حوار مع الكاتبة مي أبو شاربين

  مجله قعده مُبدعين 

حوار صحفي مع الكاتبة مي أبو شاربين

لكل كاتب حكاية تبدأ قبل أن يكتب أول كلمة، حكاية مليئة بالشغف والتجارب التي تصنع منه صوتًا مختلفًا. الكاتبة "مي أبو شاربين" واحدة من تلك الأصوات التي نجحت في الوصول إلى القارئ بصدق وعمق. في هذا اللقاء الخاص، نتوقف معها عند محطات مهمة من مسيرتها الأدبية، ونسلط الضوء على رؤيتها للكتابة والإبداع. 


مرحبا بك في مجله "قعده مُبدعين" يسعدنا ويشرفنا أن نلتقي بهذه الموهبه العظيمه في مجلتنا:


1_لنبدأ بالتعرف علي بداياتك، هل يمكنك أن تخبرنا قليلا عن نفسك؟


أولًا، أتوجه بجزيل الشكر والامتنان لمجلة "قعدة مُبدعين" على هذا الاهتمام الجميل، وعلى احتضانها للمواهب والأقلام الشابة، وإتاحة هذه المساحة الأدبية الراقية للتعبير والإبداع.

أنا الكاتبة مي أبو شاربين، من فلسطين، من غزه تحديداً. 

عمري : ٣٨

الدراسة : بكالوريوس في اللغة العربية وأساليب تدريسها


2_ما السبب الذي دفعِك إلى الكتابة؟


كان الدافع الأول للكتابة نابعًا من طبيعتي الشخصية؛ فأنا أميل إلى الانطواء والوحدة، ولا أجيد دائمًا التعبير عن مشاعري بالكلام المباشر، فوجدت في الكتابة مساحة آمنة للتفريغ والبوح، ووسيلة أعبّر بها عن ما لا أستطيع قوله شفهيًا.

في البداية، كانت الكتابة مجرد ملجأ داخلي أهرب إليه من صمت المشاعر، وفضاء أرتّب فيه ما بداخلي من أفكار وأحاسيس.

لكن مع ما مررتُ به لاحقًا من فقدٍ قاسٍ لعائلتي خلال الحرب على غزة، ازداد انعزالي وتقوقعِي على ذاتي، وهنا تحوّلت الكتابة من مجرد وسيلة تعبير إلى وسيلة نجاة حقيقية؛ أنقذتني من الانهيار، ومنحتني سببًا للاستمرار، وجعلتني أُعيد تشكيل وجعي على هيئة كلمات يمكن احتمالها.



3_متى كانت بدايتكِ مع الكتابة؟ وكيف اكتشفتِ شغفك بها؟


كانت بدايتي مع الكتابة منذ الصف الخامس الابتدائي ، حين لفتتني مواضيع التعبير المدرسية، وكنت أحصل فيها على أعلى الدرجات من حيث التعبير والخط، وهو ما كان يمنحني دافعًا للاستمرار دون أن أدرك حينها أنه شغف حقيقي.

ومع الصف السادس بدأت أكتب خواطر صغيرة بسيطة، ثم تطور الأمر تدريجيًا إلى كتابة مقالات، بل وكنت أعدّ نصوص الإذاعة المدرسية بنفسي، وإن كان غيري يتولى إلقاءها.

في المرحلة الثانوية، كنت قد كتبت مئات النصوص، وكنت كلما كتبت شعرت أن بداخلي المزيد الذي لم يُقل بعد، فبدأت أولى محاولاتي الروائية في تلك الفترة.

ومع المرحلة الجامعية، بدأت ملامح هذا الشغف تتبلور بشكل أوضح؛ إذ درستُ اللغة العربية وأساليب تدريسها، وانفتحت مداركي بشكل أكبر، واتجهت لفترة إلى كتابة الشعر، وشاركت في صالون طوقان الأدبي، كما حضرت العديد من اللقاءات الشعرية والأدبية، وسجلت في دورات خارجية لتعزيز حصيلتي العلمية والأدبية.

كنت أقرأ كثيرًا وأكتب أكثر، وكأن الكتابة أصبحت جزءًا لا ينفصل عني، حتى وصلتُ تدريجيًا إلى ما أنا عليه اليوم من تجربة أدبية أكثر نضجًا ووعيًا.


4_ما أبرز إنجازاتك؟ 


أبرز أعمالي وإنجازاتي الأدبية تتنوع بين الرواية والنصوص، وجاءت كالتالي:


# رواية يتيم حتى نلتقي

وهي أول رواية لي، تدور في إطار من الحب والفقد غير المتوقع، وتمتزج فيها مشاعر الصبر والأمل باللقاء رغم الألم. وقد صدرت عن دار الأحمد للنشر والتوزيع في مصر.


# كتاب زاجل قهوة

مجموعة نصوص أدبية تنقسم بين صوتين؛ جزء منها على لسان رجل موجّه إلى أنثاه، وجزء آخر من أنثى إلى رجل، في شكل وجداني حواري يعكس تبادل المشاعر.


# رواية قطرة في نهر زرنوق

رواية من جزئين، وقّعت عقدها مع دار ناشرون وموزعون ضمن مبادرة "غزة تبدع"، وتتناول الحرب بكل تفاصيلها من فقد ووداع ونزوح وقصف، إلى جانب حضور الأمل رغم الألم.


# كتاب ريحانتي

مجموعة نصوص دافئة كُتبت بروح وجدانية صادقة، وقد صدرت عن دار الأحمد للنشر والتوزيع.


# رواية همسات بين أطياف الزمرد

رواية تتناول رحلة خيالية/علاجية، تعيش فيها البطلة تجربة السفر عبر خيالها ورؤية أطياف من فقدتهم، في إطار من الأمل والتصالح مع الألم، وهي ما تزال قيد الكتابة.


# كتاب عندما تبكي النوارس

مجموعة نصوص عن الفقد والوجع والخذلان، موجهة كمساحة مواساة لكل قلبٍ حزين.


# كتاب خذني إلى حيث لا ينتهي المطر

مجموعة نصوص وجدانية دافئة كُتبت بلغة المشاعر، وما يزال قيد الكتابة.


# كتاب تحت قناديل الياسمين

عمل يجمع مقتطفات ونصوصًا من كتابات أختي الراحلة ياسمين (صفية)، في محاولة لحفظ صوتها الأدبي وتخليده بين السطور.


# رواية حنين العنقاء

وهي رواية ذات طابع خاص ومختلف، بدأت كتابتها أختي الراحلة ولم تُكمل تفاصيلها، فقمتُ بإعادة بنائها واستكمالها بروحٍ تحفظ أثرها الأول، وتُكمل ما بدأته هي. تمثل هذه الرواية بالنسبة لي تجربة إنسانية عميقة، تمتزج فيها الكتابة بالوفاء والذاكرة، وكأنها محاولة لإبقاء صوتها حيًّا بين السطور.



5_ما هي رسالتك التي تريدين أن توصلها من خلال أعمالك الأدبية؟


رسالتي من خلال أعمالي الأدبية تقوم على فكرة أساسية مفادها أن الأمل لا يغيب حتى في أكثر اللحظات قسوة. فمهما اشتدّ الوجع، يبقى هناك نور، ومهما حضر الدمار، تولد من بينه حياة جديدة، ومهما كان الفقد حاضرًا، يبقى هناك معنى للخير، ومهما بدا الفراق قاسيًا، يظل هناك احتمال للالتقاء بشكل أو بآخر.

أؤمن أن الكتابة يجب أن تحمل بصيص أمل، حتى وهي تتحدث عن الألم، لأن الإنسان بحاجة إلى ما يخفف عنه لا ما يثقل روحه فقط.

كما أحرص في كتاباتي على أن تكون قريبة من القلب وبسيطة في لغتها، بحيث تصل إلى القارئ دون تكلف، ويشعر وكأن هذه الكلمات تعبّر عنه هو، وكأنها لسان حاله عندما يعجز عن التعبير.

فأعمالي في جوهرها هي محاولة لمنح صوتٍ لمن لا يستطيع أن يتكلم، ومساحة شعورية لكل من يمر بتجربة مشابهة.


6_أي كتاب من كُتبك الأقرب إلى قلبك؟ ولماذا؟ 


من الصعب عليّ أن أختار عملًا واحدًا يكون الأقرب إلى قلبي، فكل عمل كتبتُه يحمل تجربة ومشاعر مرتبطة بمرحلة مختلفة من حياتي، وكأنه انعكاس لحالة شعورية عشتها في وقتها.

لكن يظل كتاب ريحانتي ذا خصوصية مختلفة بالنسبة لي؛ فقد ظلّ حاضرًا في ذهني لفترة طويلة قبل أن أبدأ بكتابته، وكنت أحاول دائمًا أن أرتّب أفكاري ومشاعري تجاهه بهدوء حتى يخرج بالشكل الذي يليق به.

وكانت تجربته الأصعب من ناحية التنفيذ، لأنه كُتب بالكامل على لسان رجل يوجّه مشاعره إلى أنثاه، مما تطلّب مني أن أعيش الحالة الشعورية من منظور مختلف، وأن أتنقّل بين الإحساس والتعبير بطريقة دقيقة وصادقة في الوقت نفسه.


7_هل كان لديك نماذج أو قدوة من الكتاب الذين ألهموك في بداية مشوارك؟ وكيف أثروا في أسلوبك الكتابي؟

بشكل عام، أنا قارئة شغوفة جدًا، أقرأ كل ما يقع بين يدي دون تصنيف صارم، لكنني أميل أكثر إلى الأعمال الرومانسية العاطفية، و ذات الطابع الحزين، لأنها الأقرب إلى إحساسي الداخلي وطريقتي في التلقي.

ومنذ بداياتي، كان هناك عدد من الأسماء التي تركت أثرًا واضحًا في ذائقتي الأدبية وفي تكويني الكتابي، مثل الشاعر فاروق جويدة، وأحلام مستغانمي، وأحمد آل حمدان، وحنان لاشين، وإيمان الناطور، إضافة إلى فهد العودة، ومحمد السالم، وأيمن العتوم.

هؤلاء الكتّاب، رغم اختلاف أساليبهم، اشتركوا في قدرتهم على لمس المشاعر بعمق، وصناعة لغة مشحونة بالإحساس والصور الأدبية، وهذا ما انعكس عليّ بشكل غير مباشر؛ إذ ساعدوني على تكوين حسّ أدبي يميل إلى العاطفة، ويهتم بالتفاصيل الشعورية، ويبحث عن الجمال في الألم والحنين، دون أن يكون هناك تقليد مباشر، بل تأثير في الروح والأسلوب العام للكتابة.

8_ما هي أهتمامتك غير الكتابة؟

إلى جانب الكتابة، لديّ اهتمامات متعددة ترتبط بالذائقة الجمالية والهدوء الداخلي. في مقدمتها القراءة واقتناء الكتب، فهي مساحة دائمة للتغذية الفكرية والإلهام. كما أحب التصوير، لما فيه من قدرة على التقاط اللحظة وتخليدها بصريًا.

وأهتم أيضًا بالخط العربي، خصوصًا خطوط النسخ والرقعة والديواني، لما تحمله من جماليات روحية وتفاصيل دقيقة.

كما أميل إلى الأعمال اليدوية التي تتطلب صبرًا وهدوءًا، مثل التطريز وتصميم أوراق الجورنال، إضافة إلى صناعة الشموع وتركيب العطور، وهي أمور تمنحني مساحة من الراحة والتعبير بعيدًا عن النصوص المكتوبة.

9_متى اكتشفتِ أن الكتابة ليست مجرد هواية بل شغف حقيقي لديكِ؟ 

اكتشفتُ أن الكتابة ليست مجرد هواية في مرحلة متقدمة من تجربتي معها، حين بدأت أشعر أنها لم تعد مجرد فعل أقوم به في أوقات الفراغ، بل أصبحت حاجة داخلية لا أستطيع تجاوزها.

في البداية كانت الكتابة وسيلة للتعبير والتفريغ، لكنها مع الوقت تحولت إلى جزء أساسي من تكويني، وإلى مساحة أعود إليها في كل حالة شعورية أمرّ بها، سواء فرحًا أو حزنًا أو حيرجة. كما كانت بالنسبة لي وسيلة نجاة في كل موقف مررتُ به، وعالمًا موازيًا أعيش فيه حين يضيق الواقع، فأجد فيها ما يمنحني توازنًا وهدوءًا لا أجده في أي مكان آخر.

وأظن أن اللحظة الفاصلة كانت عندما وجدت أنني لا أكتب لأنني أريد فقط، بل لأنني لا أستطيع ألا أكتب؛ عندها أدركت أن الأمر لم يعد هواية، بل شغفًا حقيقيًا وجزءًا من هويتي.


10_من وجهة نظرك: هل الأدب قادر على تغيير المجتمع أم أنه مجرد انعكاس له؟

ليس هناك جواب واحد حاسم لهذا السؤال، لأن الأدب يقف بطبيعته في منطقةٍ رمادية بين “المرآة” و“المحرّك”.

الأدب في جوهره انعكاسٌ للمجتمع؛ يلتقط ما فيه من قلقٍ، ظلمٍ، حبٍّ، تحوّلاتٍ، ويعيد صياغته بلغةٍ جمالية. الكاتب لا يخلق واقعًا من فراغ، بل يستمدّ مادته الخام من الحياة نفسها: من الشارع، من العلاقات، من الخسارات الصغيرة التي لا يلتفت لها أحد. بهذا المعنى، الأدب شهادةٌ إنسانية على زمنه، وذاكرةٌ تحفظ ما قد يضيع في صخب اليومي.

لكن في الوقت نفسه، الأدب ليس انعكاسًا سلبيًا أو محايدًا. هو انعكاس واعٍ ومشحون بالرؤية؛ وهنا يتحول من مرآة إلى قوة اقتراح. حين يكتب كاتب عن الظلم، لا يصفه فقط، بل يفضحه. وحين يكتب عن الحب، لا يكرره كما هو، بل يقدّمه كاحتمالٍ أرقى مما يعيشه الناس. ومع الوقت، هذه “الاحتمالات المكتوبة” تبدأ بالتسرّب إلى الوعي الجمعي.

ولهذا تغيّر بعض النصوص العالم بالفعل، ليس بشكل مباشر وسريع، بل عبر التراكم: فكرة تُزرع، إحساس يُعاد تعريفه، ووعي يُعاد تشكيله. كثير من التحوّلات الأخلاقية والاجتماعية بدأت أولًا كجملة في كتاب، أو شخصية روائية كسرت نمطًا سائدًا.

لكن من المهم أيضًا عدم المبالغة: الأدب وحده لا يغيّر المجتمع. لأنه لا يملك سلطة التنفيذ، بل سلطة الإيحاء. الذي يغيّر فعليًا هو تفاعل الأدب مع التعليم، والسياسة، والوعي الجمعي، والظروف التاريخية.

يمكن تلخيص العلاقة هكذا: الأدب يبدأ كمرآة…

ثم يصبح سؤالًا…

ثم يتحول أحيانًا إلى شرارة.

وفي لحظاته الأجمل، لا يكتفي بأن يعكس العالم كما هو، بل يلمّح بهدوء إلى كيف كان يمكن أن يكون.


11_ما هي أكبر التحديات التي واجهتها أثناء كتابة كتبتك؟

من أكبر التحديات التي واجهتني في رحلتي مع الكتابة كانت التحديات النفسية المرتبطة بما مررتُ به من فقدٍ وألمٍ كبيرين، خاصة خلال الحرب على غزة. في بعض اللحظات لم يكن التحدي في الكتابة نفسها، بل في القدرة على الاستمرار رغم الانكسار الداخلي، ومحاولة تحويل الألم إلى كلمات دون أن أفقد توازني. ومع ذلك، كانت الكتابة هي ما أنقذني في النهاية، وكانت مساحة أتنفس فيها عندما يضيق كل شيء حولي.

كما واجهتُ تحديًا آخر لا يقل أثرًا، يتمثل في طبيعة شخصيتي كفتاة تميل إلى الهدوء والانطواء في مجتمع شرقي، ما جعل التعبير عن بعض الجوانب، خصوصًا الصوتية أو الظهور العلني، أمرًا يحمل قدرًا من الخجل والتردد في البداية. لكن مع الوقت، بدأت أتعلم كيف أوازن بين هذا الخجل وبين ضرورة مشاركة صوتي وأفكاري مع الآخرين، ولو تدريجيًا، عبر الكتابة أولًا، ثم عبر الحضور الأدبي بشكل أوسع.


12_هل تعتقدِ أن الكتابة تحتاج إلى الكثير من المعاناة والصراع الداخلي لخلق شيء مميز، أم أن الإبداع يمكن أن يكون نتيجة لحظات عفوية؟

أعتقد أن الكتابة تولد من الأمرين معًا؛ من المعاناة العميقة، ومن اللحظات العفوية الصغيرة التي تباغتنا دون موعد.

أحيانًا تعصف بنا الكلمات فجأة، فنجد أنفسنا نكتب أثناء الطبخ، أو في السيارة، أو حتى ونحن نسير في الشارع. وكأن الفكرة لا تنتظر الوقت المناسب، بل تفرض حضورها علينا في أكثر اللحظات عادية.

وفي المقابل، هناك نصوص تُولد من صراع داخلي طويل، من وجعٍ أو فقدٍ أو حالة نحاول النجاة منها بالكلمات. لذلك أرى أن الإبداع ليس مرتبطًا بالألم وحده، لكنه بالتأكيد يتأثر بكل ما نعيشه ونشعر به.

أحيانًا تكون الكتابة سلسة جدًا، تنساب كأنها تعرف طريقها وحدها، وأحيانًا تكون شاقة ومتعبة، خاصة عندما يغادرنا الإلهام. وهذا ما عانيته فعلًا في بداية الحرب؛ ساءت الظروف، وانقطعت الكهرباء، وجاء النزوح وظروف الفقد الثقيلة، وكل ذلك أخذ مني جزءًا كبيرًا من قدرتي على الكتابة والتركيز.

في تلك الفترة، كنت أبحث عن أي مساحة صغيرة أستطيع أن أجد فيها نفسي من جديد؛ أخرج أحيانًا إلى أماكن تتوفر فيها الكهرباء، أو أجلس في مقهى منعزل قليلًا، فقط لأستعيد هدوئي وأكتب.

كنت أشعر أن الكتابة ليست مجرد هواية بالنسبة لي، بل محاولة دائمة للتماسك، وطريقة أقاوم بها كل هذا الضجيج والفقد.

وربما لهذا السبب تحديدًا أؤمن أن النصوص الصادقة لا تأتي من مصدر واحد، بل من الحياة كلها؛ من الألم، ومن الحب، ومن اللحظات العابرة، ومن الأشياء التي تكسرنا… ثم تجعلنا نكتب.


13_ هل تفضلِ الكتابة الورقية أم النشر الإلكتروني؟ ولماذا؟

أُفضّل الكتابة الورقية كثيرًا، وربما لأن علاقتي مع الكتب بدأت كقارئة عاشقة للورق قبل أن أكون كاتبة.

حتى عندما أقرأ كتابًا إلكترونيًا ويعجبني جدًا، أشعر برغبة حقيقية في اقتنائه ورقيًا عند أول فرصة، وكأن النسخة الورقية تمنح الحكاية روحًا مختلفة وحضورًا أعمق.

أحب ملمس الورق، ورائحة الكتب، وفكرة أن تضع علاماتك بين الصفحات، وأن يعود بك كتابٌ قديم إلى شعور عشته يومًا. بالنسبة لي، الكتاب الورقي ليس مجرد كلمات مطبوعة، بل ذاكرة كاملة يمكن لمسها والاحتفاظ بها.

ورغم أن النشر الإلكتروني ينتشر بصورة أوسع، ويصل إلى أماكن قد لا تصلها الكتب الورقية، وأقدّر جدًا هذه الميزة، خاصة في زمن أصبحت فيه المسافات والظروف تعيق وصول الكتب أحيانًا، إلا أنني ما زلت أميل للورقي أكثر.

أشعر أن للكتاب الورقي دفئًا خاصًا، وكأن العلاقة بين القارئ والكتاب تصبح أكثر قربًا وحميمية. وربما لهذا السبب يبقى حلم أي كاتب بالنسبة لي جميلًا حين يرى كتابه مطبوعًا، يُحمل باليد، وتُقلّب صفحاته، ويترك أثره على رفوف القرّاء وقلوبهم معًا.


14_كيف ترى علاقة الكاتب بالقراء؟ هل تكتب بما يتوافق مع توقعات الجمهور، أم أن الكتابة هي انعكاس لروحك الداخلية فقط؟

أرى أن العلاقة بين الكاتب والقارئ يجب أن تكون علاقة متينة وصادقة، لأن الكاتب في النهاية لا يكتب في فراغ، بل يكتب ليصل شعورٌ ما إلى قلب شخص آخر.

وأنا، كقارئة قبل أن أكون كاتبة، أعرف جيدًا ما الذي يمكن أن يلامس الإنسان ويبقى معه، رغم اختلاف أذواق القراءة من شخص لآخر.

لكن في الوقت نفسه، ما أكتبه هو انعكاس حقيقي لروحي وشخصيتي.

أنا أميل إلى الجانب الهادئ واللطيف في الكتابة، أحب الرومنسية والمشاعر الدافئة، وأحب أن أزرع الأمل داخل النص حتى لو كان مليئًا بالحزن أو الفقد أو الوجع.

لا أحب النهايات الحزينة، لأنني أؤمن أن الحياة تُتعب الإنسان بما يكفي، لذلك أحاول دائمًا — بقدر استطاعتي — أن أترك في نهاية ما أكتبه لمسة دفء، أو نافذة أمل، أو شعورًا خفيفًا يجعل القارئ يبتسم رغم كل شيء.

أعتقد أن أجمل علاقة يمكن أن تحدث بين الكاتب والقارئ، هي أن يجد القارئ نفسه داخل الكلمات، بينما يشعر الكاتب أن جزءًا من روحه قد وصل فعلًا.


15_من الشخص الذي دعمك لتسير في هذا الطريق؟

في الحقيقة، لم يكن هذا الطريق معبّدًا لي وحدي أبدًا.

أمي — رحمها الله — وأخواتي كنَّ البداية الأولى لكل شيء، كنَّ يحتفين بكل نص أكتبه وكأنه إنجاز عظيم، ويمنحنني شعورًا بأن كلماتي تستحق أن تُسمَع. أعتقد أن ذلك الاحتفاء الصغير كان يصنع داخلي ثقة كبيرة دون أن أشعر.

ثم جاءت صديقاتي ليُكملن المسيرة معي، بالدعم والتشجيع والإيمان الدائم بما أكتب، حتى في اللحظات التي كنت أشك فيها بنفسي.

كما أن لمعلميَّ في المدرسة فضلًا كبيرًا، فقد كانوا من أوائل الذين انتبهوا إلى موهبتي وشجعوني على الاستمرار والكتابة بثقة أكبر.

أما أولادي، فكان لهم طريقتهم الخاصة واللطيفة في دعمي؛ كانوا يعرفون أن لحظة الكتابة بالنسبة لي حالة مختلفة، حتى إنهم كانوا يقولون ضاحكين: “ماما في حالة طوارئ… ممنوع الاقتراب.”

وكان ذلك يشعرني بحبٍ عميق واحتواء جميل لتلك المساحة التي أعيش فيها مع كلماتي.

وهناك دائمًا قلوب خفية، لا تظهر كثيرًا، لكنها كانت تساندني بصمت، وتشدّ على يدي كلما تعبت. وقلوب آمنت بما أكتب، وكانت تنتظر مني المزيد، وهذا بحد ذاته كان دافعًا يجعلني أتمسك بالكلمة أكثر.

وأظن أن الإنسان لا يصل وحده أبدًا، بل بالمحبة التي تُحيط به دون ضجيج.


16_هل أنتِ راضٍ عن ما وصلتِ له؟

إلى حدٍّ كبير نعم، لأن كل خطوة وصلتُ إليها كانت نتيجة تعبٍ وشغفٍ حقيقيَّين، ولأن الكتابة بالنسبة لي لم تكن يومًا مجرد هواية، بل مساحة نجاة وصوتًا أعبّر به عن نفسي وما أشعر به.

لكنني في الوقت نفسه أؤمن أن الكاتب لا يصل إلى مرحلة يكتفي فيها تمامًا؛ فكل إنجاز يفتح بابًا لحلمٍ جديد، وأنا دائمًا أحاول تطوير نفسي وأسلوب كتابتي. وأؤمن أيضًا أن أجمل رواياتي ونصوصي لم تُكتب بعد، وأن القادم يحمل نسخة أكثر نضجًا وصدقًا مني ككاتبة وإنسانة.


17_ماذا يمثل لكِ وجود كتبك في معرض القاهرة الدولي للكتاب؟

وجود كتبي في معرض القاهرة الدولي للكتاب ليس مجرد مشاركة أدبية بالنسبة لي، بل شعور يشبه أن ترى جزءًا من روحك يسير بين الناس ويحمل اسمك.

هو لحظة انتصار صغيرة لكل الليالي التي كتبتُ فيها بصمت، ولكل مرة احتميتُ فيها بالكلمات من العالم.

وأشعر أن وجود رواياتي هناك يُمثّل شيئًا كبيرًا بالنسبة لي، خاصةً في ظلّ ما تمرّ به غزة من ظروف قاسية ومتقوقعة جعلت الحياة تبدو أضيق من الأحلام أحيانًا. لذلك أرى في وصول كتبي إلى المعرض نافذةً تُفتح نحو العالم، وكأن الكلمات استطاعت أن تعبر كل الحدود والعتمة لتقول إننا ما زلنا هنا… نكتب، ونحلم، ونترك أثرًا يشبهنا.

كما أن معرض القاهرة يحمل مكانة خاصة لأي كاتب عربي، لأنه مساحة تلتقي فيها الكتب بالأحلام، والكتّاب بالقرّاء، والوجع بالأثر الذي يتركه الأدب.

وأعتقد أن أجمل ما في الأمر، أن شخصًا لا أعرفه ربما يلتقط روايتي من بين آلاف الكتب… ثم يجد نفسه داخل سطرٍ كتبته يومًا وأنا أحاول النجاة بالكلمات.


18_كيف تتعامل مع النقد؟ وهل له تأثير في تطوير أسلوبك الكتابي؟

أحب النقد جدًا، وأراه جزءًا مهمًا وأساسيًا من تطور أي كاتب.

فبمجرد انتهائي من أي عمل، أحب أن أعرضه على قرّاء مقرّبين مني، وعلى صديقاتي، وأسألهم دائمًا: ماذا شعرتم أثناء القراءة؟ ما الذي وصل إليكم؟ وما الذي كان ينقص النص؟

كما أحب أن أستمع لآراء المختصين أيضًا، لأنني أؤمن أن الكاتب لا يتوقف عن التعلّم أبدًا. وأكثر ما يهمني في النقد هو أن أعرف جوانب الضعف قبل القوة، لأن معرفة ما يحتاج إلى تطوير هو ما يساعدني فعلًا على تحسين أسلوبي والاقتراب أكثر من القارئ.

أنا لا أبحث فقط عن الإعجاب بالنص، بل أبحث عن الإحساس الذي يتركه. هل لمس القلوب؟ هل بدا صادقًا؟ هل وصل الشعور كما أردته؟

ولهذا أعتبر النقد الصادق هدية حقيقية، لأنه يجعلني أكتب بوعي أكبر، ويمنحني فرصة لأن أرى عملي من عيون مختلفة، لا من زاويتي وحدي.


19_كيف تري مستقبل الأدب العربي في عصر التكنولوجيا ووسائل التواصل الأجتماعي؟

أرى أن مستقبل الأدب العربي في عصر التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي يحمل جانبين في الوقت نفسه: تحدٍّ وفرصة.

من جهة، تغيّرت طريقة تلقّي النصوص كثيرًا؛ السرعة أصبحت أعلى، والانتباه أقصر، والمحتوى يتزاحم أمام القارئ بشكل كبير، وهذا قد يجعل النص الأدبي العميق يحتاج جهدًا أكبر ليصل ويحافظ على مكانه.

لكن في المقابل، هذه الوسائل فتحت أبوابًا لم تكن موجودة من قبل. أصبح بإمكان الكاتب أن يصل إلى قرّاء من مختلف الدول بسهولة، وأن ينشر نصوصه ويجرب صوته الأدبي دون انتظار طويل أو قيود تقليدية، وهذا بحد ذاته فرصة كبيرة جدًا للأدب العربي للانتشار والتجدد.

أعتقد أن الأدب لن يختفي، بل سيتحوّل في طريقة حضوره، وسيبقى النص الصادق هو الذي يثبت نفسه مهما تغيّرت الوسائط. فالقارئ الحقيقي ما زال يبحث عن الشعور، عن الفكرة، عن النص الذي يلمسه من الداخل، وليس فقط عن الشكل السريع للمحتوى.

لذلك أنا متفائلة، لأن التكنولوجيا رغم سرعتها، منحت الكلمة مساحة أوسع لتصل، وما زال الأدب قادرًا أن يجد طريقه إذا كان صادقًا وعميقًا ويشبه الإنسان.


20_ رسالتك لكل شخص يمتلك هذه الموهبة أو موهبة أخرى؟

رسالتي لكل من يمتلك موهبة، سواء كانت في الكتابة أو أي مجال آخر، أن لا يستهين بما يحمله داخله. الموهبة تبدأ دائمًا صغيرة، خجولة، وقد يشوبها الكثير من الشك، لكنها تكبر حين تُروى بالإصرار والتجربة، لا بالكمال.

لا تنتظر الظروف المثالية لتبدأ، ولا تجعل الخوف من النقد أو الفشل يوقفك. فكل تجربة، حتى غير المكتملة، هي خطوة في طريق التعلّم.

والأهم أن تكون صادقًا مع نفسك فيما تقدّمه؛ لا تحاول أن تُرضي الجميع، بل أن تُعبّر عنك أنت أولًا، لأن الصدق هو ما يصل في النهاية إلى الناس ويترك أثره الحقيقي.

قد تتأخر النتائج، وقد تشعر أحيانًا أنك تمشي وحدك، لكن هناك دائمًا من يراك ويؤمن بك بصمت، حتى لو لم تسمع صوته.

تمسّك بما تحب، وامنحه وقتك، ودعه ينمو على مهل… فكل موهبة تُصان بالاستمرار تصبح يومًا ما أثرًا لا يُنسى.


21_ما رأيك في المجله؟ 

أرى أن المجلة قدّمت الحوار بطريقة جميلة ودافئة، وكانت الأسئلة قريبة مني ككاتبة وإنسانة، وهذا ما جعل الحوار صادقًا وعفويًا أكثر، بعيدًا عن الأسئلة التقليدية الجامدة.

شعرت أثناء الحوار أنني لا أجيب فقط عن أسئلة، بل أتحدث عن جزء يشبهني، وعن علاقتي بالكتابة والمشاعر والتفاصيل التي أعيشها مع الكلمات.

كما أحببت أن الحوار منحني مساحة حقيقية للتعبير عن نفسي بحرية وصدق، وهذا ما يجعل أي لقاء أدبي أقرب إلى القلب وأكثر أثرًا.

وأعتقد أن من أجمل ما تحمله المجلة أيضًا هو رسالتها في إلقاء الضوء على الكتّاب الجدد والمبدعين، ومنحهم مساحة ليُسمَع صوتهم ويصل للناس، وهذا بحد ذاته شيء جميل ومهم، لأن أي موهبة تحتاج دائمًا إلى من يؤمن بها ويمنحها فرصة للظهور.


في النهاية، نكون قد استعرضنا بعضًا من أبعاد الكتابة الإبداعية وتعرفنا على رؤية الكاتبة العميقة والمميزة لهذه العملية الرائعة. كانت هذه الجلسة بمثابة رحلة مليئة بالإلهام والتأمل، حيث أضاءت الكاتبة أمامنا أفقًا جديدًا لفهم الأدب والتعامل مع الإبداع. نُشكر الكاتبة المبدعة"مي أبو شاربين" على وقتها الثمين ومشاركت أفكارها، ونتمنى أن تكون هذه الكلمات مصدر إلهام لجميع المبدعين الشغوفين بالكتابة. وفي النهاية، نعلم جميعًا أن الكتابة هي فن لا يتوقف، وأن كل كلمة هي خطوة نحو عالم جديد لا نهاية له."



حوار : الصحفية أسماء أشرف


إرسال تعليق

أحدث أقدم