حوار صحفي مع الكاتبة روضة مجدي

 مجله قعدة مُبدعين 

حوار مع الكاتبة روضة مجدي 



ضمن سعي مجلتنا «قعدة مُبدعين» لفتح آفاقٍ جديدة، وتقديم كل موهبة تستحق الظهور والنهوض في عالم الأدب، وتسليط الضوء على الإبداعات الشبابية؛ نفتح لكم نافذةً مختلفة من خلال استضافتي للكاتبة ابنة البحر «روضة مجدي».
​بدأت روضة رحلتها مع الكتابة كما وصفتها بافتتانها بالقراءة والتفتيش عن شيءٍ ما بين السطور؛ فانطلقت من خواطرها البسيطة إلى كتابة "اسكريبتات" متنوعة ونصوص أدبية مختلفة ذات قيمة. ومن بلاغة تلك الكلمات، مَضت في طريقٍ اختاره قلبها لتسير فيه بسلاسة، وهي اليوم على أعتاب قصة كفاحٍ مع الحرف، بدأت بالصبر والحب، وتستكملها بالإيمان وتطوير الذات.»


س1: كيف كانت البداية؟ وكيف اكتشفتِ أن لديكِ موهبة الكتابة؟
​أؤمن أن البدايات الحقيقية لا تأتي على هيئة إعلانٍ صاخب، بل تولد همساً؛ أشبه ببذرةٍ صغيرة تُخفي في داخلها غابةً كاملة. كانت البداية منذ المرحلة الإعدادية، حين كنتُ شغوفةً بالقراءة حدَّ الافتتان؛ أتنقّل بين الكتب كأنني أبحث عن شيءٍ يخصُّني ولم أجد اسمه بعد.
في البداية، كتبتُ خواطر بسيطة، أُخفيها عن الجميع كأنها سرٌّ شخصي، ثم تطوّر الأمر إلى كتابة "الاسكريبتات" والنصوص الأدبية. وحين تشجّعتُ وشاركتُ بعضها مع أصدقائي، وجدتُ صدىً جميلاً لم أكن أتوقّعه؛ رأيتُ الكلمات تعبر إليهم وتترك أثراً، ومن هنا أدركتُ أن الكتابة ليست مجرّد هواية بالنسبة لي، بل طريقٌ طويل اخترتُ أن أمضي فيه بكلّ قلبي.


​س2: هل للواقع تأثير على الكاتب، أم أن الكاتب يبني عوالمه من الخيال؟
​ أعتقد أن الكاتب الحقيقي يقف في منطقةٍ بين الواقع والخيال؛ فلا ينعزل عن الحياة، ولا يُقيّد نفسه بها تماماً. الأمر يعتمد على لون الكتابة ذاتها؛ فثمّة من يكتب عن القضايا الاجتماعية فيكون الواقع مادته الأولى، وثمّة من يبني عوالم فانتازية، لكنه —في الحقيقة— يُخبِّئ داخلها شيئاً شديد الصلة بالإنسان. حتى الخيال نفسه لا يولد من الفراغ؛ إنّه غالباً انعكاسٌ لألمٍ أو حلمٍ أو سؤالٍ واقعيّ، لكنّه يرتدي هيئةً أخرى أكثر اتّساعاً وحرية.

​س3: ما نصائحكِ لمن يبدأ في طريق الكتابة؟
​ أقول دائماً: لا تستسلموا مبكراً، الكتابة رحلة طويلة تتطلّب صبراً وإيماناً بالنفس قبل أي شيء. لا تخشَ بداياتك المتعثّرة؛ فكلُّ كاتبٍ عظيم كان يوماً ما يحاول ترتيب فوضاه الأولى. اقرأ كثيراً، واكتب أكثر، ولا تجعل الخوف من رأي الآخرين يطفئ صوتك الداخلي. الأهم أن تعمل على نفسك باستمرار، وأن تؤمن أن التطوّر لا يحدث دفعةً واحدة، بل يأتي خطوةً بعد خطوة، حتى تجد ذاتك الكتابية التي تُشبهك حقاً.


​س4: هل على الكاتب أن يتوخّى الحذر من فكرةٍ معينة لا يجب أن يكتب عنها؟
​أرى أن الكتابة فضاءٌ للحريّة، ولا أحبّ أن أضع للكاتب أسواراً كثيرة. أنا شخصياً أحبّ المغامرة الأدبية، وأؤمن أن الكاتب لا ينبغي أن يخشى الاقتراب من الأفكار الجديدة أو المناطق غير المألوفة. لكن في الوقت نفسه، أعتقد أن المسؤولية لا تقلّ أهمية عن الجرأة؛ فالكاتب يملك أثراً، والكلمات قد تبني أو تهدم، لذلك لا أؤمن بالخوف من الفكرة، بل أؤمن بحسن توظيفها.

​س5: هل لديكِ فكرة معيّنة يتم التركيز عليها في أعمالكِ؟
 أحرص دائماً أن أترك أثراً حقيقياً في القارئ؛ أثراً يبقى بعد انتهاء النص، كجملةٍ لا تُنسى أو شعورٍ يظلّ عالقاً في القلب. أميل في كتاباتي إلى استكشاف الإنسان من الداخل: الخوف، الحريّة، الحنين، الاغتراب، الكبرياء، والحبّ بكلّ ما فيه من هشاشةٍ وقوّة. أحبّ أن تبدو كتاباتي مختلفة وتحمل بصمتي الخاصة، وأن يشعر القارئ أنّه لم يقرأ مجرد كلمات، بل مرَّ بتجربةٍ كاملة.

​س6: حدثينا عن "الكبرياء" الذي نراه واضحاً في الخواطر التي تكتبينها؟
​ أظنُّ أن ما يراه البعض كبرياءً، أراه أنا محاولةً لحماية ما تبقّى من الرُّوح. نحن لا نكتب دائماً لأننا أقوياء، بل أحياناً لأننا خُذِلنا كثيراً، فتعلّمنا كيف نُخفي هشاشتنا في هيئة شموخ. في نصوصي، لا أحبّ صورة الإنسان المنكسر تماماً؛ أحبّ ذلك القلب الذي يتألّم لكنّه ينهض، والذي ينجو من الخراب دون أن يفقد هيبته. ربما لهذا تبدو كتاباتي مُحمّلة بالكبرياء؛ لأنني أؤمن أن الإنسان قد ينكسر، لكن لا ينبغي له أن يبتذل وجعه.


س7: هل الخيال كافٍ وحده لإيصال فكرة الكاتب للقارئ؟
​أعتقد أن الخيال وحده لا يكفي؛ فالأهم هو كيف يُوظِّف الكاتب فكرته، وكيف يجعل القارئ يشعر بها لا يقرأها فقط. قد يملك الكاتب خيالاً واسعاً، لكن إن لم يستطع أن يمنح نصّه روحاً وإحساساً صادقاً، سيظلّ العمل جميلاً من الخارج وفارغاً من الداخل. بالنسبة لي، الكتابة الناجحة هي تلك التي تجعل القارئ يشعر أن النص يعرفه بطريقةٍ ما، وكأن الكلمات تمسُّ شيئاً خفياً بداخله.

​س8: هل مرّت بخاطركِ يوماً فكرة أردتِ كتابتها لكنكِ خشيتِها؟

​ لا، لأنني لا أحبّ أن أخاف من أفكاري؛ أؤمن أن الكتابة مساحة مواجهة، لا مساحة هروب. ربما أتردّد أحياناً في الطريقة التي أتناول بها الفكرة، لكنني لا أخشاها، بل على العكس؛ أكثر الأفكار التي تُرعبني هي غالباً تلك التي أشعر أن عليَّ الاقتراب منها والكتابة عنها. فالكاتب —في رأيي— لا يكتشف نفسه في المناطق الآمنة، بل حين يجرؤ على ملامسة الأسئلة المؤلمة، والمشاعر التي يخشى الآخرون النظر إليها.

​س9: هل تأثرت موهبتكِ ببعض الكُتّاب الذين تقرئين لهم؟
​بالتأكيد، القراءة كانت وما زالت جزءاً أساسياً من تكويني الأدبي. تأثّرت بكثير من الأساليب المختلفة؛ أحببت اللغة القوية عند بعض الكُتّاب، والقدرة على ملامسة المشاعر عند آخرين، والعوالم الواسعة التي يبنونها. لكنني كنت حريصة دائماً ألّا أكون نسخةً من أحد؛ أقرأ لأتعلّم لا لأتشابه، وأظنّ أن أجمل ما قد يصل إليه الكاتب هو أن يمتلك صوته الخاص وبصمته التي يعرفه الناس بها.


​س10: «أنا ابنة البحر» خاطرة قوية وملفتة.. كيف وردت بخاطركِ تلك الفكرة؟ أم أن روضة نفسها تعشق البحر؟
​أنا أحبّ البحر جداً، وربما لهذا أراه دائماً أكثر من مجرّد مكان؛ أراه مرآةً للمشاعر الإنسانية، فيه الاتّساع، والغموض، والقوّة، والهدوء الذي يُخفي في داخله عواصف كاملة. حين كتبتُ «أنا ابنة البحر»، لم أكن أتحدّث عن البحر وحده، بل عن المرأة أيضاً؛ عن الحريّة، والكبرياء، والاتّساع الداخلي، وعن تلك الأرواح التي تبدو هادئة بينما تحمل في أعماقها مدّاً كاملاً من الأسرار. كانت الخاطرة محاولةً لصناعة امرأة تشبه البحر: جميلة، عصيّة على التفسير، وواسعة بما يكفي لتُخيف وتُطمئن في الوقت نفسه.

​س11: مجموعة «الممالك الثلاث» (العبث، نوفاليس، الرمادية).. لفت انتباهي أن تلك الروايات تنتمي للفانتازيا الخيالية، هل هذا صحيح؟ حدثينا بنبذة مختصرة عنها.
​ نعم، هي أعمال تنتمي إلى الفانتازيا، لكنّها ليست منفصلة عن الواقع كما قد يبدو؛ فلكلّ مملكة روحها الخاصة وعالمها الذي يُعبّر عن جانبٍ من الإنسان. "الرمادية" تعكس شعور الاغتراب، والصراع مع الهوية، والتمرّد على القيود، لكنها تأتي في إطار فانتازي يحمل شيئاً من الرهبة والغموض. أما "العبث"، فهي أقرب لتجسيد فوضى الحياة الواقعية؛ تناقضات البشر، والمشكلات التي يمرّ بها الشباب، والأسئلة الثقيلة التي نعيشها أحياناً دون إجابات واضحة. بينما "نوفاليس" هي مملكة العشق والحريّة؛ عالمٌ يتأمّل الحبّ والقيود التي يفرضها الواقع عليه، وما يمكن أن يفعله الإنسان حين يُقاتل من أجل قلبه أو حُلمه.


​س12: ما الحلم الأدبي الكبير الذي تسعين إليه؟
​أحلم أن أترك أثراً عميقاً، لا مجرّد اسم؛ أن يقرأ أحدهم شيئاً كتبته يوماً فيشعر أن الكلمات احتوته، أو أن نصّاً ما أنقذه من شعورٍ ثقيل لم يعرف كيف يعبّر عنه. أريد أن تبقى أعمالي حيّة في ذاكرة الناس، وأن يكون لكلّ نصّ أكتبه روحٌ لا تُنسى. وأطمح أيضاً أن أصل يوماً إلى مكانة أدبية كبيرة، لكن دون أن أفقد صدقي أو صوتي الحقيقي.

​س13: هل لديكِ عمل قادم في الأفق؟
​بالتأكيد، هناك عمل روائي قادم أعمل عليه بحبٍّ وشغف كبيرين، وأتمنّى أن يخرج بالصورة التي تليق بالفكرة والمشاعر التي يحملها. أحبّ دائماً أن يكون لكلّ عمل عالمه الخاص وروحه المختلفة، لذلك أتعامل مع الكتابة كأنني أبني شيئاً سيبقى طويلاً.

​س14: ما الرسالة الأخيرة التي تودّين إيصالها للقراء من خلال قلمكِ؟
​ أودّ أن أقول للناس: لستم وحدكم. أكتب عن الخوف، والخذلان, والحبّ، والحنين، والانكسارات التي نحاول إخفاءها؛ لأنني أؤمن أن الإنسان يحتاج أحياناً إلى كلمة تُشبهه كي يشعر أنه مفهوم. أريد أن أترك في القلوب أثراً يشبه الضوء؛ أن أقول لكلّ شخصٍ متعب: ما زال في الحياة شيءٌ يستحقّ النجاة، وما زال في القلب متّسعٌ للحلم مهما أثقلته الخسارات. فالكتابة بالنسبة لي ليست كلماتٍ فقط، بل يدٌ خفيّة تربّت على الأرواح.


في النِّهاية؛ لكلِّ موهبةٍ بدايةٌ تخصُّها، وطريقٌ تسلكه لتصنع فيه بصمتها الفريدة. واليوم، في «قعدة مُبدعين»، عشنا رحلةً استثنائية مع موهبةٍ بدأت ملامحها تتجلّى في عالم الأدب بنضجٍ واختلافٍ تامين؛ موهبة تنسج من الفانتازيا والممالك الخيالية واقعاً يمسُّ الإنسان، وتستعير من كبرياء ابنة البحر هدوءه وعواصفه لتهبنا نصوصاً تحمي الروح وتربّت على الأرواح. كل التوفيق للكاتبة روضة مجدي في أعمالها القادمة، على أمل أن تظل كلماتُها دائماً يداً خفيةً تُضيء عتمة الخسارات. 

 ال​حوار الصحفية : "ولاء خلف"

إرسال تعليق

أحدث أقدم