حوار صحفي مع الكاتب توفيق الحيوني

 مجلة قعدة مُبدعين 

حوار مع الكاتب توفيق الحيوني



لكل كاتب حكاية، ولكل قلم رحلة تحمل بين سطورها الكثير من الشغف والتجارب والإلهام. وفي هذا الحوار نسلط الضوء على الكاتب "  توفيق الحيوني " لنتعرف عن قرب على بداياته، وأبرز محطاته الأدبية، ورؤيته للكتابة والإبداع، من خلال مجموعة من الأسئلة التي تكشف لنا جانبًا من رحلته المميزة.

١/ متى بدأت رحلتك مع الكتابة، وكيف اكتشفت موهبتك الأدبية؟ 

أهلا بكِ سيدتي، وبالمجلة المصرية العريقة التي تمثل منبرا للثقافة ورئة تتنفس من خلالها الكلمة الحرة في عالمنا العربي. شكراً لجميل اهتمامكم، ولمصر التي لطالما كانت الحاضنة الكبرى للمبدعين، والبوصلة التي توجّه قلوب عشاق الأدب.
أما عن سؤالكِ, فحين يسألني أحد عن البداية، أشعر دائما أن للكتابة تاريخا موثقا على الورق، لكن لا بداية لها في الروح, إنها تسكننا قبل أن نسكنها. 
قد يبدو السؤال تقنيا في ظاهره، لأن الكتابة بمعناها الإجرائي أي النشر والإصدار والظهور علنا, قد تتأخر لسنوات، لكنها تظل كامنة في الداخل تنتظر لحظة الانفجارالتي تحددها ظروف وعوامل شتى.
إن الأدب، في نظري، لا يعترف ببطاقة هوية، ولا بعمر، ولا بجنس، ولا حتى بمستوى تعليمي. وفوق هذا كله، لا يحتاج المبدع فيه إلى صك غفران أو إذن عبور من أحد.
وهنا تحضرني حادثة طريفة ومؤثرة وقعت معي إبان صدور مجموعتي الشعرية الأولى حيث بادرني أحد الشعراء بسؤال حمل الكثير من الاستغراب قائلا:
"أنت دكتور في الاقتصاد.. ما الذي أتى بك إلى عالم الشعر والأدب، وفي سنّ متقدمة نسبيا ؟"
حينها ابتسمت وأجبته بهدوءٍ لا يخلو من عتبٍ مشروع:
"أعتذر منك يا سيدي.. ربما كان يجدر بي أن أطلب منك ترخيصاً، أو تأشيرة عبور (فيزا) لألج أرض الإبداع!"
إن الشعر لا يستأذن التخصصات الأكاديمية، والقلب الذي ينبض بالكلمة لا توقفه الأرقام والمعادلات.
أما عن الشق الثاني من سؤالكِ حول كيفية اكتشاف هذه الموهبة، فقد كان ذلك مبكراً جداً، وتحديداً من خلال شغف جارف وعلاقة عشق قديمة بالمطالعة. القراءة هي التي حفرت بئر الكتابة في داخلي، ومنها تدفقت أولى الينابيع.


٢/ هل تؤمن بأن الكتابة موهبة أم مهارة يمكن اكتسابها بالتعلم والممارسة؟

إن الحفر في هذا السؤال يشبه محاولة فصل الروح عن الجسد، فالكتابة في جوهرها مزيج عبقري بين سحر الفطرة والتقاط الصنعة.
الموهبة هي البذرة الأولى، تلك الهبة السماوية التي تمنح الكاتب عينا مغايرة يرى بها العالم، وجهازا عصبيا شديد الحساسية يلتقط ذبذبات الألم والجمال التي قد يمر عليها الإنسان العادي عابرا. لكن هذه المذراة، على روعتها، تظل خامة صامتة ما لم تصقلها المهارة، وتُهذّبها الممارسة، وتغذيها القراءة الواعية والمستمرة التي تُكسب الأديب طواعية اللغة وأسرار البلاغة. الموهبة تمنحك الشعلة، لكن الممارسة هي التي تقيك الاختناق بدخانها وتُعلّمك كيف تدير الضوء.
إلا أن هناك عنصراً ثالثا، وهو في تقديري الأهم والأخطر، وخاصة في عالم الشعر، إنه عِرق التجارب والامتداد الإنساني.
الشعر، تحديدا، لا ينبت في الفراغ ولا يعيش في غرف التعلم المغلقة. إنه ابن المعاناة والانكسارات والانتصارات والأسئلة الوجودية الحارقة. القصيدة الحقيقية هي تقطير ناصع لتجربة حياتية مُعاشة، إنها غمس القلم في محبرة العمر. بدون تجارب حقيقية تصهر الوجدان، يظل الشعر مجرد نظم بارد وهندسة لغوية خاوية من الروح مهما بلغت مهارة صاحبه. الكاتب يحتاج إلى أن يعيش عميقا، أن ينخرط في تفاصيل الحياة، أن يحب ويحزن ويسافر ويتأمل، لتتحول مهارته وموهبته إلى كائن حي يتنفس على الورق ويلامس شغاف القلوب.

٣/ ما أول عمل أدبي كتبته؟

أول الغيث الذي أعلنني للناس وجاء بعد رحلة طويلة من نشر المقالات والنصوص الشعرية المتفرقة في الصحف والمواقع الإلكترونية، كان مجموعتي الشعرية الأولى التي حملت عنوان "وجعلتني شاعرا"، وصدرت عن دار كنعان بدمشق.
هذا العمل لم يكن مجرد كتاب يرى النور، بل كان نتاج مخاض عسير وصراع نفسي ووجداني وعاطفي عميق عشت تفاصيله بكل جوارحي. لقد وصلت في تلك المرحلة إلى حالة من الامتلاء الإنساني الذي لم يعد يتسع له الصمت، فحدث ذلك الانفجار الروحي الجميل، وراح القلم ينساب على الورق كالنهر ليعيد ترتيب شظايا الذات ويصوغها كلمات ونبضا.
كانت تلك المجموعة هي هويتي الأولى، والاعتراف العلني بأنني ما عدت أملك من أمري سوى أن أكون شاعرا.



٤/ كيف تصف أسلوبك الأدبي للقارئ الذي لم يقرأ لك من قبل؟

فقد جرت عادة النقّاد والأصدقاء من القراء على تسميتي بـ "شاعر الحب"، وهي تسمية أتشرف بها لأن الحب في نظري هو المحرك الأول للكون وللوجود. بناءا على ذلك، يميل أسلوبي في عمومه إلى الغنائية الوجدانية، حيث تتدفق الكلمات بإيقاع داخلي دافئ يلامس شغاف القلب مباشرة، وينساب كالموسيقى التي تخاطب الروح قبل الفكر.
لكن هذه الغنائية ليست مجرد عاطفة مجردة أو بكاء على الأطلال، بل هي غنائية مشحونة بالرمزية الفلسفية. 
إنني أتعمد المساءلة، وأحاول هندسة النص ليمزج بين عاطفة الشاعر الجياشة وعقلانية المفكر المتأمل. فالقصيدة عندي ليست انفعالا عابرا، بل هي رؤية وموقف من الحياة والوجود، أبحث في تفاصيلها عن جوهر الإنسان، تماماً كما يبحث الفيلسوف عن الحقيقة، لكن بأدوات الشعر وسحره.
باختصار، أسلوبي هو دعوة للقارئ لكي يشعر ويفكر في آنٍ واحد، أن يذوب في عذوبة النبض، ويسافر في عمق المعنى.


٥/ من أبرز الكتّاب الذين تأثرت بهم في مسيرتك؟

حين يُطرح عليّ سؤال التأثر والينابيع الأولى، يتبادر إلى ذهني فورا اسمان شكّلا زلزالا حقيقيا في وعيي الأدبي والإنساني، وهندسا طريقتي في رؤية العالم: فيودور دوستويفسكي وفرانتس كافكا.
لقد تجاوزت علاقتي بـ دوستويفسكي حدود الإعجاب العابر بالرواية، لتصبح بمثابة مدرسة لتفكيك الذات البشرية، هذا العبقري لم يكن مجرد سارد حكايات، بل كان غواصا في المحيطات المظلمة للنفس، قادرا على تشريح أعقد الصراعات الوجدانية، والتقاط النبضات المتناقضة بين أقصى درجات النبل وأقسى درجات السقوط.
أما كافكا، فقد علمني كيف أحول الواقع اليومي المألوف إلى لوحة رمزية سريالية مشحونة بالأسئلة الوجودية الحارقة. لقد أخذني كافكا إلى عوالم الاغتراب الإنساني، وجعلني أدرك كيف يمكن للكلمة أن تعبر عن مأزق الإنسان المعاصر أمام وطأة الوجود، وكيف يغدو الحرف سلاحاً لمواجهة العبث.
تأثري بهذا الثنائي الفريد يتجلى في محاولتي الدائمة لأنسنة النص، ألا أقدم شعرا أو نثرا مسطحا، بل أبحث عن تلك الرعشة الوجودية الحارقة. لقد تعلمت منهما أن الأدب الحقيقي هو الذي يجرؤ على مواجهة الأسئلة الكبرى، وأن وراء كل فكرة عقلانية أو موقف فلسفي ثورة عاطفية خفية، وهو ما أحاول دائما تمثيله في كتاباتي حين أمزج بين غنائية الوجدان وعمق الرمز.


٦/ ما أكثر كتاب قرأته وكان له تأثير كبير في طريقة تفكيرك؟

المكتبة التي تسكنني زاخرة بالأسفار والكتب التي تركت في تفكيري ووجداني ندوبا جميلة، وساهمت في تشكيل رؤيتي للحياة والأدب؛ ولكن، ثمة كتابان تحديدا يمثلان حجر الزاوية في طريقتي في التفكير وتأمل الوجود: "مائة عام من العزلة" لغابرييل غارسيا ماركيز، و"الخيميائي" لباولو كويلو.
في "مائة عام من العزلة"، تعلّمت كيف يتحول الزمن إلى دائرية لامتناهية، وكيف يمكن للواقعية السحرية أن تفكك عزلة الإنسان الوجودية. هذا الكتاب لم يغير طريقة تفكيري في الرواية فحسب، بل غير نظرتي للتاريخ البشري، وللأجيال التي تتوارث الخيبات والأحلام، وكيف يمكن للعزلة أن تكون قدراً جماعيا نصنعه بأيدينا أو نتحرر منه بالحب.
أما "الخيميائي"، فكان بمثابة دليل روحي وفلسفي عميق؛ علمني كيف أصغي إلى صوت قلبي، وكيف أقرأ لغة العالم وإشاراته الخفية. هذا الكتاب رسّخ في داخلي فكرة أن لكل إنسان أسطورته الشخصية التي يجب أن يقطع الفيافي والقفار ليحققها، وأن الكنز الحقيقي ليس في نهاية الرحلة، بل في تفاصيل الرحلة ذاتها وما تحدثه في أرواحنا من تحولات وصهر، تماما كما يفعل الخيميائي بالمعادن لتتحول إلى ذهب.
هذان الكتابان هما اللذان علماني كيف أمزج في كتاباتي بين سحر الحكاية وعمق الفلسفة الوجودية.



٧/ كيف تولد فكرة العمل الأدبي لديك؟

الفكرة الأدبية عندي لا تولد في غرف مغلقة، ولا تأتي بقرار مسبق بل هي أشبه بجنين ينمو في رحم الوجدان على مهل، ويتغذى من أربعة روافد أساسية تشكل كينونتي:
 تجاربي، ومبادئي، وعواطفي الدفينة، وفلسفتي في الحياة.
إنها تبدأ غالبا من تجربة عابرة أو موقف إنساني يهزني، أو من عاطفة دفينة تختبئ في أعماق الروح، تنتظر شعلة صغيرة لتنفجر وتتحول إلى نهر من الكلمات. لكن هذه العاطفة لا تتدفق عشوائيا، بل تمر عبر مصفاة مبادئي الإنسانية والأخلاقية، وتصطدم بفلسفتي في الحياة ورؤيتي للوجود.
حين تتلاقى هذه العناصر، حرارة العاطفة وعقلانية الفكرة والمبدأ تولد الشرارة الأولى للعمل الأدبي. عندها يتحول الموقف الشخصي أو التأمل الفلسفي إلى نص مشحون بالرمز والغنائية، يخرج من ذاتي ليحاكي ذوات الآخرين، ويتحول من مجرد فكرة عابرة إلى كائن حي يتنفس على الورق.


٨/ كيف تعرف أن فكرة ما تستحق أن تتحول إلى عمل أدبي كامل؟

أعرف أن الفكرة قد نضجت واستحقت أن تولد كعمل أدبي كامل، حين تتوقف عن كونها مجرد خاطرة عابرة، وتتحول إلى كائن يرفض أن يغادرني، حين تسكنني، وتتلبّسني تماما.
يبدأ الأمر أحيانا من ملاحظة بسيطة، أو حادثة قد تبدو للآخرين عادية، لكنها تترك في داخلي رنينا خاصا. هذا الرنين يأخذ مكانه الأثير في لحظات الشرود الذهني، وتحديدا في ساعات الأرق الممتدة، وأنا، يا سيدتي، ليلي أرق دائم، وسهاد لا ينقطع.
في ذلك السكون المهيب لليل، حيث تنام العيون وتستيقظ الأسئلة الوجودية، تبدأ تلك الفكرة في محاصرتي. تطرق جدران روحي بقوة، تفرض شخوصها، وتملي عليّ عباراتها وصورها، وتتحول من مجرد فكرة إلى ضرورة حتمية لا يمكنني الخلاص من وطأتها إلا بسكبها على الورق.
إذا قاومت الفكرة عتمة الليل وهزمت النسيان، وظلت تلازم أرقي وتلبس تفاصيلي، أعرف حينها أنها لم تعد فكرة بل أصبحت مشروعا أدبيا نابضا بالحياة، يطالب بحقه في الوجود.


٩/ هل تستمد شخصياتك من الواقع أم من الخيال؟

إن شخصياتي ونصوصي لا تولد في قطيعة مع الواقع، كما أنها لا تنقل الواقع بحرفيته الفوتوغرافية، إنها تولد من رحم الواقع، لكنها تتعمد المعمودية في نهر الخيال لتكتسب خلودها الأدبي.
​أما عن الخيط الفاصل بين الواقع والخيال في ذهن شاعر وكاتب مسكون بل مهووس بالتجليات النفسية والعاطفية، فهو خيط واهن ورقيق جدا، يكاد يكون غير مرئي، يشبه الحد الفاصل بين الصحو والحلم.
​في عقلي الوجداني، لا يعود الواقع مجرد أحداث جافة وأرقام جامدة، بل يتحول إلى مادة خام تُعاد صياغتها. الخيال عندي ليس هروبا من الواقع، بل هو الأداة الوحيدة القادرة على تعرية هذا الواقع وتفكيك أسراره النفسية. حين تلتقط عيني شخصية من لحم ودم، فإنني لا أكتفي برسم ملامحها الخارجية، بل آخذها معي إلى عوالم الأرق والشرود، لألبسها من عواطفي الدفينة، وأحقنها بأسئلتي الفلسفية والوجودية.
​الخيط الفاصل يذوب تماماً حين تصبح الشخصية الخيالية أكثر صدقا وعمقا من الشخصيات الحقيقية التي نلتقيها في الشارع، لأنها في النهاية تقطير روحي ونفسي لتجارب حقيقية عشناها وعانينا منها. الخيال هو الثوب الأنيق والرمز الفلسفي الذي نكسو به عري الواقع لكي يتقبله القارئ، ولكي يلمس فيه جوهر إنسانيته.



١٠/ كيف تختار شخصيات أعمالك وأسماءها؟

الكتابة الروائية في نظري ليست تصميما هندسيا صارما، ولا تتبع المنهج التجريبي أو التخطيط المسبق الذي نعهده في العلوم الجافة، إنها أشبه بعملية خلق صوفية. تلد الفكرة أولا ثم يتوهج الفكر، ويشتغل الخيال بكل طاقته، وحينها فقط ينساب القلم على الورق تدفقا كالنهر، ومن رحم هذا التدفق العفوي والوجداني، تولد الشخصيات وتفرض كينونتها، وكأنها هي من تختارني لتلعب أدوارها، لا أنا من يختارها.
أما عن الأسماء، فلأن النص عندي يحمل هويتي وجذوري وعمقي الحضاري، فإنني أميل كثيراً إلى الأسماء الأمازيغية.
هذه الأسماء لا تأتي من فراغ، إنها تحمل في رنينها وحروفها عبق الأرض وأصالة التاريخ والارتباط الوثيق بالهوية المغاربية. الأسماء الأمازيغية تمنح شخصياتي بعدا رمزيا وفلسفيا خاصا يخرج بها من نمطية الأسماء المستهلكة إلى فضاءات أرحب، لتصبح كل شخصية حاملة لسرٍّ وحكاية، وامتداد إنساني يربط القارئ بجذور الجمال والحرية.


١١/ ما أكثر شخصية كتبتها وشعرت بالارتباط بها؟

من بين كل الشخصيات التي نسجتها من حبر الروح، تظل "روزا" هي الأقرب إلى قلبي، والأكثر إقناعاً لي بالارتباط والالتصاق، إنها ليست مجرد شخصية ورقية، بل كائن حي يسكنني، واسمٌ ساحر يملك مفاتيح خاصة تلهم خيالي على الدوام.
"روزا" في عوالمي الأدبية ليست مجرد بطلة لحكاية، بل هي الرمز والملاذ، هي تقطير عاطفي وفلسفي لكل تلك التجليات النفسية والأرق الدائم الذي يعتريني. حين أكتب عنها أو بلسانها، أشعر أن الخيط الفاصل بين الواقع والخيال يذوب تماما، وتتحول هي إلى مرآة مصقولة تعكس عواطفي الدفينة ونظرتي إلى الحب والوجود.
إنها الاسم الذي كلما نطقته أو خططته بالقلم، تفجرت في داخلي ينابيع غنائية وجدانية لا تنضب، وكأنها الملهمة السرية التي تقود خطاي في دروب الإبداع.


١٢/ ما الرسالة التي تسعى إلى إيصالها من خلال كتاباتك؟

الرسالة التي أنذرْتُ لها قلمي، وسخرتُ من أجلها سهاد ليلي تتلخص في كلمة واحدة تشكل نواة الكون: الحب.
في أغلب كتاباتي، حتى تلك التي تشتبك مباشرة مع قضايا الوطن الكبرى، وتناضل من أجل الإنسان والعدالة والحرية والانعتاق من قيود الحروب والمآسي، لا يمكن للحب أن يغيب. إنني أؤمن إيمانا راسخاً بأن كل معركة نخوضها من أجل الحرية والعدالة، إن لم يكن محركها الأول هو الحب، تظل معركة باردة وخالية من المعنى.
الحب عندي ليس مجرد علاقة عاطفية عابرة بين إسمين، بل هو قيمة إنسانية عليا، وهو الجدار الأخير الذي يقي البشرية من السقوط في مستنقع العبث والوحشية.
رسالتي التي أسعى إلى إيصالها هي إيقاظ هذا الجوهر الروحي في نفس القارئ، أن ندرك جميعا أن بالحب وحده ننتصر لقضايانا ونستعيد إنسانيتنا المهدورة ونعيد ترميم هذا العالم المتشظي. أردت أن أقول من خلال نصوصي:
 "مهما بلغت قسوة الواقع، فإن الحب هو المبتدأ والمنتهى، وبوابتنا الوحيدة نحو الخلود".



١٣/ ما الدور الذي يلعبه البحث والاطلاع في كتابة أعمالك؟

البحث والاطلاع بالنسبة لي ليسا مجرد مرحلتين تسبقان الكتابة، بل هما نمط حياة وهواء أتنفسه، وكما ذكرتُ لكِ سابقا، فقد بدأت رحلتي منذ نعومة أظافري بشغف جارف ومجنون بالقراءة.
​وبكل تواضع، أنا لا أهمل أي مجال من مجالات المعرفة، ألتهم الكتب بنهم، وعلى رأسها كتب الفلسفة والعلوم بمختلف تفرعاتها. فالكاتب في نظري لا يمكنه أن يكتفي بحدود موهبته، بل يجب أن يكون مسكوناً بفضول المعرفة، ومتابعا لكل ما ينتجه العقل البشري.
​ومع ذلك، ثمة حقيقة أؤمن بها بشدة: إن كل ما نمتلكه من معرفة واطلاع، على أهميته، لا يكفي وحده لولادة نص إبداعي.
​المعرفة الجافة لا تصنع شعرا ولا رواية، لكن دورها الأهم يكمن في أنها تصهر وتصقل شخصية الأديب، وتمنح وعيه بعدا عميقا ورؤية فلسفية مغايرة. إنها الخلفية غير المرئية التي تمنح جملتي الشعرية أو النص الروائي رصانة وعمقا، وتمنع النص من السقوط في السطحية أو السذاجة. الاطلاع هو الذي يحول عاطفة الشاعر الجياشة إلى موقف فكري رصين، ويجعل القلم قادراً على ملامسة الأسئلة الوجودية الكبرى وهو بكامل نضجه الإنساني.


١٤/ كيف تتعامل مع فترات غياب الإلهام؟

أنا لستُ صانع نصوص ولا أتعامل مع الأدب بوصفه وظيفة أو حرفة يومية، بل إنني أرفض تماماً فكرة احتراف الكتابة. فالكتابة عندي فعل عشق وولادة وجدانية، والعشق لا يخضع للمواقيت والخطط المسبقة.
لذلك، من الطبيعي جداً والعادي أن يغيب الإلهام، وتجف الينابيع حينا. في هذه الفترات، لا أشعر بالقلق ولا أمارس أي نوع من القسر أو الإكراه على قلمي، بل ألوذ بالصمت، وأفكر بهدوء، وأتصالح مع هذا الغياب في انتظار عودة النبض. أستغل هذه العتمة المؤقتة في المطالعة، وتأمل تفاصيل الحياة، وإعادة شحن الروح بالتجارب.
المهم عندي ليس الغزارة في الإنتاج، ولا ملء الصفحات لمجرد النشر، المهم هو أن تكون النتيجة جيدة، وأن يولد النص وهو يحمل وزنا وقيمة، ويكون ذا معنى وعمق يلامس وجدان القارئ. غياب الإلهام ليس موتا للكاتب، بل هو فترة استراحة للمحارب، ومخاض صامت يسبق الانفجار الإبداعي القادم.



١٥/ ما العادات التي تساعدك على الاستمرار في الإبداع؟

طقوس الكتابة وعاداتها عندي ليست قوانين صارمة، بل هي حالة مرنة تخضع تماما للوضع النفسي والوجداني الذي يعتريني في لحظة ما.
لكن، ثمة طقس أثير وعادة حميمة تشكل الوقود الأكبر لاستمراري في الإبداع، وهي الجلوس في مكان عام، كمقهى هادئ أو ركن في نزل، على أن يكون هذا المكان قبالة البحر مباشرة. البحر عندي ليس مجرد مشهد طبيعي، بل هو مرآة للروح، وامتداد لأسئلتي الوجودية، ومحفّز أول لتجلياتي النفسية والعاطفية.
وفي هذا الفضاء المفتوح، أضع سماعاتي لأستمع إلى الموسيقى الشرقية العتيقة، التي تفصلني بنغماتها الساحرة وشجنها الأصيل عن ضوضاء العالم الخارجي، لتدخلني في هالة من العزلة الاختيارية وسط حشد البشر. هذا المزيج الفريد بين امتداد البحر الأزرق وحيوية المكان العام وعراقة الموسيقى الشرقية، يهبني حالة من التركيز القوي والعميق ويفتح مغاليق الروح، فيتدفق الحبر على الورق طيعا ومسترسلا دون عناء.


١٦/ ما أصعب تحدٍ واجهته خلال مسيرتك في الكتابة؟

تداخل الالتزامات اليومية مع نداء الإبداع الجارف، ومحاولة صهر الواقع المعاش لإنتاج نصّ عميق ومغاير، يجعل من مسيرتي الفنية سلسلة من التحديات المتشابكة والتي أراها تتجلى في مستويين:
أولاً: التحدي الوجودي واليومي (سرقة الوقت)
أصعب ما يواجهني هو تلك المعركة الصامتة والدائمة بين الالتزامات المهنية والمسؤوليات العائلية من جهة، وبين نداء الكتابة الذي يتطلب عزلة وشروطا ذهنية خاصة من جهة أخرى. الحياة اليومية بإيقاعها الجاف تحاول دائما سحب الأديب إلى أرض الأرقام والحسابات الضيقة، بينما يطالبني الشعر والرواية بالشرود والسفر العتيق في تفاصيل التجليات النفسية والعاطفية. التحدي هنا يكمن في كيفية سرقة لحظات صفاء من قلب الصخب، وتحويل عتمة الأرق وساعات الليل المتأخرة إلى خلوة إبداعية يُولد منها النص.

ثانياً: التحدي الفني والفكري (الانتصار للعمق)
على الصعيد الإبداعي، يكمن التحدي الأكبر في كيفية حماية النص من السقوط في السطحية أو التكرار. أنا لا أحترف الكتابة، ولأنني مسكون بهوس الغوص في المحيطات المظلمة للنفس البشرية على خطى دوستويفسكي وكافكا، فإن التحدي يكمن في ابتكار لغة رمزية غنائية قادرة على تعرية مآزق الإنسان المعاصر. إنها المغامرة المستمرة لطمس الخيط الفاصل بين الواقع والخيال وتقديم عمل أدبي لا يكتفي بنقل الحدث، بل يزرع في روح القارئ تلك الرعشة الوجودية الحارقة، وينتصر للحب كقيمة إنسانية عليا في زمن تكاد تخنقه الماديات.


١٧/ هل سبق أن دفعك رأي القراء إلى تعديل أحد أعمالك؟

أكيد، فالكتابة وإن كانت تبدأ كفعل عزلة شخصي، إلا أنها في النهاية كائن حي لا يكتمل نموه إلا بالخروج إلى النور والارتداد في عيون الآخرين.
لذلك، أنا لا أتردد في الاستئناس بملاحظات بعض المقربين مني وأعتبر قراءتهم المسبقة لأعمالي سواء كانت قبل النشر أو حتى خلال مراحل التشكل الأولى بمثابة مرآة تكشف لي ما قد يحجبه عني حماس اللحظة الإبداعية. هؤلاء المقربون والذين ينقسمون بين قراء عاديين يملكون ذائقة فطرية صادقة، وبين مختصين يملكون عينا نقدية فاحصة، يمثلون بالنسبة لي صمام أمان للنص.
حين يقدم لي أحدهم ملحوظة تلمس جوهر العمل، كأن تنبهني إلى هفوة في مسار حوار أو تداخل غير مقصود في ملامح الشخصيات، أو حتى ضرورة تعديل لفظة لضبط إيقاع الجملة ورنينها الوجداني، فإنني أستقبل ذلك بمرونة وشغف. التعديل بناءا على رؤية قارئ ذكي لا ينقص من أصالة النص بل يصقله ويحميه، ويجعل العمل ينضج بالكامل قبل أن يصافح قلوب بقية القراء.


١٨/ ما أكثر موقف أو رسالة من قارئ تركت أثرًا في نفسك؟

ثمة رسائل ومواقف تمر بالعابرين، وثمة رسائل تُحفر في جدار الروح لتصبح وقودا أبديا للإبداع.
أكثر موقف ترك في نفسي أثراً عميقا ولا يمحى، كان رسالة تلقيتها من صديق عزيز، وهو دكتور في الفلسفة، رجل يمتلك عينا نقدية ثاقبة وفهما عميقا لأغوار النفس، وكان قد شرفني بتقديم مجموعتي الشعرية الثالثة التي نُشرت في القاهرة، وكتب عن تجاربي الأدبية العديد من المقالات النقدية الوازنة.
سألني في رسالته سؤالا يحمل دهشة الفيلسوف وشغف القارئ:
"هل يخترقك جنيٌّ لمّا تكتب الشعر؟"
أذكر أنني لم أتردد طويلا، وجاءته إجابتي نابعة من ذات النبع الوجداني الذي أستمد منه نصوصي، فقلت له:
"يخترقني الحب."
هذه الرسالة لم تكن مجرد إطراء عابر، بل كانت شهادة اعتراف من قامة فكرية بأن ما أكتبه يتجاوز الكلمات العادية ليلامس حدود السحر والتجلي الروحي. إن سؤالا كهذا، من رجل يفكر بالفلسفة والمنطق، هو أثمن مكافأة يمكن أن يتلقاها كاتب، إنه يؤكد لي أنني نجحت في إيصال رسالتي الأولى والأخيرة، وأن جذوة الحب التي تسكن أرقي قد وصلت بكامل حرارتها وصدقها إلى قلوب القراء وعقولهم. وهي حقاً رسالة تدفعني كل يوم لمزيد من التحليق والإبداع.


١٩/ ما أكثر خطأ يقع فيه الكتّاب المبتدئون من وجهة نظرك؟

أكثر خطأ يقع فيه الكتاب المبتدئون هو الاستعجال، استعجال النشر قبل نضج النص، واستعجال الشهرة قبل بناء الهوية الأدبية.
العديد من المواهب الشابة تتعامل مع الكتابة كسباق، فتراهم يطبعون مسوداتهم الأولى دون تمحيص أو يسقطون في فخ الإنتاج الغزير على حساب العمق والمعنى. 
هذا الاستعجال يدفعهم غالبا إلى:
وقوعهم في نمطية التكرار لعدم منح أنفسهم الوقت الكافي للمطالعة والبحث وصقل أدواتهم الفكرية والفلسفية.
المباشرة والسطحية، فيسكبون عواطفهم على الورق بشكل خام وجاف، دون تذويبها في نهر الخيال أو كساوتها برمزية أدبية أنيقة.
الكتابة ليست مجرد صف كلمات، بل هي مخاض صامت وأرق وولادة وجدانية تتطلب الكثير من الصبر والتواضع أمام الكلمة. النص الجيد يحتاج أن يبيت في العتمة ليصقله الوقت، والكاتب الحقيقي هو من يدرك أن النتيجة الجيدة والعمق الإنساني هما الرهان الوحيد للبقاء، وليس السرعة.


٢٠/ هل ترى أن وسائل التواصل الاجتماعي ساعدت الكتّاب أم أثرت سلبًا على الأدب؟

إن وسائل التواصل الاجتماعي في نظري هي سلاح ذو حدين، وطبيعة تأثيرها تعتمد بالكامل على وعي الكاتب وكيفية تعامله معها.
من الناحية الإيجابية:
لقد كسرت هذه المنصات عزلة الكاتب وهدمت الجدران التقليدية والوساطات الشاقة بين المبدع وقراءه. أصبحت النافذة الأسرع لمشاركة تلك الخواطر والنبضات التي تلد في لحظات الأرق والشرود، وتمنحنا رجع صدى فوري ومباشر يلمس الروح. كما أنها أتاحت للأدب والقصيدة أن يصلا إلى أقطار بعيدة، من تونس إلى القاهرة وكل عواصم الكلمة، دون قيود النشر والتوزيع المعقدة.

أما من الناحية السلبية، وهنا يكمن الخطر الأكبر:
لقد خلقت هذه المنصات حالة من الوهم والاستسهال. أصبحت تشجع على الأدب الاستهلاكي السريع والمباشر، وطمست في كثير من الأحيان الخيط الفاصل بين الغث والسمين. الكاتب الذي يستسلم لبريق الإعجابات الفورية قد يسقط في فخ مجاراة السائد والمألوف، ويهمل عمق البحث والاطلاع، ويستعجل النشر قبل نضج النص، مما يؤدي إلى تسطيح الذائقة الأدبية العامة.

في المحصلة، الكاتب الحقيقي هو من يستخدم هذه الوسائل كجسر للعبور والتواصل، دون أن يسمح لصخبها بأن يسرق منه هدوء صومعته، أو يشوش على خلوته الإبداعية وعزلته الضرورية لإنتاج عمل أدبي عميق وذي معنى.


٢١/ ما رأيك في انتشار الكتب الإلكترونية؟

الكتب الإلكترونية بالنسبة لي ليست بديلا يهدد الكتاب الورقي، بل هي رئة إضافية تمنح الحرف فرصة أرحب للتنفس والانتشار.

من جهة، هي جسر عابر للقارات:
لقد كسرت الحدود الجغرافية والأزمات الاقتصادية لدور النشر، وجعلت النص الأدبي قادراً على السفر فورا من المشرق إلى المغرب، فمن كان يجد صعوبة في اقتناء ديوان صدر في القاهرة أو رواية طُبعت في تونس، صار بإمكانه ملامسة الكلمات بلمسة زر. هذا التدفق يخدم المعرفة ويوسع قاعدة القراء.

من جهة أخرى، يظل للكتاب الورقي جلاله الروحي:
القراءة الإلكترونية، رغم عمليتها تظل باردة وخالية من الحميمية، إنها تفتقر إلى عطر الورق وملمس الصفحات، ذلك الطقس الذي يشبه اللقاء الحيوي بين عاشقين. 
كاتب مسكون بالتجليات النفسية مثلي يرى أن الكتاب الورقي كائن حي يتنفس مع صاحبه، ويحتفظ بآثار سهاده وهامش ملاحظاته.
في المحصلة، لا يهم كثيراً الوعاء الذي نحمل فيه الفكرة سواء كان ورقا يفوح بالتاريخ أو شاشة تشع بالضوء، المهم هو أن نقرأ وأن نحمي العمق والمعنى من التسطيح، ليبقى الأدب قيمة إنسانية عليا تُهذب الروح وتنتصر للحب.


٢٢/ ما الحلم الذي ما زلت تسعى إلى تحقيقه في مجال الكتابة؟

الحلم في عالمي لا يرتدي الأثواب التقليدية، وأنا لا أرى الكتابة غاية بمفهومها السطحي أو محطة نهائية أصل إليها ثم أستريح. مادام في القلب نبض وفي العروق دماء وفي العقل طاقة تتفجر بالأسئلة، سأكتب وأكتب وأكتب، فالكتابة عندي هي مرادف الوجود نفسه.
ربما يحمل سؤالكِ إشارة خفية إلى تلك الأهداف والمكاسب التي يركض خلفها الكثيرون كالمادة أو بريق الجوائز أو اعتلاء منصات التتويج. وهنا أقول لكِ بكل صدق وتصالح مع الذات، لا يعنيني كل ذلك، الجوائز والمكاسب المادية لم تكن يوماً وقودا لقلمي ولن تكون.
إن الحلم الوحيد الذي يسكن عقلي وأسعى إليه بلا هوادة هو الجودة والعمق، أن أتمكن في كل نص جديد من ملامسة النواة الصلبة للإنسانية وأن أقدم للقارئ عملاً أدبيا مصقولا بحبر الروح يظل حيا ونابضا وذا معنى حتى بعد أن يغيب جسد كاتبه. حلمي هو الانتصار للحب والجمال كقيم عليا، وأن تظل كلماتي مرآة صادقة للتجليات النفسية للبشر.


٢٣/ إذا طُلب منك تلخيص رحلتك الأدبية في جملة واحدة، فماذا ستقول؟

رحلتي هي مخاض صامت لسرقة الضوء من عتمة الواقع، والانتصار للإنسان بكلمةٍ مبتدأها ومنتهاها... الحب.


٢٤/ ما النصيحة التي كنت تتمنى أن تسمعها عندما بدأت الكتابة لأول مرة؟

لا تستعجل الخروج من صومعة صمتك ولا تبحث عن بريق الشهرة أو رضا الحشود، بل احمِ نبع صفائك الداخلي واكتب فقط عندما يفيض قلبك بالحب وتضيق الروح بالأسئلة، فالنص الذي لا يحمل عمقا ووعيا بالوجدان الإنساني هو مجرد حبر بارد لا يعيش.


٢٥/ وفي ختام هذا الحوار، ما الرسالة التي تود توجيهها إلى قرائك؟

إلى قراء الحرف ومرافقي السهر، شكراً لأنكم تمنحون كلماتي رئة إضافية للتنفس في صدوركم. رسالتي لكم هي ألا تسمحوا لضغوط الحياة وجفاف الماديات بأن تسرق منكم دهشة الروح وصفاء القلوب. ابحثوا دائما عن العمق والمعنى فيما تقرأون وفيما تعيشون، واجعلوا من القراءة خلوة دافئة وملاذا من صخب العالم. تذكروا دائما ـأن الكلمة جسر، وأننا مهما اغتربنا في دروب الواقع المعقدة، نظل نلتقي عند ذات النبع الإنساني الأصيل... دامت أرواحكم عامرة بالجمال، وممتلئة بالحب



وبهذا نصل إلى ختام حوارنا، نشكر الكاتب " توفيق الحيوني " على وقته الثمين وإجاباته القيّمة، ونتمنى له مزيدًا من النجاح والتألق في مسيرته الأدبية، وأن يظل قلمه مصدر إلهام وإبداع

إعداد الحوار : الصحفية ملك إيهاب 

إرسال تعليق

أحدث أقدم