سيدي صاحب الظل الطويل

مجلة قعدة مُبدعين 


"سيدي صاحب الظل الطويل"

لا أعلم كم من الوقت مضى دون أن أكتبك.  
رأيتك اليوم في منامي تحت قُبة إيفيل، والمطر يهطل بغزارة، بينما المصابيح كعيونٍ صفراء تراقب المارة بصمتٍ مُرتاب.

تلك الليلة كنتُ أهرب.  
أخلعُ عني اليقظة كما يُخلع ثوبٌ ضيّق، وأركضُ حافيةً في شوارع الحلم. كنتُ أعرف الطريق جيداً؛ فقدماي تحفظان دروب الهروب إليك.

وجدتُك واقفاً حيث أتركك دائماً.  
تحت القبة الحديدية، والمطر يصنع حولك هالةً من فضةٍ مرتعشة. كان القمر فوقنا مكسوراً، وشظاياه تطفو فوق برك الماء كقطع زجاجٍ مسروقة من الجنة، بينما المصابيح تُحدّق بنا دون أن تجرؤ على الاقتراب.

لم تقل شيئاً.  
مددتَ يدك، وقفازك الأسود يقطر ماءً، تفوح منه رائحة مطرٍ وورقٍ قديم ونبيذٍ معتّق. سحبتني إليك، كمن يُستردُّ شيءٌ ضائع. أمسكتَ خصري بيقينٍ أربكني، كأن هذه المرأة الهاربة قد أصبحت لك.

بدأ المطر يعزف.  
لم تكن هناك موسيقى، لكن ارتطام القطرات بالحديد كان سيمفونيةً كاملة. وبدأنا نرقص. كنتُ أرتدي فستاناً من مخملٍ أزرق بلون منتصف الليل، يلتصق بجسدي من البلل فيرسم ارتباكي بين يديك.

رفعتُ عيني إليك رغم تحذيراتك القديمة.  
أردتُ أن أُسكر… ونظرت.

يا إلهي، عيناك.  
لم تكونا عينين، بل قبوين عتيقين ممتلئين ببراميل نبيذٍ نامت قرناً كاملاً تحت الأرض. ارتشفتُ من نظرتك رشفةً واحدة، فترنّح عقلي. نسيتُ اسمي، ونسيتُ لماذا كنتُ أهرب، وحتى الحلم نفسه تلاشى. لم يبقَ سوى أنت، والطعم الثقيل الحلو للسُّكر بك.

أدرتني ببطء، ثم أخرجتَ من جيب معطفك رسالة.  
ورقها أصفر، وحوافها محترقة قليلاً، وختمها الأحمر يحمل تاجاً لا أعرفه. قربتها من أنفي دون وعي، ففاح منها عطرك ذاته؛ نبيذ، وحبر، وسرٌّ عجوز.
همستَ قرب أذني 
"هذه لكِ"
كانت أنفاسك دافئة وسط كل هذا المطر.  
"كتبتُها في كل ليلةٍ لا تأتين فيها. كل حرفٍ كُتب وأنا أنظر إلى صورتكِ التي لا تملكينها. وكل قطرة حبرٍ سقطت من ريشتي كانت نخباً لثمالتي بكِ."

دسستَ الرسالة فوق قلبي مباشرة، وشعرتُ بحرارة الشمع تُذيب جلدي ببطء.

سألتك وأنا أستند إلى صدرك، أستمع إلى دقات قلبك الثقيلة البطيئة:

"ألم يأنِ؟"

ضحكتَ ضحكةً قصيرة لم أسمعها، بل شعرتُ بها في عظامي.  
"يا صغيرتي، لو أمسكوا بنا، سيُحاكموننا بتهمة ارتكاب الجمال في زمنٍ قبيح. فأنا كلَّ ليلةٍ أتركُ مملكتي وآتي إليك لأُسجن في خصرِك."

وفجأة… توقف المطر.  
كأن السماء تعبت من مراقبتنا.  
حتى القمر بدا كأنه أفاق من سُكره، والمصابيح أغمضت عيونها أخيراً. لم يبقَ سوى أنت وأنا، والبرج شاهدٌ صامت على كل ما لا يُقال.

أبعدتني عنك قليلاً، ومسحتَ بإبهامك قطرة ماءٍ عن شفتي.  
ثم تابعتَ حديثك بهدوءٍ موجع:

"يجب أن أذهب… قبل أن تطلع الشمس، وقبل أن تفيقي من سُكركِ بي."

وقبل أن أجيب، انحنيتَ.  
وقبّلتَ عنقي، ثم ذبتَ في الظل، كليلٍ يخجل من الفجر

استيقظتُ وأنا ألهث.  
الغرفة مظلمة، والمطر في الخارج توقف، لكن صدري كان يحترق. تحسستُ موضع الرسالة، فوجدتُ جلدي دافئاً كأن الحروف وُشمت عليه بالنار.

ركضتُ إلى المرآة.  
كانت شفتاي حمراوين دون أحمر شفاه، وفي فمي طعم نبيذٍ معتّق لم أذقه يوماً… لكنني أدمنته.

وعلى زجاج النافذة، بأصابع لم تكن أصابعي، كُتبت جملة واحدة ببخار الفم:

"عيناكِ خمري… وأنا مدمنٌ اختار ألّا يُشفى."

ومنذ تلك الليلة، يا سيدي، وأنا أنام باكراً.   
أُطفئ كل الأنوار إلا نور القمر، وأترك كأسِي فارغاً فوق الطاولة.

فأنا لم أعد أهرب من العالم…  
أنا أهرب إليك.

بقلم:ـ بسمة جمعة ✍️ 

إرسال تعليق

أحدث أقدم