مجله قعدة مُبدعين
لي مدينةٌ أسميتها "سِيلِينَا".
لا تُبنى على الخرائط، ولا تظهر في أطالس الجغرافيين. يقال إنها تولد كل ليلةٍ بين آخر دقةٍ من منتصف الليل وأول خيطٍ من الفجر، ثم تختفي قبل أن يتذكرها أحد.
شوارعها ليست من حجر، بل من رسائل قديمة مطوية بعناية، تتراص فوق بعضها حتى تصير طرقًا طويلةً تفوح منها رائحة الورق المعتق والعطور المنسية.
في "سيلينا" لا توجد ساعات. الزمن هنا يُقاس بعدد الذكريات التي تمر أمام النوافذ، وبعدد المرات التي يلتفت فيها القلب إلى الخلف رغم علمه أن الطريق لا يعود.
لي فيها ثلاثة أماكن أحبها:
محطة الساعات المتوقفة:
قاعة شاسعة تتدلى من سقفها آلاف الساعات. كل ساعة توقفت عند لحظةٍ لم يكتمل فيها شيء؛ اعتذار لم يُقل، لقاء لم يحدث، أو يدٌ أوشكت أن تمتد ثم تراجعت.
رصيف الحقائب المنسية:
تصطف عليه حقائب جلدية عتيقة تحمل أسماء أصحابها بخطوط باهتة. في كل حقيبة رحلة لم تبدأ، أو عودة تأخرت أكثر مما ينبغي.
بيت النوافذ المضاءة:
منزلٌ وحيد في طرف المدينة. كل نافذة فيه تُطل على حياةٍ أخرى كان يمكن أن نعيشها لو اتخذنا قرارًا مختلفًا ذات مساء.
وهناك، عند شرفةٍ مطلة على الضباب الفضي، التقينا.
لم يقل أحدنا شيئًا في البداية. كانت الكلمات تبدو أقل شأنًا من أن تفسر ذلك الشعور الغريب بأننا نعرف بعضنا منذ زمنٍ لم نعشه.
— هل جئت تبحث عن شيء؟
ابتسم ابتسامةً صغيرة وقال:
— بل جئت أفتش عما تركته هنا منذ أعوام.
— وهل وجدته؟
رفع بصره نحو الضباب المعلق فوق الأسطح القديمة.
— أخشى أنني وجدته متأخرًا.
ابتسمتُ ابتسامةً واهنة.
— بعض الأشياء لا يُفسدها التأخر.
— وبعضها؟
— يبقى حيًّا لأنه لم يكتمل.
ثم سكتنا.
وكانت بيننا من الكلمات غير المنطوقة ما يكفي لملء مكتباتٍ كاملة، ومن الأعمار الضائعة ما يكفي لخلق مدينةٍ أخرى.
وقف هو عند حافة الضباب.
ووقفتُ أنا عند حافة العمر.
لم يقترب.
لم أبتعد.
لكن شيئًا ما عبر المسافة بيننا بصمتٍ مهيب، واستقر في جدران "سيلينا" إلى الأبد.
ومنذ تلك الليلة، أصبحت بعض النوافذ تُضاء من تلقاء نفسها عند انتصاف الليل.
وأصبحت بعض الساعات المتوقفة ترتجف عقاربها للحظةٍ واحدة ثم تسكن من جديد.
أما رصيف الحقائب المنسية...
فيقال إن حقيبةً جديدة ظهرت عليه ذات فجر.
لم تحمل اسمًا.
بقلم : بسمة جمعة القاضي
