حوار صحفي مع الكاتب سمير الخطيب

 مجله قعدة مُبدعين 

حوار مع الكاتب الدكتور سمير خطيب 



في عالم الأدب، تبقى الكلمة الصادقة قادرة على عبور الزمن وترك أثرها في النفوس، ويظل الكاتب الحقيقي هو من يحوّل تجاربه ورؤيته للحياة إلى نصوص تنبض بالفكر والإنسانية.

يسعدنا في هذا اللقاء أن نستضيف الكاتب والأديب الدكتور سمير خطيب، صاحب التجربة الأدبية المميزة التي جمعت بين عمق الفكر وصدق التعبير، والذي استطاع عبر كتاباته أن يطرح قضايا الإنسان والمجتمع برؤية خاصة وأسلوب يحمل الكثير من التأمل والوعي.

في هذا الحوار، نقترب من الدكتور سمير خطاب لنتعرف على بداياته مع الكتابة، وأبرز المحطات في مسيرته الأدبية، ومصادر إلهامه، ورؤيته للأدب والكتابة، إلى جانب العديد من التساؤلات التي تكشف جانبًا من عالمه الإبداعي وتجربته الثرية..


1. متى بدأت رحلتك مع الكتابة، وكيف اكتشفت موهبتك الأدبية؟

بدأت في المرحلة الثانوية، حين كنت أنشر في المجلة المدرسية بشيء من الحماس الساذج الذي يميز كل بداية. ثم جاءت سنوات الدراسة والغربة لتضع بيني وبين الكتابة مسافة طويلة، كأن الحياة أرادت أن تختبر صبري عليها.

عدت قبل عشر سنوات، لا بقرار مدروس، بل كمن يجد نفسه فجأة يكتب دون أن يعرف متى بدأ. قصص قصيرة، أشعار، مقالات سياسية وأدبية، رواية بعد رواية - كل ذلك دون إعلان ودون ضجيج.

أما عن الموهبة، فأنا حذر من هذه الكلمة. لا أعتقد أن الكاتب هو من يحكم على نفسه بوجود موهبة أو غيابها - هذا شأن القارئ لا الكاتب. لكن اللحظة التي أربكتني فعلاً؛ وجعلتني أقف أمام المرآة مرة أخرى، كانت حين أرسلت روايتي "عندما تنطفئ الأضواء" - التي كتبتها منذ نحو ثماني سنوات - إلى مسابقة في دار نشر، فقبلت واعتمدت. لم أكن أتوقع ذلك. وربما لم أكن أريده تماماً، لأنني اعتدت أن أكتب لنفسي أولاً. وللقارئ في مرتبة تالية إن حدث أن وجدته.

لا أسمي نفسي كاتباً ولا شاعراً. أنا هاوٍ. وفي هذه الكلمة من الحرية ما لا تجده في أي لقب آخر.


---

2. هل تؤمن بأن الكتابة موهبة أم مهارة يمكن اكتسابها بالتعلم والممارسة؟

الإجابة الصادقة: كلاهما، وكلاهما غير كافٍ وحده.

الموهبة بلا تعلم كشجرة تنمو في أرض بلا ماء - قد تعيش، لكنها لن تثمر. والمهارة بلا جذر حقيقي تنتج نصوصاً محكمة الصياغة لكنها باردة. كمن يبني جداراً بلا روح.

أعتقد أن ما يصنع الفارق الحقيقي ليس الموهبة ولا المهارة وحدهما، بل القراءة. من لا يقرأ كثيراً لن يكتب جيداً مهما امتلك من استعداد فطري. القراءة هي التي تبني اللاوعي الأدبي، وهو الذي يحكم يدك حين تكتب دون أن تدري.


---

3. ما أول عمل أدبي كتبته؟

كانت محاولات في المرحلة الثانوية، مقالات ومقاطع شعرية تفيض بحماسة الصبا وتفتقر إلى أي نضج. لكن اللحظة الفارقة كانت حين أرسلت روايتي "عندما تنطفئ الأضواء" إلى مسابقة في دار نشر فقبلت واعتمدت. لم تكن تلك نقطة وصول بقدر ما كانت نقطة تحول - أدركت بعدها أن أسلوبي تغيّر كثيراً. وأن كتاباتي أصبحت أكثر واقعية، أقرب إلى الأرض وإلى الإنسان كما هو لا كما نتمنى أن يكون.


---

4. كيف تصف أسلوبك الأدبي للقارئ الذي لم يقرأ لك من قبل؟

أكتب بالهدوء الذي يخفي قلقاً. لا أصرخ في نصوصي، لكنني لا أهادن فيها أيضاً. أميل إلى الداخل الإنساني أكثر من الحدث الخارجي - ما يدور في عقل الشخصية يشغلني أكثر مما تفعله يداها.

في الاقتصاد والترك والإيحاء. ومن تشيخوف في قصصي أثر واضح من القراءة الروسية، من دوستويفسكي في التوتر النفسي والأسئلة الكبرى التي لا تريد إجابات سهلة. وفي خلفية كل ما أكتبه فلسطين - ليس شعاراً ولا خطاباً بل هواء يتنفسه النص سواء ذكرتها أم لم أذكرها.

5.من أبرز الكتّاب الذين تأثرت بهم في مسيرتك؟
الروس أولاً وقبل الجميع. دوستويفسكي وتولستوي وتشيخوف وبوشكين — ليسوا مجرد كتّاب قرأتهم، بل طريقة في النظر إلى الإنسان. وقد أسهمت دراستي في الاتحاد السوفياتي في فتح آفاق لم أكن لأصلها بطريقة أخرى — لم أتعرف هناك على الثقافة الروسية وحدها، بل على ثقافات شعوب العالم بتنوعها الهائل، وهذا ترك أثره في طريقة قراءتي وكتابتي معاً.
ومن العربية لا يمكنني أن أتجاوز غسان كنفاني الذي علّمني أن السياسة يمكن أن تكون شعراً، والطيب صالح الذي جعل الهوية سؤالاً لا إجابة. ونجيب محفوظ الذي أثبت أن الحارة الضيقة يمكن أن تتسع لكل البشر. وإميل حبيبي صاحب السخرية المُرّة التي تضحك وتبكي في آنٍ واحد. ومحمد علي طه الذي جمع بين الفلسطيني والإنساني بحرفية نادرة. والطاهر وطار الذي حمل الجزائر في كلماته كما يحمل الجبل أصوله.

6. ما أكثر كتاب قرأته وكان له تأثير كبير في طريقة تفكيرك؟
إذا اضطررت للاختيار: "الإخوة كارامازوف". ليس لأنه رواية، بل لأنه محكمة كبرى يُحاكَم فيها الله والإنسان والإيمان والشك في آنٍ واحد. قرأته وشعرت أن دوستويفسكي كان يعرفني شخصياً.
"الجريمة والعقاب" تركت فيّ أثراً لا يمحى في فهم التناقض الإنساني. و"موسم الهجرة للشمال" للطيب صالح علّمني أن العربي يستطيع أن يكتب عالمياً دون أن يتخلى عن جذره. و"عائد إلى حيفا" لغسان كنفاني — ذلك النص القصير الذي يوجع كالرصاصة. وأضيف إليها "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل" لإميل حبيبي — رواية استثنائية تصنع من المأساة سخرية، ومن السخرية مقاومة. قرأتها وأدركت أن الضحك يمكن أن يكون فعل تحدٍ.

7.كيف تولد فكرة العمل الأدبي لديك؟
لا أصطادها، هي التي تجدني. أحياناً تكون مشهداً رأيته في الشارع — وجه عابر، تفصيل صغير في حركة يد أو نظرة عين — فيبقى معي أياماً يطلب أن يُكمَل. وأحياناً أخرى تكون قصة سمعتها من إنسان حقيقي، ربما مريض في عيادتي يحكي شيئاً عابراً لا يعتبره ذا شأن، فأجد فيه بذرة رواية كاملة. الحياة حولنا مليئة بالقصص التي لم تُكتب بعد، والكاتب في النهاية هو ذلك الشخص الذي لا يستطيع أن يمر بجانبها دون أن يتوقف.

8. كيف تعرف أن فكرة ما تستحق أن تتحول إلى عمل أدبي كامل؟
حين لا أستطيع أن أكتفي منها بمقالة أو قصيدة. حين تطلب مساحة أوسع، حين تبدأ الشخصيات تتحرك في رأسي وحدها وتقول ما لم أخطط له. الفكرة التي تستحق رواية هي تلك التي تأبى أن تُختصر.

9. هل تستمد شخصياتك من الواقع أم من الخيال؟
من الاثنين معاً، بنسب متفاوتة. أبدأ أحياناً من شخص حقيقي — ملامحه، طريقة كلامه، تناقضاته — ثم تأخذ الشخصية حياتها المستقلة وتبتعد عن أصلها حتى لا يبقى منه سوى خيط رفيع. في النهاية، الشخصية الجيدة هي التي تنسى من أين أتت.

10. كيف تختار شخصيات أعمالك وأسماءها؟
الاسم مهم عندي، ليس رمزياً بالضرورة، بل صوتياً وإيقاعياً. الاسم يجب أن يناسب الشخصية في فمي حين أقرأه بصوت عالٍ. أحياناً أغير اسم شخصية منتصف الرواية لأن اسمها القديم لم يعد يليق بها بعد أن نمت.

11. ما أكثر شخصية كتبتها وشعرت بالارتباط بها؟
بطل رواية "سبع ليالٍ وليلة". شخصية بنيتها من الداخل إلى الخارج، من سؤالها الأول إلى صمتها الأخير. لن أقول إنها أنا، لكنني لن أنكر أنها تعرف أشياء أعرفها، وتحمل أشياء أحملها.


12. ما الرسالة التي تسعى إلى إيصالها من خلال كتاباتك؟
لا أكتب لأوصل رسائل — هذا يجعل الأدب خطابة. أكتب لأطرح أسئلة. أسئلة عن الهوية والانتماء والخسارة والمقاومة بأشكالها الصغيرة اليومية. إذا خرج القارئ من نصي بسؤال يؤرقه، فهذا يكفيني.

13. ما الدور الذي يلعبه البحث والاطلاع في كتابة أعمالك؟
دور لا غنى عنه. الكتابة الجيدة ليست موهبة معزولة، هي تراكم — تراكم قراءات وتجارب وبحث. أقضي وقتاً مطولاً في القراءة التاريخية قبل أن أكتب أي نص يمس الماضي، لأن التفاصيل الدقيقة هي التي تمنح الرواية مصداقيتها — القارئ يحس حين يكذب الكاتب على التفاصيل، حتى لو عجز عن إثبات ذلك.
لكن البحث عندي لا يقف عند التاريخ. أجد نفسي مشدوداً دائماً إلى الكتب الدينية بوصفها وثائق حضارية وإنسانية لا نصوصاً عقائدية فحسب، وإلى الميثولوجيا التي أرى فيها أعمق تعبير عما يخشاه الإنسان ويحلم به. من هذا الاهتمام وُلد مشروعي البحثي الأدبي التاريخي الفلسفي عن "ليليت"، زوجة آدم الأولى في الموروث التوراتي — شخصية وقفت عند حدود الطاعة وقالت لا. بحثت في جذورها السومرية والبابلية وتحولاتها عبر الحضارات، وهي من أكثر المشاريع التي أشعر أنها تقول شيئاً يستحق أن يُقال.
تنوع نشاطاتي — طبيب أسنان، ومشارك في العمل السياسي والاجتماعي — يجعلني أطّلع على جوانب من الحياة لا يراها الكاتب المكتبي. الناس في عيادتي يحكون وأنا أسمع. في الاجتماعات السياسية تتجلى طبائع البشر بلا رتوش. الحياة نفسها بحث مستمر لمن يعرف كيف يصغي.

14. كيف تتعامل مع فترات غياب الإلهام؟
أقرأ. هذا هو جوابي الوحيد. حين لا أجد ما أكتبه، أعود إلى الكتب. الإلهام لا ينزل من السماء، ينبثق من احتكاك الأفكار ببعضها. أحياناً صفحة واحدة في كتاب جيد تفتح باباً كنت أبحث عنه أسابيع.

15. ما العادات التي تساعدك على الاستمرار في الإبداع؟
القراءة اليومية بلا استثناء — وهذا ليس كلاماً نظرياً، بل عادة راسخة لا أتنازل عنها. والكتابة دون انتظار المزاج المثالي، لأن المزاج المثالي وهم يصنعه الكسل.
لكن العادة التي أعتز بها أكثر من سواها هي تدوين الملاحظات. أحمل دفتراً أدوّن فيه الأفكار الأولية في أي لحظة وفي أي مكان — في عيادتي بين مريض ومريض، وسط اجتماع سياسي، في حافلة، على هامش يوم مزدحم. الفكرة التي لا تُكتب في اللحظة ذاتها تتبخر. والدفتر هذا هو ذاكرتي الحقيقية كما أريدها.
تنوع حياتي يُغذّي هذه العادة باستمرار. الطب والسياسة والعمل الاجتماعي ودراستي في الاتحاد السوفياتي التي فتحت لي نوافذ على ثقافات لا تُعدّ — كل ذلك يجعل دفتر ملاحظاتي لا ينام.

16. ما أصعب تحدٍ واجهته خلال مسيرتك في الكتابة؟
الثقة بالنفس. أن تكتب رواية وتضعها في الدرج لسنوات لأنك لا تجرؤ على إرسالها — هذا هو التحدي الحقيقي. ليس الكتابة، بل الجرأة على أن تقول: ها هو ما كتبته، اقرأوه.

17. هل سبق أن دفعك رأي القراء إلى تعديل أحد أعمالك؟
نعم. ليس كل رأي، لكن الملاحظة الصادقة التي تضرب على وتر حقيقي — تلك تبقى معي. القارئ أحياناً يرى ما لا يراه الكاتب لأنه يأتي إلى النص بعيون لم تكتبه.

18. ما أكثر موقف أو رسالة من قارئ تركت أثرًا في نفسك؟
حين يخبرك شخص أن نصاً كتبته قال له ما لم يستطع هو أن يقوله عن نفسه — تلك اللحظة لا تُنسى. الأدب في أحسن حالاته هو ذلك: أن يجد القارئ في كلمات غيره ما يشبه سره الأعمق.

19. ما أكثر خطأ يقع فيه الكتّاب المبتدئون من وجهة نظرك؟
الإفراط في الشرح. عدم الثقة بذكاء القارئ. الكاتب المبتدئ يخاف أن لا يُفهم، فيشرح ما يكفي أن يُلمح إليه، ويفسّر ما كان يجب أن يترك. الفراغ في النص ليس ضعفاً، هو المساحة التي يكمل فيها القارئ العمل.

20. هل ترى أن وسائل التواصل الاجتماعي ساعدت الكتّاب أم أثرت سلبًا على الأدب؟
فعلت الأمرين في آنٍ واحد. فتحت الباب أمام أصوات لم تكن لتُسمع في زمن النشر التقليدي — وهذا جيد. لكنها في الوقت ذاته ربطت الكتابة بالإعجابات والتعليقات، وهذا يشوّه الكاتب تدريجياً ويجعله يكتب لما يُصفَّق له لا لما يشعر به. الخطر الحقيقي هو أن يصبح الكاتب صانع محتوى دون أن يدري.

21. ما رأيك في انتشار الكتب الإلكترونية؟
أرحب بها كوسيلة وصول. الكتاب الورقي يظل أقرب إلى روحي — للكتاب حضور مادي لا يعوضه الشاشة — لكن المهم في النهاية أن يصل النص إلى القارئ أياً كان الوعاء.

22. ما الحلم الذي ما زلت تسعى إلى تحقيقه في مجال الكتابة؟
أن أكتب الرواية التي حين أنتهي منها أشعر أنني قلت ما أردت قوله فعلاً. ليس أحسن رواية كتبها أحد، بل الرواية التي أعجز عن كتابة سواها لأنها ستقول كل شيء.

23. إذا طُلب منك تلخيص رحلتك الأدبية في جملة واحدة، فماذا ستقول؟
كاتب يكتب لأنه لا يعرف كيف يصمت، ويصمت أحياناً لأنه لا يعرف إن كان ما يكتبه يستحق أن يُقرأ.

24. ما النصيحة التي كنت تتمنى أن تسمعها عندما بدأت الكتابة لأول مرة؟
اكتب ولا تنتظر. الكمال عدو الكتابة. والدرج الذي تضع فيه ما كتبته خوفاً من الحكم عليه هو أكثر الأماكن ظلاماً في حياة الكاتب.

25. وفي ختام هذا الحوار، ما الرسالة التي تود توجيهها إلى قرائك؟
شكراً لكم على صبركم على هاو لا يسمي نفسه كاتباً. إذا وجدتم في ما قرأتم لي شيئاً يشبهكم، فهذا ليس مصادفة — نحن نكتب في النهاية بعضنا لبعض، ونقرأ لنعرف أننا لسنا وحدنا في ما نحمله.


وفي ختام هذا الحوار، نتقدم بخالص الشكر والتقدير للدكتور سمير خطاب على هذا اللقاء الثري والممتع، الذي أتاح لنا فرصة الاقتراب من تجربته الأدبية ورؤيته للكتابة والحياة.

لقد حملت إجاباته الكثير من الصدق والعمق، وكشفت عن رحلة طويلة من القراءة والتأمل والإبداع، مؤكدة أن الأدب الحقيقي لا يقتصر على الكلمات، بل يمتد ليصبح وسيلة لفهم الإنسان والعالم من حوله.

نتمنى للدكتور سمير خطيب دوام التألق والنجاح في مشاريعه الأدبية القادمة، وأن تواصل أعماله الوصول إلى القراء وترك أثرها في نفوسهم.

حوار: الصحفية ملك إيهاب 

إرسال تعليق

أحدث أقدم