مجلة قعدة مُبدعين
حوار مع الكاتبة تقى حمدى
في عالمٍ تتشابه فيه الأصوات، تبقى بعض الأرواح قادرة على ترك أثرٍ مختلف، لا بالصخب، بل بالصدق الذي ينساب بين الكلمات.
وفي هذا الحوار، نقترب من الكاتبة" تقي إدريس"، صاحبة تجربة لافتة في أدب الرعب والكتابة المعاصرة، لنفكك معها ملامح هذا العالم الذي لا يعتمد على “ما يُرى” بقدر ما يعتمد على “ما يُشعر به”.
بين الفكرة حين تولد، واللغة حين تصنع توترها، تأخذنا تقي في رحلة داخل كواليس النص، حيث لا يكون الرعب حدثًا فقط… بل حالة كاملة من الوعي واللاسيطرة.
١- في أدب الرعب، الفكرة لا تُكتب بقدر ما تُستدعى… متى تدركين أن فكرة ما صالحة لأن تتحول إلى خوف مكتوب؟
لما تكون غنيه بتفاصيل شيقة،
هي ذاتها ليها كواليس، لكن رعب عفريت يطلع يشد رجلك وأنت نايمة، لا، جو قديم ومبقاش يجذب لا قراء ولا كُتاب.
٢- هل ترين أن الرعب يبدأ من الخارج (حدث/عالم) أم من الداخل (الوعي/الذاكرة/الذنب)؟
الاتنين مكلمين لبعض، مثلا شقة مسكونة اجرها أحد المصيفين، حاجات تقع، يسمع رجلين ماشية، همس، ممكن اخليه يتواصل مع الكائن ده ويعرف قصته وتبدأ الاحداث تبقى حماسية أكتر.
٣- في بين أيدي القدر، يظهر الإنسان وكأنه محاصر بقوة غير مرئية… هل تقصدين بهذا خلق شعور “الخوف من اللاسيطرة”؟
بين ايدي القدر رومانسية اجتماعية، نفسية، استخدمت الغموض بقدر احتياج الرواية،
كان فيه خوف ولكن نفسي، من
تكرار التجربة، وخلافه.
والمقصد منها إن احيانا بنقع في مواقف وبنتعامل مع ناس بتخلق الرعب جوانا من كل شيء.
٤- آخر ليلهُ يحمل إحساسًا بنهاية ثقيلة ومفتوحة… هل النهايات في الرعب عندكِ تُغلق الحكاية أم تترك الباب مواربًا دائمًا؟
حسب القصة والنهاية المناسبة ليها، ورواية آخر ليلهُ نهايتها كانت الأنسب، لو اتقفلت بأي طريقة تانية مش هتبقى حلوه.
لإني ناوية اعمل جزء تاني منها.
٥- في مع الله “سؤال وجواب” تتداخل الروحانيات مع القلق الوجودي… كيف تُكتب الأسئلة الدينية داخل مناخ رعب دون أن تفقد قدسيتها أو حدتها؟
مع الله حلقات دينية فقط، سؤال وجواب، بدخل التصنيف الديني مع الرعب وبينجح جدا،
مثلا مشهد في رواية آخر ليلهُ
محمود خبطته عربية ودخل المستشفى.
عبدالرحمن صاحبه سهر الليل يقرأ سورة يس بنية نجاته، فـ
الاتنين مع بعض كمكس تحفه.
٦- The Game يوحي بأن الواقع نفسه قابل للتلاعب… هل ترين أن الرعب الحقيقي هو؟
The game
أول رواية الكترونية اكتبها، بتتكلم عن مجموعة صحاب
غامروا بنفسهم في سبيل التسلية.
فالواقع قالب للتلاعب جدا كمان، والرعب الحقيقي هو الخوف من
المجهول، زي خوفهم من اللعبة وتحقيق تهديدها، وقد فعلت.
فقدان الثقة في “القواعد”؟
٧- في يوميات الجهبس يظهر اليومي بشكل مشوّه أو غير مألوف… هل كنتِ تعمدين خلق رعب من التفاصيل الصغيرة؟
مش هتصدقي بس رواية يوميات الجهبس، تاريخ اجتماعية، كانت أول عمل ورقي منفرد ليا، سابقه سبع كتب مشتركه.
فهي مش رعب خالص، شبهنا وشبهه بيوتنا جدا.
٨- صانع الدمى يلامس فكرة السيطرة الكاملة على الآخر… أيهما أكثر رعبًا في رأيك: من يُحرّك الخيوط أم من يكتشف أنه مُتحكَّم فيه؟
المكتشف لأنه بيعاني من غير ما يعرف السبب، الفكرة الاساسية للرواية هي الدوافع عند الناس.
مثلا عم عبير اتفق مع أيوب على أذيتها دافعه البيت، عايز البيت، شايف أنه حقه مش حق أخوه، ليه؟
عشان الأهل فرقوا في المعاملة بينهم، فكانت النتيجة طرف كاره التاني بدون علمه.
٩- هل تعتمدين في كتابة الرعب على الصدمة، أم على التدرّج البطيء في خلق التوتر؟
التدرج والصدمة، وزيد عليها الغموض، التلاتة دول مع بعض
بينجحوا أي عمل.
وبتختلف من عمل للتاني، فيه سكريبت مثلا محتاج نمهد للحدث، وفيه ندخل في الموضوع على طول.
١٠- إلى أي مدى تلعب “اللغة” نفسها دورًا في صناعة الخوف داخل النص؟
بتفرق جدا، كل ما الكاتب يكون سرده متقن، مفرداته مختلفه، بيعرف يصيغ الكلام، بينجح العمل.
١١- هل هناك لحظة أثناء الكتابة تشعرين فيها أن النص بدأ “يستقل” ويخلق رعبه الخاص بعيدًا عنكِ؟
لما اتحمس واتفاعل أثناء الكتابة، لما الحدث يتغير عكس تخطيطي وينبهرني، لما الاقي نفسي عايزة اكمله، لسه في تفاصيل ممكن تتضاف.
١٢- كيف توازنين بين الغموض الضروري في الرعب وبين حاجة القارئ للفهم؟
براعي اختلاف الاذواق اولا، ثانيا مش بخلي الغموض طاغي بشكل عام، غموض يشد مش ينفر، بحط نفسي مكانهم هل هفهم، هحب اكمل ولا هتقفل.
١٣- ما الذي ترينه أكثر تأثيرًا: رعب يُفهم بالكامل أم رعب يظل غير مفسَّر حتى النهاية؟
رعب يظل غير مفسر حتى النهاية، اكثر تأثير وامتع ككقراءة وكتابة.
١٤- هل ترين أن الرعب الأدبي انعكاس لمخاوف فردية أم مرآة لمخاوف مجتمع كامل؟
الاتنين مثلا لو هستخدم مثلا خوفي
من البحر في مشهد الشخصية
هتتعرض فيه للتخويف، فده شخصي.
لو هعبر عن مجتمع كامل ممكن
حالات القتل المنتشرة، الحكايات المتوارثة عن العفاريت، والوقفة قصاد المرايا.
غالبًا المخاوف الفردية بتستخدم اكتر لانها بتلمس القارئ.
١٥- ما العنصر الذي لا تتخلين عنه أبدًا في أي عمل رعب: النفسية؟ الجو؟ أم الفكرة؟
كله بيكمل بعض بازل ولازم يكونوا موجودين.
١٦- كيف يتغير إحساسكِ بالرعب أثناء الكتابة: هل يظل “موضوعًا” أم يتحول إلى تجربة شعورية؟
تجربة شعورية حماس رهيب، بعيش كل حرف بكتبه حرفيًا.
١٧- وأخيرًا… في أدب الرعب تحديدًا، ماذا يبقى من الكاتبة بعد أن تُطفأ كل الأضواء ويُغلق النص؟
شعورها بالفخر إنها نهيت رواية
حبيتها، وحطت فيها مجهود
وتركيز هي متأكدة إنه لما يطلع للنور هيكسر الدنيا.
بين إجاباتٍ تمزج بين التقنية والحسّ الإبداعي، يتضح أن عالم تقي إدريس لا يكتفي بإعادة إنتاج الرعب كقالب سردي، بل يعيد تعريفه كخبرة إنسانية تتقاطع فيها النفس بالفكرة، والواقع بالخيال.
هي كتابة لا تبحث عن الصدمة بقدر ما تبحث عن الأثر، ولا تنشغل بإغلاق الأبواب بقدر ما تترك للقارئ نافذةً صغيرة للتأمل والخوف معًا.
وفي النهاية، يظل السؤال الأهم مفتوحًا كما تحبّ نصوصها: هل الرعب يُكتب… أم يُستدعى فعلًا من داخلنا؟
حوار الكاتبة بسمة جمعة






