌ جديدةٌ.
وفي ختامِ الليلة أرفعُ رأسي، أرى وجهي في المرآةِ، ليسَ مرهقًا بل مُصمِّمًا،
أُمسِكُ قلمي، وأبدأُ من جديدٍ.
أكتُبُ سطرًا:
«التاريخُ ليسَ فقط ما كُتب، بل هو ما أعيشُه الآن»
أطفئُ الأنوارُ، لكنَّ شعلةَ الأملِ تشتعلُ في قلبِيّ، فالغدُ لا ينتظرُ الضعفاء.
غدًا،
سأصنعُ تاريخَيّ الخاصّ.
بقلم الكاتبة: زهراء عبده
