​تمرد شاعر.. صلاح جاهين في محكمة الشعر

 مجلة قعدة مُبدعين 


ولاء خلف تكتُب: 

"​تمرد شاعر.. صلاح جاهين في محكمة الشعر"  

شاعر السلطة أو شاعر النظام كما وصفه البعض، ولكن قبل تفاصيل جاهين وحلمه وما كان يجول في خاطره.. هل الإيمان بمشروع للصالح العام، مجرد الإيمان والحماس، يجعل الشعوب ترمق شاعراً باتهامات ليست جوهرية؟

شاعر النظام: 
​إن التدقيق في مسيرة جاهين يوضح أنه لم يكن يكتب قصائد مدح تقليدية في ذات الحاكم، بل كان يكتب لـ "العمال والفلاحين" ولـ "السد العالي"، حيث كان منحازاً بالكامل للمشروع والوطن وليس للشخص؛ فقد كتب ليعبر عن فرحة الفلاح والعامل بعودة كرامتهم في أغنية «بالأحضان» قائلاً:
​"بالأحضان يا بلادنا يا حلوة بالأحضان
في عيونك صفت الحرية والخير والامان
خطوة عمالنا وزرّاعنا.. لغد الأوطان"
​كما جسّد فكرة الملحمة الشعبية والحلم الجماعي الذي تذوب فيه الفوارق بين الطبقات من أجل بناء الوطن في أغنية «صورة»:
​"صورة.. صورة.. صورة.. كلنا كده في صورة
واحنا برضه اللي رسمنا.. واحنا برضه اللي لونّا
صورة شعب.. شق طريقه.. بين جبال"
​لقد كان بطل قصيدة جاهين دائماً هو الشعب والمشروع وحرية المواطن المطحون الذي رأى النور بعد الثورة، ولم يكن نفاقاً أو مديحاً في بلاط السلطان.
​تمرد شاعر
​فكرة التمرد لدى جاهين جاءت للارتقاء بالشعر العامي، حيث أثبت أن العامية المصرية لها رونق وعبقرية خاصة جداً، فهي قادرة على مناقشة القضايا الوجودية والفلسفية بطريقة غير مبتذلة.
​يقول صلاح جاهين:
​"خرج ابن آدم من عدم قلت ياه
رجع ابن آدم للعدم قلت ياه
زقزق صغار الطير وعاد الغنا
وعجب عجبني الموت صانع الحياه
عجبي!"
​ومن ثمَّ تمرد على الطريقة التقليدية للشعر التي كان الجمود ينتابها؛ فلم يتمرد على الكلمة فحسب، بل على القالب الموسيقي أيضاً، وهو من أوائل الشعراء الذين كتبوا «شعر التفعيلة» بالعامية المصرية الراقية.
​لقد حرر النص الشعري من القافية الموحدة وصاغه بصورة بسيطة تلامس كل فئات القراء، وفي الوقت ذاته، لم يجعل القصائد العامية ركيكة أو مبتذلة. ويقول في مثالٍ على هذا الجانب:
​"التاريخ يقدر يقول اللي يقوله
مصر بالنسبة لي مصر.. وأنا غولها
أصغر فلاح فيها.. أكبر من ملوك الأرض"
​وقال أيضاً بتمرد وخفة ظل:
​"يا باب يا مقفول إمتى الدخول
صبرت ياما والنيابة تقول
سايق عليك الخضر تفتح قوام
نوبخت قاللي: افتحوه بالفضول!
عجبي!"
​جاهين أيضاً تمرد على فكرة الشاعر الذي يعظ القارئ؛ فلم يصور نفسه إنساناً لا يخطئ، بل كتب عن قوته وضعفه وأخطائه، وتكمن شعبيته في هذا الجانب؛ إنه شاعر شارع، شبيه بالخلق، وقريب من العقول والقلوب، مثلما قال:
​"أنا اللي بالأمر المحال اغتوى
وشفت في الخيبة أمل ومنتهى
وعشت عمري أفتش عن دوا
وأنا العيان والدايرة ماليها هوا"
​تناقض صلاح جاهين
​حقيقةً؛ إن هذه الفقرة أشد إنسانية وانهزاماً، ولا أحد يدري معنى الانهزام إذا كان المهزوم شاعراً.
​كما سبق وتحدثتُ عن علاقة جاهين بالنظام؛ فمع حدوث النكسة -وهي الحدث الأعظم الذي كسر أمة بأكملها- لم يمر هذا الحدث على جاهين مرور الكرام، بل دمر عقيدته وحلمه وإيمانه ووطنه. أصيب صلاح جاهين باكتئاب حاد وانهيار، مما جعله يتوقف تماماً عن الشيء الذي ينبض فيه؛ توقف عن الكتابة تماماً وعبر عن هذا بجملته الشهيرة: «أنا اتخرست».
​ومن هنا بدأ التحول من قمة التفاؤل والطاقة والاندفاع إلى قمة اليأس؛ جاهين الذي كان يقول: «أهلاً بالمعارك»، الآن يشعر بالانهزامية والخرس الأدبي. لم يدم هذا طويلاً وعاد جاهين ولكن بطريقة أخرى؛ كتب صلاح جاهين أغاني وأفلاماً تصنع البهجة وهو في داخله انكسار وعزلة، وكان فيما سبق له رباعية عبرت عنه في وقت صمته وانعزاله، قال فيها:
​"يا للي نصحت الناس بشرب الدوا
أنا عيان والدايرة ماليها هوا
وبانصحك ما تخدش من دوايَ جِناح
لجل ما تبرى وتسترد القوى
عجبي!"
​عجبي يا جاهين!
​صلاح جاهين كان صدى لحلم الشعب المصري في الخمسينيات، وعندما انكسر جاهين كان هذا الانكسار داخل كل مواطن ضاع حلمه؛ الفلاح، والطالب، والمثقف. ولم أرَ هذا التغيير في الكتابة ذات الطابع المبهج في ذلك الوقت إلا انعكاساً لطبيعة الشخصية المصرية؛ تلك التي تصبر على الألم بالنكتة، وتواجه الأعداء بالبهجة، ولا أحد يعلم أن كل هذا بدافع انهزامي داخلي، ولكنها تنتصر بالروح المصرية التي طالما لعبت أدواراً عديدة في كل ما مر على مصر.
​صلاح جاهين مثال للشخصية الحالمة التي تعبر عنا بصورة بسيطة راقية.
​وأخيراً، أكرر: صلاح جاهين في محكمة الشعر ليس جانياً بل قاضٍ ذو روح مصرية، تنفعل وتتناقض، وتعبر عما بداخلها بالنكتة أو البهجة، أو حتى بالدخول في اكتئاب وخرس أدبي.

بقلم:  ولاء خلف

إرسال تعليق

أحدث أقدم