حوار صحفي مع الكاتبة غادة الغالى

مجلة قعدة مُبدعين 

حوار مع الكاتبة غادة الغالى 


لكل كاتب حكاية تبدأ قبل أن يكتب أول كلمة، حكاية مليئة بالشغف والتجارب التي تصنع منه صوتًا مختلفًا.
 الكاتبة [ غادة احمد الغالى ] واحدة من تلك الأصوات التي نجحت في الوصول إلى القارئ بصدق وعمق.
 في هذا اللقاء الخاص، نتوقف معها عند محطات مهمة من مسيرتها الأدبية، ونسلط الضوء على رؤيتها للكتابة والإبداع. 
مرحبا بك في مجله "قعده مبدعين" يسعدنا ويشرفنا أن نلتقي بهذه الموهبه العظيمه في مجلتنا:


1_لنبدأ بالتعرف علي بداياتك، هل يمكنك أن تخبرنا قليلا عن نفسك؟

أهلًا بكم، ويسعدني هذا اللقاء الذي أعدّه مساحةً إنسانيةً قبل أن يكون حوارًا صحفيًا.
أنا كاتبةٌ مصرية اسمي غادة احمد الغالى 
السن ٣٣ 
الدراسة كلية آداب قسم التاريخ والحضارة 
المحافظة بورسعيد

2_ما الذي دفعِك للكتابة؟ 

منذ وقتٍ مبكر 
كنتُ أشعر بأن هناك أفكارًا وأسئلةً أكبر من أن تظل حبيسة الصمت؛ تساؤلات عن الحقيقة 
عن الوعي ..  
عن ذلك التناقض الغامض بين ما نعيشه وما نشعر في أعماقنا أنه الحقيقة الأعمق. 
ومع مرور الوقت، أدركتُ أن الكتابة هي الوسيلة الوحيدة التي أستطيع من خلالها أن أُصغي لهذا الصوت، وأن أمنحه شكلًا يمكن مشاركته مع الآخرين.
كما أن شغفي بالمعرفة واهتمامي بالتاريخ والعلوم والروحانيات، خلق داخلي رغبةً في إعادة تركيب العالم بطريقتي الخاصة، ليس كما هو
بل كما يمكن أن يُفهم أو يُرى من زاويةٍ أعمق.

3- متي بدأتِ الكتابة وكيف إكتشفتِها؟ 

فى سن مبكر منذ الصفوف الإعدادية 
في البدايات
  كانت مجرد محاولات بسيطة؛ خواطر متفرقة، وأسئلة أدوّنها لنفسي، دون أن أفكر أنها قد تتحوّل يومًا إلى مشروع أدبي حقيقي. 
لكن مع الوقت، بدأت ألاحظ أنني أجد في الكتابة مساحةً مختلفة، مساحة أستطيع فيها أن أكون أكثر صدقًا ووضوحًا مع ذاتي.
اكتشافي لها، فلم يكن لحظةً واحدة فاصلة، بل كان أشبه بتراكمٍ هادئ. كلما كتبتُ أكثر، شعرتُ أنني أقترب من نفسي، وأن هناك عالمًا داخليًا يتشكّل بالكلمات. ومع ازدياد قراءاتي واهتمامي بالتاريخ والعلوم والروحانيات، بدأت الكتابة تأخذ شكلًا أعمق، وتتحوّل من مجرد تعبير شخصي إلى وسيلة لطرح أفكار ورؤى أطمح أن تصل إلى الآخرين.
ومن هنا، لم تعد الكتابة مجرد هواية 
بل أصبحت جزءًا من هويتي 
وطريقًا أعبّر من خلاله عن رؤيتي للعالم.  

4_ما هي إنجازاتك؟ 

أرى أن الإنجاز الحقيقي لأي كاتب لا يُقاس فقط بما أنجزه على أرض الواقع،
 بل بمدى صدق ما يقدّمه، وتأثيره في الوعي.
من أبرز إنجازاتي صدور روايتي 
"سفر الأولين: سجلات الدمار والبقاء" 
وهي عمل حاولتُ من خلاله تقديم تجربة مختلفة تمزج بين الخيال العلمي والطرح الفكري والبعد الروحي، في إطارٍ سردي يسعى إلى طرح أسئلة عميقة حول الحقيقة والوعي والوجود.
كما أعدّ من إنجازاتي أيضًا قدرتي على بناء عالمٍ خاص بي،
 له فلسفته ورموزه ورؤيته، وهو ما أعمل على تطويره باستمرار، سواء من خلال الكتابة الروائية أو المحتوى الفكري الذي أقدّمه.
إلى جانب ذلك، أعتبر وصولي إلى مرحلة إجراء حوارٍ صحفي حول عملي الأدبي خطوة مهمة في مسيرتي، لأنها تعكس بداية تفاعل حقيقي مع ما أقدّمه،
 وهو ما أطمح إلى تطويره وتوسيعه في المستقبل.
وبشكلٍ عام .. 
 أرى أن كل خطوة تقرّبني من التعبير الصادق عن رؤيتي تُعد إنجازًا .. 
 حتى وإن كانت في بدايتها.

5_ ما هي رسالتك التي تريدين أن توصلها من خلال أعمالك الأدبية؟

رسالتي من خلال أعمالي الأدبية لا تتمثّل في تقديم إجاباتٍ جاهزة بقدر ما هي دعوةٌ صادقة لإعادة التساؤل.
أسعى إلى أن أُذكّر الإنسان بذاته الحقيقية بذلك الجوهر الذي قد يضيع وسط ضجيج العالم وتناقضاته.
 أكتب لأقول إن ما نراه ليس دائمًا الحقيقة الكاملة، وإن وراء الواقع طبقاتٍ أعمق تستحق أن نبحث فيها، وأن نشكّ، وأن نعيد النظر في كل ما اعتدنا عليه.
كما أحاول من خلال كتاباتي أن أربط بين العلم والروح 
بين المنطق والإحساس .. 
 لأقدّم رؤيةً ترى الإنسان ككائنٍ واعٍ، قادرٍ على الفهم والتغيير، لا مجرد متلقٍ للأفكار.
وفي جوهر هذه الرسالة 
أؤمن أن لكل إنسانٍ “حقيقته” التي يجب أن يسعى لاكتشافها بنفسه، وأن الطريق إلى ذلك يبدأ بسؤالٍ صادق .. لا بخوفٍ من الإجابة.

6_هل أنت راضٍ عن ما وصلت له؟

أنا ممتنّة لما وصلتُ إليه حتى الآن، وأرى فيه خطوةً مهمة في طريقٍ أطول، لكنني في الوقت ذاته لا أكتفي به. فكلما أنجزتُ شيئًا، شعرتُ أن هناك آفاقًا أوسع تنتظرني 
وأن ما لم يُكتب بعد لا يزال أكبر مما كُتب.
لذلك يمكنني القول إنني راضية بمعنى التقدير والامتنان
 لكنني غير مكتفية بمعنى الطموح والسعي. وهذا التوازن هو ما يدفعني للاستمرار، والبحث دائمًا عن مستوى أصدق وأعمق فيما أقدّمه.

7_ من الشخص الذي دعمك لتسير في هذا الطريق؟

كان لعائلتي الدور الأكبر في دعمي منذ البداية؛ فقد كان أبي وأمي وأختي وأخي السند الحقيقي الذي منحني الثقة لأستمر، وشجّعوني على أن أسير في هذا الطريق دون تردّد.
كما أن لبعض أصدقائي فضلًا كبيرًا، فقد كانوا من أوائل من شاركتهم فكرة العمل، وتلقّيت منهم دعمًا وحماسًا صادقًا أعطاني دفعة قوية للاستمرار.
ولا يمكنني أن أغفل أيضًا حماس بعض طلابي، الذين أبدوا اهتمامًا بالفكرة منذ بدايتها، وكان لتفاعلهم أثرٌ جميل في نفسي. وهذا ما جعلني أشعر أن العمل لا يخص فئةً عمريةً بعينها، بل يمكن أن يصل إلى مختلف الأعمار، لأنه يناقش قضايا تمسّ واقعنا الإنساني بشكلٍ عام.

8_ما هي أكبر التحديات التي واجهتها أثناء كتابة كتبتك؟

أصعب ما في الأمر كان محاولة ترجمة عالمٍ كامل، مليء بالأفكار والرؤى والتفاصيل، إلى كلماتٍ محدودة. 
أحيانًا تكون الفكرة في الذهن واضحة وعميقة 
لكن نقلها بنفس النقاء إلى النص يتطلب جهدًا وصبرًا كبيرين، وكأنك تحاول الإمساك بالضوء دون أن تفقده.
كما واجهتُ تحدّي الحفاظ على التوازن بين العمق والبساطة؛ أن أطرح أفكارًا فلسفية وروحية دون أن أثقل على القارئ، وأن أُبقي السرد ممتعًا دون أن أفقد الرسالة.
إلى جانب ذلك
 كان هناك صراعٌ مستمر مع الشك: هل ما أكتبه سيصل كما أشعر به؟ هل سيُفهم كما أقصده؟
 لكنني مع الوقت أدركت أن هذا الشك جزءٌ من الرحلة
 بل ربما هو ما يدفع الكاتب ليكون أكثر صدقًا ودقة.
وفي النهاية
 تعلّمت أن التحدي الحقيقي ليس في الكتابة ذاتها، بل في الاستمرار رغم كل هذه التساؤلات.
لعلّ أكبر التحديات لم تكن خارجية بقدر ما كانت داخلية.


9_ما هي أهتمامتك غير الكتابة؟ 

إلى جانب الكتابة، لديّ اهتمامات متعدّدة تشكّل جزءًا أساسيًا من رؤيتي وتنعكس بشكلٍ مباشر على ما أقدّمه أدبيًا.
أهتمّ بالقراءة في مجالاتٍ مختلفة، خاصةً التاريخ والعلوم، لما يقدّمانه من فهمٍ أعمق لطبيعة الإنسان والعالم. 
كما يشدّني الجانب الروحي والتأمّلي، ومحاولة فهم النفس وما وراء الظواهر، وهو ما يضيف بُعدًا فلسفيًا لما أكتبه.
وإلى جانب ذلك
 تُعدّ الفنون جزءًا أصيلًا من عالمي؛ فهوايتي في الرسم تتيح لي التعبير بصريًا عمّا تعجز الكلمات أحيانًا عن احتوائه، كما أنني أجد في التمثيل المسرحي مساحةً حيّة لتجسيد المشاعر والأفكار 
وكأنني أعيش النص لا أكتبه فقط.
كذلك أستمتع بتحليل الأفكار والرموز، والبحث في المعاني غير المباشرة، سواء في النصوص أو في الواقع نفسه 
وكأنني أحاول دائمًا قراءة ما بين السطور.
وبشكلٍ عام .. 
 يمكنني القول إنني أنجذب إلى كل ما يثير التساؤل ويكسر النمط المعتاد، لأنني أرى أن الفضول هو البوابة الأولى لكل فهمٍ حقيقي.

10_ هل كان لديك نماذج أو قدوة من الكتاب الذين ألهموك في بداية مشوارك؟ وكيف أثروا في أسلوبك الكتابي؟

نعم، كان للقدوة دورٌ مهم في بداية رحلتي مع الكتابة، فقد شكّلت قراءاتي الأولى وعيي الأدبي وأثّرت بشكلٍ واضح في ملامح أسلوبي. 
في البدايات، كان من أوائل من ألهموني أحمد خالد توفيق ونبيل فاروق، خاصةً من خلال أعمال مثل ملف المستقبل ورجل المستحيل وما وراء الطبيعة. هذه الأعمال فتحت أمامي باب الخيال العلمي والتشويق، وجعلتني أدرك كيف يمكن للفكرة أن تكون ممتعة وعميقة في الوقت ذاته.
بعد ذلك، تأثّرت بأسلوب الكاتب الإنجليزي دان براون، خاصةً في قدرته على المزج بين الغموض والتاريخ والرموز، وهو ما ألهمني الاهتمام ببناء حبكات تحمل أسرارًا وأفكارًا تتكشف تدريجيًا.
ثم جاء تأثير أحمد خالد مصطفى، الذي قدّم نموذجًا مختلفًا في الطرح الفكري والجرأة في تناول القضايا، مما شجّعني على أن أبحث عن صوتي الخاص، وألا أكتفي بالسرد، بل أطرح من خلاله رؤية وتساؤلات.
ومع كل هذه التأثيرات، كنتُ حريصةً على ألا أكون امتدادًا لأيٍّ منهم، بل أن أستفيد من تجاربهم في تشكيل أسلوبي الخاص، الذي يمزج بين الفكرة والروح، وبين الخيال والبحث عن الحقيقة.

11_ من وجهة نظرك: هل الأدب قادر على تغيير المجتمع أم أنه مجرد انعكاس له؟

أرى أن الأدب لا يقف عند كونه انعكاسًا للمجتمع، ولا يصل إلى حد تغييره بشكلٍ مباشر وسريع، بل يتحرّك في مساحةٍ أعمق بين الاثنين.
الأدب في جوهره مرآة .. 
لكنه ليس مرآةً صامتة؛ بل مرآة تُعيد تشكيل ما تعكسه. هو يلتقط الواقع، ثم يقدّمه بزاويةٍ مختلفة تكشف ما خفي فيه، وتطرح أسئلة قد لا يلتفت إليها الناس في حياتهم اليومية.
قد لا يغيّر الأدب المجتمع بشكلٍ فوري، لكنه يغيّر الإنسان من الداخل
 والإنسان بدوره هو نواة كل تغيير. فكرةٌ واحدة، أو سؤالٌ صادق، قد تظل عالقة في ذهن القارئ، تنمو بهدوء، حتى تُحدث أثرًا يتجاوز النص نفسه.
لذلك أؤمن أن الأدب ليس مجرد انعكاسٍ للواقع، بل هو محاولة لإعادة فهمه
 وربما، على المدى البعيد، إعادة تشكيله من الداخل.

12_ هل تعتقد أن الكتابة تحتاج إلى الكثير من المعاناة والصراع الداخلي لخلق شيء مميز، أم أن الإبداع يمكن أن يكون نتيجة لحظات عفوية؟

أعتقد أن الكتابة ليست حكرًا على المعاناة وحدها، ولا هي وليدة العفوية فقط، بل هي مزيجٌ دقيق بين الاثنين.
فالصراع الداخلي يمنحها عمقها وصدقها، لأنه يكشف للكاتب ما هو خفيّ داخله، ويقرّبه من جوهره الحقيقي.
وفي المقابل، تحمل اللحظات العفوية شرارة البداية، تلك الومضة التي تظهر فجأة، كأنها تنادي من مكانٍ أعمق من الوعي.
لكن هذه الشرارة لا تكتمل إلا بالوعي والعمل عليها، حتى تتحوّل إلى معنى يمكن أن يصل للآخرين.
لذلك أرى أن الإبداع الحقيقي يولد حين يلتقي العمق بالعفوية
 حين تتحوّل التجربة، بكل ما فيها، إلى وعيٍ يُصاغ بالكلمات.

13_ كيف ترى علاقة الكاتب بالقراء؟ هل تكتب بما يتوافق مع توقعات الجمهور، أم أن الكتابة هي انعكاس لروحك الداخلية فقط؟

أرى أن علاقة الكاتب بالقراء ليست علاقة إرضاءٍ مباشر
 بل علاقة تواصلٍ عميق تقوم على الصدق.
لا أكتب وفقًا لتوقعات الجمهور بقدر ما أكتب انطلاقًا من رؤيتي الداخلية، لأنني أؤمن أن النص إذا لم يكن صادقًا مع صاحبه، فلن يكون صادقًا مع القارئ. الكتابة بالنسبة لي هي انعكاسٌ لروحي وتساؤلاتي 
 ومحاولة لفهم ما بداخلي قبل أن تكون محاولة لإرضاء الآخرين.
ومع ذلك، لا أرى القارئ كمتلقٍ بعيد، بل كشريكٍ في الرحلة. 
فحين أكتب بصدق، أترك مساحةً مفتوحة ليتفاعل القارئ مع النص بطريقته الخاصة 
وكأن كل قارئ يكتشف فيه معنىً مختلفًا يخصّه.
لذلك يمكنني القول إنني لا أكتب لإرضاء التوقعات، بل لخلق تجربةٍ صادقة
 وإذا وصلت هذه الصدق إلى القارئ، فهنا تتحقّق العلاقة الحقيقية بيننا.

14_ أي كتاب من كتبك الأقرب إلى قلبك؟ ولماذا؟ 

حتى الآن، تُعدّ رواية "سفر الأولين: سجلات الدمار والبقاء" الأقرب إلى قلبي، ليس فقط لأنها أول أعمالي
 بل لأنها تمثّلني بشكلٍ كبير.
فالعمل الأول دائمًا يحمل شيئًا خاصًا؛ هو البداية التي خرجت من مساحةٍ صادقة جدًا، دون حسابات أو قيود، وفيه وضعتُ جزءًا واضحًا من رؤيتي وأفكاري وتساؤلاتي.
وحتى مع طموحي لكتابة أعمالٍ أخرى في المستقبل ..
 أؤمن أن "سفر الأولين" ستظل الأقرب إلى قلبي، لأنها تحمل بصمتي الأولى، وتعكس شخصيتي كما هي، بكل ما فيها من بحثٍ وصدق.

15_ ماذا يمثل لكِ وجود كتبك في معرض القاهرة الدولي للكتاب؟

يمثّل لي وجود كتبي في معرض القاهرة الدولي للكتاب لحظةً تتجاوز فكرة العرض أو الانتشار، لتصبح أشبه بتحقّقٍ رمزي لرحلةٍ طويلة بدأت من فكرةٍ صغيرة.

أشعر أن وجود عملي هناك هو انتقال من العالم الداخلي إلى الواقع 
كأن الأفكار التي كانت حبيسة الصفحات أصبحت قادرة على أن تجد طريقها إلى عقولٍ وقلوب مختلفة. وهو أيضًا اختبارٌ جميل؛ هل سيجد كل قارئ نفسه في جزءٍ من هذا العمل؟ هل سيلتقي النص مع من يبحث عنه فعلًا؟
وفي الوقت نفسه، أراه بدايةً لا نهاية؛ خطوة تؤكّد أن ما أكتبه يمكن أن يصل، لكنها تضعني أمام مسؤوليةٍ أكبر لأقدّم ما هو أصدق وأعمق فيما بعد.
ببساطة، هو شعور يجمع بين الامتنان والرهبة وكأنني أرى جزءًا من روحي معروضًا أمام العالم.


16_ كيف تتعاملِ مع النقد أو التعليقات على عملك؟

أتعامل مع النقد باعتباره جزءًا من رحلة الوعي، لا مجرد ردود أفعال على نصٍ كُتب.
فأنا أرى أن كل تعليق يحمل زاوية نظر مختلفة، لذلك أستمع أولًا بهدوء، وأحاول أن أفهم ما وراء الكلمات، لا الكلمات نفسها فقط. إذا كان النقد صادقًا وبنّاءً، أستفيد منه وأعيد النظر في بعض التفاصيل، لأنني أؤمن أن التطوّر لا يحدث دون مراجعة مستمرة.
أما إن كان بعيدًا عن جوهر العمل، فأتركه دون أن يؤثّر على رؤيتي، لأنني أحرص على ألا أفقد صوتي الداخلي في محاولة إرضاء الجميع.
وفي النهاية، أتعامل مع النقد كمرآة
 لكنني لا أنظر فيها لأرى نفسي كما يراها الآخرون فقط، بل لأفهم كيف تصل صورتي، مع احتفاظي بحقي في أن أكون كما أراها أنا.

17 _كيف تري مستقبل الأدب العربي في عصر التكنولوجيا ووسائل التواصل الأجتماعي؟

أرى أن مستقبل الأدب العربي في عصر التكنولوجيا ليس مهدَّدًا كما يظن البعض، بل هو في مرحلة تحوّل عميق.
وسائل التواصل الاجتماعي قد تبدو سريعة وسطحية في ظاهرها، لكنها في الحقيقة فتحت مساحاتٍ جديدة للكتّاب، وقرّبت المسافة بينهم وبين القرّاء، وجعلت الكلمة أكثر انتشارًا وحضورًا من أي وقتٍ مضى.
لكن التحدّي الحقيقي لا يكمن في الوسيلة، بل في المحتوى. فمع هذا التدفّق الهائل، أصبح القارئ أكثر انتقائية، ولم يعد ينجذب إلا لما يشعر بصدقه وعمقه.
ومن وجهة نظري، سيبقى الأدب الحقيقي قائمًا، لأنه لا يعتمد على الوسيلة بقدر ما يعتمد على قدرته على لمس الإنسان من الداخل. قد تتغيّر طرق الكتابة والنشر، لكن الحاجة إلى المعنى لن تختفي.
لذلك أرى أن مستقبل الأدب العربي سيشهد نوعًا من الفرز؛ حيث يبقى ما يحمل قيمةً حقيقية، ويتلاشى ما هو عابر. وفي هذا التوازن بين السرعة والعمق، تتحدّد ملامح المرحلة القادمة.

18_ هل تعمل حالياً علي مشروع جديد؟ وما الذي يمكن أن نتوقعه منك قريباً؟

نعم، أعمل حاليًا على الجزء الثاني من رواية "سفر الأولين"، وقد وصلت بالفعل إلى كتابة الفصل الأخير منه، وهي مرحلة تحمل الكثير من التركيز والمشاعر في الوقت ذاته، لأن النهاية ليست مجرد إغلاق للأحداث، بل إعادة كشفٍ لكثير من الخيوط التي بُنيت منذ البداية.
وأتوقع أن "سفر الأولين" لن تتوقف عند هذا الجزء، بل ستمتد إلى أجزاءٍ أخرى، لأن هذا العمل قائم على عالمٍ واسع، يحمل أفكارًا متعددة ومتشابكة، وفيه قدر من الغموض والتعقيد لا يمكن اختزاله في جزءٍ واحد فقط.
لذلك يمكن القول إن ما يُكتب الآن ليس نهاية الحكاية، بل مرحلة من مراحلها
 وما زال في هذا العالم الكثير مما لم يُكشف بعد.

19_ رسالتك لكل شخص يمتلك تلك الموهبة او يمتلك مواهبه آخري؟

رسالتي لكل من يمتلك موهبة، أيًّا كانت، أن يتعامل معها كشيءٍ حيّ، لا كفكرةٍ عابرة.
الموهبة ليست هديةً مكتملة، بل نداء
 شيءٌ في داخلك يطلب أن يُرى ويُفهم. فلا تُهمله خوفًا، ولا تؤجّله انتظارًا للكمال، لأن ما في داخلك لن يتكرّر بنفس الصورة مرةً أخرى.
اقترب من نفسك أولًا، وافهم ما الذي تريد قوله حقًا، ثم تعلّم كيف تقوله. فالقيمة ليست في امتلاك الموهبة فقط، بل في وعيك بها، وقدرتك على تحويلها إلى أثر.
لا تنشغل كثيرًا بردود الفعل، ولا تجعلها تُعيد تشكيلك، لأن الطريق الحقيقي يبدأ من الداخل لا من الخارج.
وفي النهاية
 ما يخرج من العمق يصل إلى العمق. لذلك لا تحاول أن تكون لافتًا، بل حاول أن تكون صادقًا
فالصّدق وحده كفيل بأن يجد طريقه. 

20_ما رأيك في المجلة؟ 

أرى أن المجلة تقدّم مساحة جميلة ومهمّة لكل صاحب موهبة، لأنها لا تكتفي بعرض الأعمال، بل تفتح بابًا للتعبير والتواصل، وهذا في حدّ ذاته دورٌ ثقافي له قيمة كبيرة.
أما عن الحوار، فقد شعرتُ أنه لم يكن مجرد أسئلة تقليدية، بل كان أقرب إلى رحلةٍ داخلية، أتاح لي فرصة أن أتأمل تجربتي وأعيد صياغتها بالكلمات. وهذا النوع من الحوارات هو ما يمنح اللقاء معنىً حقيقيًا، لأنه لا يكتفي بالتعريف، بل يحاول أن يقترب من الفكرة والروح معًا.
وأقدّر هذه المساحة التي منحتُموني إياها، لأنها لم تكن مجرد لقاء، بل تجربة أعبّر من خلالها عن جزءٍ من عالمي. 

في النهاية، نكون قد استعرضنا بعضًا من أبعاد الكتابة الإبداعية وتعرفنا على رؤية الكاتبة العميقة والمميزة لهذه العملية الرائعة. 
كانت هذه الجلسة بمثابة رحلة مليئة بالإلهام والتأمل، حيث أضاءت الكاتبة أمامنا أفقًا جديدًا لفهم الأدب والتعامل مع الإبداع.
 نُشكر الكاتبة المبدعة"غادة احمد الغالى " على وقتها الثمين ومشاركت أفكارها، ونتمنى أن تكون هذه الكلمات مصدر إلهام لجميع المبدعين الشغوفين بالكتابة.
 وفي النهاية، نعلم جميعًا أن الكتابة هي فن لا يتوقف، وأن كل كلمة هي خطوة نحو عالم جديد لا نهاية له.

حوار : الصحفية أسماء أشرف.

إرسال تعليق

أحدث أقدم