حوار صحفي مع الكاتبة نهاد كرارة

 مجله قعدة مُبدعين 

حوار مع الكاتبة نهاد كرارة 



كانت تُمعِن النظر في كل صغيرة وكبيرة ، تدوِّن ملاحظاتها عن كل ما يدور في المحيط إلى أنْ هداها الله لتلك المَلكة التي تميِّزها عمَّن سواها ، ظلت تكتب إلى أنْ أرشدها عقلها لذاك الطريق الذي فتحت من خلاله الباب لكتاباتها كي ترى النور وهو إنشاء موقع إلكتروني تنشر عليه تلك الكتابات والنصوص التي تلمس الوجدان وتترك أثراً لا يرحل ، وقد استمرت في مسيرة النشر إلى أنْ صدرت لها عدة إصدارات ومنها ( نيسان الوجع ، مُدن الفراشات ، الدمشوري ، آخر حدود الحلم ، فصول مشتَّتة ، نقاط بشرية ، الزمن في قبضة يدي ) والتي تناولت جوانب كثيرة في شخصية الإنسان وكيف يمكنه التأقلم والتعامل مع فترات حياته المختلفة التي تنتقل بين الفرح والحزن ، الفقد والامتلاك ، اليأس والأمل وغيرها من النقائض ، كما شاركت في كتب ورقية مجمَّعة من بينها ( بوح الصُحبة ، عشوائية الياسمين) ، وهي الكاتبة " نهاد كرارة " ذات الطلَّة البهية والأسلوب الراقي والقدرة على طرح العديد من القضايا التي تخُص المجتمع وهي من مواليد محافظة الدقهلية وقد سعِدنا بها في مجلة ( قعدة مبدعين ) ، إليكم الحوار. 


1.في البداية، ما سر ولعكِ بالكتابة ؟ 

_ شغفي للكتابة بدأ منذ الطفولة، كنت أكتب يومياتي وقصصاً صغيرة لم يلتفت إليها أحد ثم أمزِّقها حتى لا يعثر عليها الكبار،  
 ثم تطور الشغف حتى وصلت للمرحلة الجامعية وشاركت بصمت وحذر في معارض شعر وقصة وكنت أكتب الشعر أكثر؛ ثم بدأت أكتب لنفسي ولا أنشر لأحد بل أخبئ كتاباتي حيث أن الكتابة لم تكُنْ شيئاً مسموحاً لدينا، 
_كنت ومازلت أشعر أن الكتابة باب سحري وعالم آخر نحيا به
إذا كانت القراءة تُدخِلنا عوالماً سحرية من الخيال فالكتابة تجعلنا نصنع عالمنا الخاص ونضيف كل ما نحب ونكره ونتجول بحُرية دون قيود ، فالكتابة حياة وشخصية تنبت تحت جلدك بحيث لا تستطيع التخلص منها . 


2.هل الكتابة مهرب من الواقع أم انعكاس له ؟
 
الاثنين معاً ، 
_ نهرب من الواقع في قصة نكتبها أو قصيدة أو قطعة ونرسم واقعاً جميلاً كما نحب فيتزوج الحبيب الحبيبة و تنبت السعادة و تنصلح البلاد والعباد ، أو نعكس الواقع بين السطور ونناقش قضاياه الشائكة والمحزنة لنصل لحلول أو اقتراحات لتحسين العالم أو على الأقل تقبُّله 
فالكتابة سحر الحياة إذا كانت بين يديك الموهبة فعليك واجب ولك سحرك الخاص .

3.هل وجدت كتاباتك الدعم الكافي في بداية الطريق أم أن الأمر قد استغرق وقتاً طويلاً ؟
 
سأتحدث عن نفسي ثم بشكل عام
عن نفسي في البدايات وجدت دعماً معنوياً من بعض الكتّاب الأكبر سناً كان مشجعاً جداً لي ومن متابعين وسائل التواصل بشكل عام ، وكان الاحتفاء بالكتاب الجديد جميلاً وحفلات توقيع متعددة وحضور جيد غير الوضع الحالي، 
وحالفني الحظ بالنشر سريعاً لأول كتاب بعد اشتراكي في كتاب مشترك مع بعض الكتّاب الآخرين ثم توالت الكتب بعد ذلك بفضل الله
أما الآن فالبشر ينتابهم الملل سريعاً فأشعر أن لا أحد يقرأ ، هم فقط يتابعون المقتطفات القصيرة ومقاطع الفيديو ويحبون الأشياء التافهة، ربما لأن الحياة أصبحت أكثر قسوةً فيهربون منها إلى تلك السفاهات. 
 بشكل عام أعتقد أن الكاتب عليه عبئاً في كل شيء ولا يجد الدعم الكافي ،
ففي عصر الكتّاب العظام قديماً كان على الكاتب مهمة واحدة فقط أنْ يكتب أما الآن فالكاتب مطالب بالكتابة والإعلان عن نفسه والمساعدة في التوزيع وترتيب الندوات والتفاعل مع الجميع، 
أصبحت مهمة شاقة جداً ومع تزايد عدد الكتاب زادت الصعوبة، 
فالكل يريد أنْ يصبح كاتباً بغض النظر عن جودة محتواه 
ممّا يضيِّع الجيد في غمار هذا الكم الهائل من العدد ، قصة الجيد سيعلن عن نفسه غير محقَّقة هنا 
فكَمْ وجدنا غثاء يتم الاحتفاء به ويسجل مبيعات مهولة، وكم من كتاب جيد لم يقرأه أحد. 


4.هل تُجيدين كتابة لون أدبي آخر بخلاف النثر؟ 

النثر أسلوب لطيف لعرض رأيك ومشاعرك لكنه ليس من أساسيات كتاباتي، كما أنني أشعر أن الكاتب الحقيقي عليه أنْ يكتب في كل الألوان الأدبية، ولو على سبيل التجربة،
  فيتفرد في لون ما لكن لديه القدرة على الكتابة في باقي الألوان ، بدأت بكتابة الشعر ثم انغمست في القصة والرواية، أول كتاب لي مجموعة قصصية تحت عنوان نيسان الوجع تحمل أوجاع الآخرين وتطرحها للساحة للنقاش  
وصدر في عام ٢٠١٥ ،
الكتاب الثاني مدن الفراشات قصائد نثرية خفيفة
 صدرت عام ٢٠١٦ ، 
الكتاب الثالث رواية الدمشوري وقد صُنِّفت رعباً لكنها ليست رعباً نهائياً هي حكايات نفسية من طبيب نفسي خلط الحالات النفسية بعالم الشياطين والأعمال وماشابه
وصدرت عام2017 ، 
الكتاب الرابع آخر حدود الحلم وهي رواية اجتماعية رومانسية واقعية تدور في عدة محاور عن العلاقات بشكل عام 
صدرت عام ٢٠١٨ ، 
_ الكتاب الخامس فصول مشتَّتة وهو أدب رسائل مقسَّم لأربعة أقسام 
يتحدث عن كل المشاعر الإنسانية فكل رسالة حالة إنسانية مختلفة
صدر عام ٢٠٢٠ ، 
الكتاب السادس مجموعة قصصية نقاط بشرية وهي تبحث في النفس البشرية وتغيُّراتها المختلفة على مرِّ الزمن وتوقعات مستقبلية لأين سيصل بنا الزمن وقد صدر عام ٢٠٢٤ ، الكتاب السابع ( رواية الزمن في قبضة يدي ) تتحدث في إطار خيالي عن بعض الظواهر الخارقة في الحياة وقد صدر عام ٢٠٢٦ .



5.ما ذائقتكِ الأدبية؟ 

ذائقتي تميل لنص يجعلني ألامس مشاعره ويلامسني ، كما أميل للأدب النفسي والوجداني، وبخاصةً النصوص التي تغوص داخل أعماق الإنسان فتطرح مشكلة وحلاً أو مشكلة وتترك للقارىء الحل ،
_أميل للأدب الذي يترك أثراً داخلياً غامضاً فيغيِّرك داخلياً دون أنْ تدري 
_أميل للكتابة والقراءة بشعور حقيقي ، فتقرأ وتشعر أنها اعترافات عميقة وأفكار خاصة في حين أنها ليست سوى خيال . 
 

6.ممَّن تفضِّلين من الكتّاب ( القُدامَى أم المعاصرين ) ؟ وهل اطَّلعتِ على أغلب كتابات اليوم وما رأيك فيها؟ 

نحن الجيل الذهبي الذي قرأ للجميع، كل وأي كتاب سقط في أيدينا قرأناه، 
فمشروع القراءة للجميع فتح لنا الباب لاقتناء كتب وروايات بأسعار تناسب الجميع، 
قرأت منذ طفولتي لأغلب الكتّاب القُدامَى كما قرأت مترجمات أيضاً، 
  وشبَبت على كتب لكتّاب معاصرين كبار ثم قرأت للأصدقاء الكتّاب بمثل عمري وحالياً أقرأ للكتاب الشباب الحاليين ، فعلى سبيل المثل ليس الحصر ولا الترتيب قرأت لأنيس منصور، نجيب محفوظ، إحسان عبدالقدوس، يوسف إدريس، يوسف السباعي، مصطفى الرافعي، 
مصطفى محمود، محمد عبد الحليم عبدالله، أحمد خالد توفيق، 
بيرم التونسي،جبران، نزار قباني، صلاح چاهين ،
غادة السمان، مي زيادة،نازك الملائكة، رضوى عاشور ، محمود درويش والكثير غيرهم.



7.هل تنزعجين من النقد أم أنه يمثِّل دافعاً لك ؟ 
النقد البنّاء هو طريق لتطوير ذاتك، لكن الأغلب حالياً يستخدمونه لتدميرك فقط ولا ينتقدون بناءً على أسس صحيحة حيث أنهم ليسوا بنقاد فعليين، 
فالأصح أنهم يطلقون آراءً شخصية ولكل شخص ذائقته فما لا يعجبك قد يروق لغيرك وهكذا، 
كما أن أسلوب النقد أو فلنقل أسلوب طرح الرأي يمنحنا قدرة على التقبُّل أو الرفض فتقديم الرأي ببساطة ومحبة يجعلك تتقبّله، 
نقطة أخرى تقبُّل النقد ليس بالضرورة معناه أنْ تغيِّر من ذاتك أو كتاباتك لأن كما قلنا لكل ذائقته لكن في كل الأحوال الكاتب الجيد في مشوار دائم بين نفسه لتطوير لذاته للأفضل . 


8.أي الروايات الأقرب إلى قلبك ، وأيها قد حقَّقت النجاح المنشود؟
 
_ أحب جميع كتبي فكل كتاب حالة مختلفة وتجربة فريدة، قصة رواية كتاب قصائد نثرية أو كتاب الرسائل كلهم كأولادي، 
رواية آخر حدود الحلم تعتبر هي الرواية التي حقَّقت نجاحاً كبيراً وأحبَّها الجميع، كتبتها في فترة طويلة جداً وبدايتها كانت مجرد قصة قصيرة لم تُنشر، ثم كتبتها كرواية.
 


9.ماذا يمثِّل لك موقع الفكر الحر وهل كان حُلماً ذات يوم أم أنكِ أنشأتِه بمَحض الصدفة من أجل نشر كتاباتكِ ونصوص الآخرين أيضاً ؟ 

لم أنشيء الفكر الحر لنشر كتاباتي الشخصية نهائياً، فلم أنشر لنفسي به في البداية بل كان الهدف الرئيسي هو تجميع جميع الكتّاب تحت مظلة واحدة، مظلة مفتوحة للجميع دون قيد ، دون تكاليف مادية أو حزازيات أو مجموعات منقسمة ، كان الموقع حلمي الكبير وشغفي لأنْ يصبح بيتاً كبيراً للكتاب وشاركني الحُلم لبعض الوقت الكاتب أحمد سعيد والكاتب محمد رضا كافي لنني كنت الأكثر شغفاً في القصة على ما يبدو وكنت أحلُم أحلاماً أكثر ممّا يتحملها الواقع المُحبِط للجميع،  
فانتشر الموقع سريعاً وعلا كنجمة ثم خبا قليلاً حالياً لكنه مستمر دوماً ويفتح ذراعيه لجميع الكتّاب دون قيد أو شرط ونستمر بالنشر عليه للكتاب بانتظام دائماً. 


10.هل تسعين وراء الشهرة أم أن الأمر خارج إطار تفكيركِ ؟ 

لم أسعَ أبداً للشهرة بل أنني كطبع وشخصية لا أحب الظهور والضوضاء والزحام، حتى في ندواتي حينما تنتهي أختفي سريعاً،لا أظهر كثيراً في ندوات عديدة فأنا شخص غير اجتماعي على عكس ما يظن الجميع، وربما سبَّب لي ذلك العديد من المشاكل فأنا لا أحب الرسائل والاتصالات والملاحقات حتى إن كانت إعجاباً،
ولا أنغمس في مجموعات ولا أتحدث كثيراً فيظنه الآخرين تعالياً لكنها شخصيتي الصامتة الخجولة ، أكتب أكثر ممّا أتحدث. 
  لكني أحب دوماً أن يقرأ كتاباتي القرّاء وهو المكسب الوحيد الذي أتمناه دوماً ، وهو المكسب الحقيقي لكل كاتب أنْ يقرأه أحد
فكل رأي عن كتاب من كتبي هو هدية أقتنيها بحرص ومحبة. 



11.هل تصل كتاباتكِ لقلوب القرّاء ؟ وكيف تتحقَّقين من ذلك ؟ 

الحمد لله بفضل الله هو الشيء الأساسي ومن سمات كتاباتي أنها تصل للقلب، الوصول الذي يُشعر القارىء بأنها حقيقية ،
اتُّهمت في بداياتي أنها كتابات شخصية وشعرت أنها تهمة لقناعاتي بأن الكاتب الذي يكتب حياته ليس بكاتب هو مجرد شخص مدوِّن يسرد قصة حياته وغالباً ما تنتهي القصة في كتاب أو اثنين، 
كانوا يقولون ذلك ربما لمدى قربها من قلوب القرّاء فكل شخص يرى نفسه أو الآخرين داخل كتاباتي فيعتقدها كتابات شخصية كنت أحزن لذلك في البداية لكني اكتشفت أن معنى ذلك أني قد اخترقت القلوب فشعروا بصدق الكلمات و أحبوها لهذا الحد، الكاتب الحقيقي تقبع كل الأشياء داخله ، تؤثر فيه وينتجها على هيئة نسيج جديد ليس له ولا للآخرين بل هو نسيج فريد يحمِل الجميع داخله، 
أما كيف فهي من الله وبفضله والحمد لله على ذلك اللهم أدم النعَم. 


12.ما النصائح التي تودِّين إسداءها للكتّاب الذين ما زالوا في بداية رحلتهم ؟

ألا يكُفوا عن القراءة وتطوير أنفسهم وألا يغتروا ويروا أنهم قد أصبحوا عظماء بل وأعظم من الجميع، 
حينها سيقفون عند نقطة ما ولن يتحركواةمنها للأعلى بل ربما يسقطون في القاع، 
وأن يجعلوا لأنفسهم أسلوباً مميزاً في الكتابة بحيث لا يتأثرون بكتابات الآخرين ولا يحاولون تقليدها أو استعارة كلمات وأفكار وأسلوب لا يخصهم بتاتاً ، 
فكتاباتك هي بطاقة هُويتك فاجعلها مميزة لا تُشبه أحداً .  


13.هل تعرضين نصوصكِ على بعض الأقربين من أجل المشورة أم أنكِ تكتفين برؤيتك الشخصية فحَسب ؟ 

اكتفي برؤيتي الشخصية، الآراء تأتي بعد النشر.



14.هل منحتكِ الكتابة بعض الجَرأة التي تفتقدينها في حياتكِ اليومية ؟ 

لا لم تمنحني ذلك، الجَرأة في الكتابة لا تصنع شخصية جريئة في الحياة، لكن التعامل اليومي مع الآخرين والحياة ومواقفها ككل تمنحك ذلك لكنها لن تغيِّر طبيعتك ككل أيضاً . 



15.بما أنك تحرصين على حضور فعاليات معرض الكتاب اخبرينا كيف وجدتيها هذا العام أكانت مُرضية بالنسبة إليكِ؟ وما التطورات التي تودِّين إضفاءها عليها إنْ كنتِ من المساهمين في تنظيم المعرض ذات يوم؟ 

معرض الكتاب هو تجمُّع رائع للكتاب ودور النشر، نذهب لنرى الأصدقاء الكتّاب والقرّاء والاحتفاء بإصداراتنا الجديدة، لكن للأسف أصبحت المغالاة في أسعار الكتب حاجزاً كبيراً للجميع ، لم نُعد نستطيع اقتناء جميع الكتب التي نرغب بها كما كنّا مسبقاً حيث نشعر بأنها أسعار سياحية للكتب ، 
أما عن التنظيم الداخلي للمعرض فهو مجهود رائع غير هين ،
ربما نريد أن يمتد شهراً بدلاً من الأسبوعين حتى يتسنى لنا جميعاً زيارته أكثر من مرة دون أنْ يخلْ ذلك بأشغالنا ومواعيد العمل،  
كما أني أتمنى وجود قوافل طبية موزَّعة في أنحاء المعرض لأنه من الوارد أن يُجهَد الزائر ويحتاج تدخلاً طبياً سريعاً .



وفي النهاية نشكر الكتابة " نهاد كرارة " على حضورها الفعال وكلماتها الثرية التي تُسهِم في نشر الوعي ونقل رؤيتها للعالم من أجل مستقبل زاهر ، متمنين لها المزيد من التألق والنجاح والسداد في كل مناحي الحياة ... 


حوار الكاتبة : خلود أيمن .

إرسال تعليق

أحدث أقدم