ولَّت اهتمامها بتلك النبتة التي زرعتها في شُرفتها ، في ذاك الركن النائي ، بحيث لا تَطالها الأنظار أو تعبث بها الأيادي ، ظلت تراقبها يوماً تلو الآخر ، ترعاها بحِرص شديد خِشية أنْ تعصف بها تقلُّبات الطقس وتتسبَّب في موتها ، إلى أنْ نمَت قليلاً وتحولت إلى بتلات ثم تفتَّحت وريقاتها لتصبح زهرات جميلات تُسِر الناظرين ، وقد سعِدتْ كثيراً بمجموع تلك الزهرات التي اصطفَّت في مقدمة شُرفتها وأعطتها منظراً بديعاً يُنعِش النفس ويريح البدن بمجرد التقاطه ولو من على بُعْد فهكذا كان نهجها في كل شئون الحياة ، صب التركيز ومتابعة الأمور وملاحظة النتائج لذا فقد نجحت كثيراً في كل ما قدَّمته من أعمال والتي تشمل ( كتاب أمي يا نبع الحنان ) الصادر عام ٢٠٢٠ ، كتاب ( كُنْ مع الله ولا تبالي ) الصادر عام ٢٠٢١ ، كتاب ( خارق للطبيعة ) الصادر عام ٢٠٢٢ ، كتاب ( اختراعات ميس ومجسماتها الهندسية ) الصادر عام ٢٠٢٥ ، ( كتاب الترياق الأخضر ) الذي صدر هذا العام وهي الكاتبة " ميس خضر " التي جاءتنا من بلد الأردن الشقيق وشرُفنا بها في استضافة مجلتنا ( قعدة مبدعين ) ، إليكم الحوار ،
1. في البداية، هل تشكِّل الكتابة حيزاً كبيراً من تفكيركِ ، وبمَ تشعرين في تلك الأوقات التي تباغتكِ فيها الأفكار ؟
الكتابة والبحث ليسا مجرد هواية، بل هما أسلوب حياة يشغل حيزاً كبيراً من يومي وتفكيري وبما أنني أجمع بين البحث العلمي والكتابة الإبداعية، فإن الأفكار تباغتنا دائماً كشرارة غير مُتوقعَة. في تلك اللحظات، أشعر بمسئولية كبيرة وبشغف عارم يتدفق داخلي؛ فرؤية فكرة مجردة تتحول إلى نص مقروء أو كتاب يلمسه القارئ ويستفيد منه، هو شعور يمزِج بين الحماس والمتعة الحقيقية.
2. هل تحظَى كتاباتكِ بالدعم المُرتقَب ؟ ومَنْ أقوى داعم لكِ ؟
الدعم الحقيقي يبدأ من اليقين الداخلي؛ ولذا فإن أقوى داعم لي في مسيرتي هو الله سبحانه وتعالى أولاً، فهو المستعان ومصدر كل توفيق، ومن ثَم نفسي التي تسعى وتكافح لتطوير أدواتها، وابنتي الغالية التي تُلهمني كل يوم، وعائلتي وأهلي الذين أعتز بوجودهم وبدعمهم المستمر لخُطواتي.
3. هل النشر الورقي يقدِّم الكاتب بشكل أفضل أم النشر الإلكتروني ؟
لكل منهما رونقه ومميزاته التي لا غنَى عنها اليوم ، فالنشر الورقي يمنح العمل قيمة مادية وكلاسيكية، ويُثبِته كمرجع في المكتبات، وهو ما نعتز به ككُتّاب. أما النشر الإلكتروني (مثل تجربتي في نشر كتاب "الترياق الأخضر" عبر موقع أمازون ، فهو يملِك قوة الانتشار العابر للقارات وسرعة الوصول لكل قارئ حول العالم بكبسة زر ، لذلك، أرى أن التطوير الحقيقي للكاتب يكمُن في الجمع بين المنصتين لمواكبة العصر الرقمي دون التخلي عن أصالة الورق.
4. هل تطرحين الأفكار الجريئة بعض الشيء أم تحاولين الالتزام ببعض القيود الأخلاقية التي تناسب المجتمع الشرقي ؟
أنا ملتزمة تماماً بالقيم والقيود الأخلاقية التي تناسب مجتمعنا الشرقي وديننا الحنيف ، الجرأة الحقيقية في نظري ليست في تجاوز الأخلاق أو خدش الحياء، بل في طرح موضوعات علمية وفكرية قوية تُسهِم في رفع وعي الجيل الجديد ، الكلمة أمانة، ومسئوليتنا ككُتّاب ومربيين هي البناء لا الهدم، وصناعة محتوى آمن فكرياً وأخلاقياً للأسرة والمجتمع.
5. هل تُلفتكِ المسابقات الأدبية، وهل تُعدِّين الفوز هو الهدف الأساسي منها أم أن المشاركة في حد ذاتها تحدٍ كاف للكاتب من أجل إثبات موهبته ؟
المسابقات الأدبية والعلمية محفز ممتاز بلا شك، وتجعل الكاتب يختبر أدواته بانتظام ، ومع ذلك، لا أرى الفوز بالمركز الأول هو الهدف الأسمى؛ بل إن التحدي الحقيقي والمشاركة هما فرصة ذهبية لتبادل الخبرات، وفرز الطاقات، وإثبات الذات أمام لجان تحكيم متخصصة ، فالنجاح الأكبر هو أنْ تترك الفكرة أثراً ممتداً في عقول الناس، سواء فازت بجائزة رسمية أم لم تَفُزْ .
6. هل تتمكننين من تحليل الأفكار بدقة والتوصل للمغزى الذي كتبت من أجله ، استنباط المعنى المتواري خلف الكلمات ؟
نعم، ولعل خلفيتي الأكاديمية في دراسة الكيمياء والبحث العلمي أَصقلت لديّ مهارة "التحليل الدقيق" والربط بين الأسباب والنتائج ، أنا لا أنظر للكلمات بشكل سطحي، بل أميل دائماً لتفكيك الفكرة، وقراءة ما بين السطور، واستنباط الأبعاد الفلسفية والإنسانية العميقة المتوارية خلف النص، وهذا التفكيك هو ما يساعدني في تقديم محتوى رصين ومبسَّط في الوقت ذاته .
7. متى على الكاتب أنْ يشعر بالتقصير ، ومتى يتيقن أنه قد حقَّق النجاح بالفعل ؟
يشعر بالتقصير عندما يتوقف عن القراءة، وعن البحث، وتطوير أدواته، أو عندما يقع في فخ التكرار ويكتب لمجرد التواجد دون تقديم قيمة مضافة ، أما التيقن من النجاح، فيحدث حين تصِله رسالة من قارئ يستفيد من كتاباته، أو يرى أثراً طيباً لإصداراته في وعي الناس، ليشعر أن ما بذله من جهد وسهر لم يذهب سُدى، بل أَحدَث فارقاً حقيقياً.
8. ما الفارق بين شخصيتكِ اليوم وما كانت عليه قبل الاندماج في الكتابة ؟
الاندماج في مجالات الكتابة والبحث والابتكار جعلني أكثر صبراً وعمقاً في قراءة شئون الحياة ، علمتني هذه الرحلة أن النتائج الكبيرة تحتاج إلى تركيز ورعاية مستمرة، تماماً كالنبتة الصغيرة التي تترعرع في الشرفة ، أصبحتُ اليوم أكثر قدرة على مواجهة التحديات، وأكثر إدراكاً لقيمة الوقت، ولحجم المسئولية التي أحمِلها كباحثة وكاتبة.
9. حينما تُلِح عليكِ فكرة هل تسارعين بكتابتها أم ترجئينها لبعض الوقت ؟
أسارع فوراً بتدوين الخطوط العريضة أو الهيكل الأساسي للفكرة خِشية الهروب أو النسيان. ولكني بعد ذلك، أمنحها وقتها الكافي من الطهي والتروي؛ فأنا لا أتعجَّل النشر قبل التدقيق والبحث الطويل لضمان خروج العمل بنضوج تام وجودة تليق بالقارئ.
10. بما أننا محاسبون على ما نكتب ، هل تظنين أن هناك مَنْ يضع تلك الأولوية في حساباته قبل النشر وبخاصةً في ظل تلك الأفكار الوضيعة التي يسردها البعض ، كيف تسمح لهم ضمائرهم بتغييب الوعي ونشر الفسق والضلال ، أَلا يصيبهم الشعور بالذنب والندم على بث تلك الأفكار بين عقول الشباب ممَّنْ هُمْ بحاجة لمَن يُصلِح أحوالهم لا يُسهم في تردي سلوكهم أكثر ممّا هم عليه ؟
بكل أسف، هناك فئة غيّبت ضمائرها وجعلت الشهرة الزائفة والمكاسب السريعة على رأس أولوياتها دون أدنى مراعاة للأمانة الفكرية أو القيم المجتمعية ، تغييب الوعي وبث الأفكار الهابطة جريمة بحق عقول الشباب والجيل الصاعد الذي يحتاج منّا إلى الأخذ بيده نحو البناء والنهضة ، الكلمة مسئولية أمام الله أولاً ثم أمام التاريخ، ومَنْ ينشر التردي الفكري والسلوكي سيحصد ندماً عاجلاً أم آجلاً، فما ينفع الناس هو ما يمكُث في الأرض، أما الغثاء فيذهب جفاءً.
11. هل الانخراط في المجتمع يساعد على تولَّد أفكار جديدة لدىّ الكاتب ؟ وإنْ لم يملِك تلك الفرصة فكيف يُجدِّد أفكاره؟
بالتأكيد، الانخراط في المجتمع والاقتراب من تفاصيل حياة الناس ومشاكلهم هو المنبع الأول للأفكار الإنسانية والقصصية ، ولكن إنْ لم يملِك الكاتب هذه الفرصة لظروف ما يمكنه تجديد أفكاره عبر القراءة العميقة والمكثَّفة في مجالات متنوعة، ومتابعة الأبحاث العلمية، والتأمل في الطبيعة، والاطلاع على الثقافات الأخرى رقمياً، فالعقل البشري يجدِّد خلاياه الإبداعية بالتعلُّم المستمر وتوسيع المدارك.
12. هل تحرصين على حضور فعاليات معرض الكتاب ، وما الشعور الذي ينتابكِ هناك؟
نعم، أحرص على ذلك قَدْر المستطاع ، فمعارض الكتاب بالنسبة لي هي "مهرجانات الوعي الإنساني" حيث ينتابني هناك شعور غامر بالفخر والبهجة وأنا أرى تلاحم العقول والشغف بالقراءة والتعلُّم وجهاً لوجه ، هذا المكان يمنحني طاقة إيجابية هائلة ويدفعني لتقديم المزيد والمزيد لأكون دائماً جزءاً فعالاً من هذا الحِراك الثقافي.
13. أيلجأ للكتابة من تهزمه تجارب الحياة ؟
قد تكون الكتابة ملاذاً دافئاً ومَنفذاً للتعبير عن الآلام والصدمات، ولكني لا أراها فعلاً يأتيه المهزوم؛ بل هي فعل يقوم به المقاوم الذي يرفض الاستسلام للهزيمة ، الكتابة والبحث هما وسيلة لتحويل ألم التجارب القاسية إلى أمل، ودروس، ونجاحات يستفيد منها الآخرون، فهي سلاح الشجعان للانتصار على صعوبات الحياة.
14. هل أجدتِ اختيار دار النشر التي توجَّت أعمالك وأسهَمت في رؤيتها للنور؟
لقد مرَّرت بتجارب متنوعة ومدروسة في هذا السياق؛ فبعض أعمالي اتجهتُ فيها نحو النشر الرقمي الذاتي عبر منصات عالمية كبرى مثل " أمازون" لضمان التحكُّم الكامل بالجودة والوصول المباشر، وبعض كتاباتي اتجهت بها إلى مجلات دورية متخصصة ، هذا التنوع ساعدني على وضع كل عمل في مكانه الصحيح الذي يضمن وصوله لجمهوره المستهدف بأفضل طريقة وبأعلى معايير الجودة والتأليف المعتمَد كباحثة دولية.
15. هل تُطالعين كتابات اليوم وهل كلها تستحق النشر أم أن هناك منها ما هو ضعيف أقرب إلى الركاكة في الفكرة وأسلوب الطرح ؟ ولمَ تُقبَل تلك الأعمال؟
نعم أطالع، وللأسف السوق الأدبي الحالي يعاني من تُخمة وتراجع واضح في المعايير؛ فهناك الكثير من الأعمال الركيكة وضعيفة الطرح التي لا تستحق الحبر الذي كُتبت به. تُقبل هذه الأعمال وتُنشر لأن بعض الجهات أصبحت تعتمد على التسويق التجاري البحـت وعدد المتابعين الوهمي على منصات التواصل، باحثة عن الربح المادي السريع على حساب القيمة الفكرية والأدبية.
16. أصار الهدف من النشر مادياً وكيف نوقِّف انتشار تلك الفكرة ؟
تحول النشر عند البعض إلى تجارة بحتة بالفعل ، ولمواجهة هذا الانتشار وإيقافه، يجب أولاً رفع وعي القارئ ليكون ناقداً وفرّازاً للمحتوى الجيد، ومقاطعة الأعمال الهابطة. ثانياً، على دور النشر الحقيقية والمؤسسات الثقافية أن تُعيد تفعيل لجان القراءة والتحكيم الصارمة لرفض أي عمل لا يرتقي لوعي وعقول الناس، ليعود للنشر سُموه وهدفه التنويري.
17. كيف نروِّج للأعمال الجديرة بالنشر بحَقْ ؟ هل يمكن فرز الأعمال قبل النشر النهائي وعلى مَنْ تقع تلك المسئولية ، ألوزارة الثقافة دخلٌ في هذا الأمر ؟
الترويج للأعمال الجديرة يتم عبر صناعة حِراك نقدي حقيقي، وتسليط الضوء عليها في وسائل الإعلام والبرامج الثقافية واللقاءات الصحفية الراقية مثل لقائكم هذا ، المسئولية هنا مشتركة وتكاملية؛ تقع على عاتق دور النشر أولاً في فرز وتدقيق ما يخرج باسمها، وعلى وزارة الثقافة والمؤسسات الرسمية ثانياً من خلال وضع ضوابط عامة، ودعم المشاريع الهادفة، وتنظيم مسابقات وامتيازات للمحتوى العلمي والأدبي الرصين الذي يبني الفرد والمجتمع.
18. ما النصيحة التي تودِّين إسداءها لمَنْ ما زالوا في بداية المشوار الأدبي، وهل يستحق كل هذا التعب والجَهد المكثَّف ؟
نصيحتي لهم: اقرأوا وابحثوا أكثر عمّا تكتبون، واصقِلوا مواهبكم بالعلم والتجربة والتدقيق، ولا تتعجَّلوا الشهرة أو النشر المبكِّر. الرحلة نعم شاقة، وتحتاج جهداً مكثفاً وسهراً طويلاً، ولكنها تستحق كل هذا التعب بلا شك؛ فليس هناك شعور أجمل من أنْ ترى فكرتك وعلمك يغيِّران حياة إنسان نحو الأفضل.
19. كيف نوقِّف الاستغلال الفكري ونحفظ الملكية الفكرية للكاتب وبخاصةً على مواقع التواصل ؟ هل هناك خطة مُحكَمة لذلك أم أن الأمر خارج عن إطار السيطرة ، هل يمكن تقديم بلاغ فيمَنْ يتجرأ على القيام بهذا أو تُسوِّل له نفسه سرقة أفكار الآخرين بغير وجه حق ؟
ضبط السرقة الفكرية على مواقع التواصل يشكِّل تحدياً كبيراً نظراً لاتساع العالم الرقمي، ولكنه ليس مستحيلاً أو خارج السيطرة بالكامل ، لحماية أعمالنا، علينا أولاً توثيق وتسجيل ابتكاراتنا وكُتبنا رسمياً لدَى الجهات القانونية والوزارات المعنية فور اكتمالها وقبل طرحها. ثانياً، تُتيح المنصات الرقمية اليوم أدوات قوية للإبلاغ عن انتهاك حقوق الملكية الفكرية تؤدي لإغلاق الحسابات السارقة. القانون يحمي المبادرين، وعلينا كصنّاع محتوى ألا نتردد في تقديم البلاغات القانونية والرقمية ضد كل مَنْ يتجرأ على سلب جهود وأفكار الآخرين.
وفي نهاية هذا الحوار نود أن نشكر الكاتبة " ميس خضر " على كلماتها الرنّانة وحرصها على الاهتمام بكل ما يخرج من تحت يديها بحيث تضع فيه جلَّ جهودها وتؤديه بإتقان شديد دون تراخٍ أو كسل ، متمنين لها مسيرة موفقة ودرب حافل بالإنجازات ...
حوار الكاتبة : خلود أيمن .