مَسارِحُ الدَّاخِل

 مجلة قعدة مُبدعين 



مَسارِحُ الدَّاخِل

 «حين يتحوّل الإنسان إلىٰ حربٍ لا تنتهي»

ليس كلُّ ما يُسمّى حربًا يُخاض على أرضٍ تُرى، ولا كلُّ ما يُسمّى صراعًا يُقاس بما يسقط فيه من ضحايا، فثَمَّة ميادين لا تعترف بالخرائط ولا تخضع لسلطة الجغرافيا، لكنها أوسع من العالم كلّه، وأشدّ اشتعالًا من أيّ نارٍ أُضرمت في تاريخ البشر.

  ميادين الداخل الإنساني! حيث لا تنام المعركة، ولا تُرفع راية هدنة، ولا يُعرف فيها منتصرٌ أو مهزومٌ بمعناه المادي.

في الداخل لا يسكن الإنسان نفسه، بل يسكنه ازدحامٌ منه، كأنّه ليس كائنًا واحدًا، بل جماعات متفرّقة تتنازع موقع السيطرة على روحه..

هناك يتقدّم الخوف لا كعاطفةٍ عابرة، بل كقوةٍ تُعيد تشكيل الإدراك نفسه، فتجعل الممكن مستحيلًا، والطريق إلى النجاة سرابًا بعيدًا، وفي الجهة الأخرى يقف الأمل، لا كيقينٍ ثابت، بل كوميضٍ ضعيفٍ يُصرّ على البقاء رغم العتمة، كأنّه آخر ما تبقّى من معنى الحياة.

وبين الطرفين يُسحق الإنسان لا بوصفه شاهدًا على الحرب، بل بوصفه أرضها ذاتها، تتقاطع داخله الانفعالات كما تتقاطع السيوف في معركةٍ لا نظام لها، وتنهال عليه الأسئلة كأنها قصفٌ لا يتوقف، فلا يعود قادرًا على التمييز بين ما هو حقيقي وما هو مجرد صدىً لاضطرابه الداخلي.

إن أشدّ ما في هذه الحرب أنها لا تُرى، فهي لا تترك وراءها دخانًا يدلّ عليها، ولا خرابًا يُقنع الآخرين بوجودها، قد يبدو الإنسان في غاية الهدوء، مبتسمًا، متماسكًا، بينما داخله ينهار انهيارًا لا يسمعه أحد.

 وهذه المفارقة وحدها تكفي لتجعل الوجود الإنساني نفسه سؤالًا معلقًا بين الظاهر والمستور.

ثم تأتي لحظة لا تُشبه ما قبلها، لحظة انكسار الإدراك عن وهم الهروب، يدرك الإنسان ولو متأخرًا أن ما ظنّه حربًا مع العالم لم يكن إلا صدىً لحربٍ أقدم، أعمق، وأكثر التصاقًا به: حربه مع ذاته.
 وأن العدو لم يكن خارجًا يطارده، بل داخله الذي لم يجرؤ على مواجهته.

وهنا يبدأ النوع الأصعب من الوعي؛ وعيٌ لا يمنح راحة، بل يكشف عمق التشظّي، إذ يكتشف الإنسان أنّ خلاصه لا يكمن في القضاء على هذا الداخل، بل في الإصغاء إليه، فليس المطلوب إسكات الأصوات المتنازعة بالعنف، بل فهمها بوصفها أجزاءً من تجربةٍ إنسانيةٍ واحدة، مهما بدت متناقضة.

إن الخوف ليس عدوًا يجب إعدامه، بل إشارةٌ إلى هشاشةٍ تحتاج إلى احتواء، والندم ليس لعنةً يجب محوها، بل أثرٌ لما كان يمكن أن يكون، وحتى اليأس بكل ثقله ليس نهاية، بل شكلٌ من أشكال الإنهاك حين يطول الطريق بلا معنى واضح، وهكذا تتبدّل الرؤية: من منطق الإقصاء إلى منطق الفهم.

وفي هذا التحوّل لا يعود الانتصار حدثًا حاسمًا، بل يصبح حالةً مستمرة من إعادة التوازن، فلا يغلب طرفٌ على آخر، بل يُعاد تنظيم الفوضى بحيث لا تلتهم الذات نفسها، يصبح السلام هنا ليس غيابًا للصراع بل قدرةً على العيش داخله دون أن يتحوّل إلى فناء.

وحين تهدأ هذه الحرب قليلًا، يدرك الإنسان أنه لم يكن يقاتل ليهزم أحدًا، بل ليعرف نفسه، وأن كل الانكسارات التي ظنّها سقوطًا كانت في حقيقتها طبقات من الكشف، وأن الألم لم يكن عدوًا خالصًا، بل طريقًا قاسيًا نحو وضوحٍ لم يكن ليُمنح بسهولة.

وفي النهاية لا يصل الإنسان إلى انتصارٍ نهائي؛ لأن هذه الحرب لا تنتهي، لكنه يصل إلى شيءٍ أعمق من النصر ذاته: يصل إلى لحظة فهمٍ تُعيد تعريفه لنفسه، حيث لا يعود ساحةً للقتال، بل كيانًا قادرًا على احتواء تناقضه دون أن يفنى.

وهنا فقط يبدأ السلام الحقيقي… لا كهدنة، بل كمعرفة.

بقلم: زهراء عبده.

إرسال تعليق

أحدث أقدم