مجلة قعدة مُبدعين
حوار مع الكاتب محمد العليمى
في عالم الأدب، حيث تتلاقى الكلمات مع الأحاسيس وتنسج القصص عالمًا من الخيال والواقع، نجد أن بعض الكتاب لا يكتفون بمجرد كتابة الحروف، بل يبثون في أعمالهم نبضًا من الإبداع الذي يتسلل إلى قلوب قرائهم.
اليوم، نحن على موعد مع أحد هؤلاء الكتاب الذين أثبتوا جدارتهم في صنع القصص التي تُحاكي الواقع وتُلهب الخيال.
في هذا الحوار الخاص، نسلط الضوء على رحلة الكاتب المبدع [ محمد العليمي ]، الذي قدم لنا العديد من الأعمال الأدبية التي شكلت نقطة فارقة في عالم الأدب.
نلتقي به اليوم للحديث عن مشواره، مصدر إلهامه، والتحديات التي واجهها في طريقه نحو الإبداع."
مرحبا بك في مجله "قعده مُبدعين" يسعدنا ويشرفنا أن نلتقي بهذه الموهبه العظيمه في مجلتنا:
1_ لنبدأ بالتعرّف على بداياتك، هل يمكنك أن تخبرنا قليلًا عن نفسك؟
أنا محمد العليمي
عمري ٤٠ عام
حاصل على بكالوريوس خدمة اجتماعية
كاتب من الإسكندرية.
2_ما الذي دفعك للكتابة؟
ليس من السهل الإجابة عن هذا السؤال، ولكن قد يكمن السبب في أنه بمرور الوقت يتشبع المرء بالعديد من الأفكار والأحداث والقصص التي تظل حبيسة داخل عقله، وتصر على الخروج.
قصص تجعلك تتحول إلى أداة في قبضتها لترسمها على أوراقك..
قصص تحارب لكي يسمع عنها البشر؛ ربما يكونوا قد مروا بها، أو ربما لم يسمعوا بها من قبل.
فتتحول الكتابة أحياناً إلى لعنة تلاحقني إن لم أستجب لتدوين أفكاري، وقد تصبح وسيلة لإظهار بعض الجوانب التي لا يراها غيري، لأي سبب كان.
3_متي بدأت الكتابة؟
في طفولتي، كان الكتاب وسيلتي الوحيدة للخروج من حدود الواقع ، ولكني كنت أشعر أن هناك أموراً لم يروِها أحد، أو على الأقل لم يروِها كما أراها أنا.
بدأتُ الكتابة منذ الصغر..
محاولات طفولية لخلق شخصيات وعوالم تناسب خيالي.
ظللت أكتب كمراهق ثم شاباً في منتصف العشرينيات إلى أن أتى عام 2012، حين قررت أن أبدأ في نشر ما اختصصتُ به ذاتي إلى العلن عبر المدونات، والصحف الإلكترونية، والفيسبوك.
ومنذ ذلك العام وحتى الآن، أحاول دوماً التنويع في فيما أكتبه واستخدام أساليب مختلفة، كنوع من التحدي لذاتي..
أحياناً أجيد الأمر، وأحياناً أخرى يجانبني الصواب.
بالطبع كانت كتاباتي كطفل، ثم كمراهق، ثم كشاب في بداية العشرينيات متباينة، ومع مرور الوقت حاولت صقل أسلوبي بشتى الطرق، وحتى هذه اللحظة ما زلت أتعلم وأطور من نفسي؛ فأنا أرى أن الكاتب هو نتاج تجارب أدبية كثيرة تستمر إلى أخر لحظات حياته.
4_ما هي إنجازاتك؟
أهمُّ إنجازٍ لم يأتِ بعد..
لا أنكر أن قبول العملين لدى القرّاء هو نجاح وفضل من الله، وهو أمر لم أتوقعه منذ أن قررت أن أتجه بكتاباتي إلى جمهور مختلف عما عهدته في السابق..
ولكنني دوماً أطمح إلى الأفضل، حتى لو أجمعت الأغلبية على قبول أعمالي؛ فمقبرة أي كاتب أن يظن أنه قد وصل إلى أفضل مستوى، وأنه قد أنتج أفضل عمل له على الإطلاق.
صدرت لي في عام 2025 المجموعة القصصية (قصص من مصدر رفض ذكر اسمه)، وفي عام 2026 صدرت رواية (وباء)، والعملان عن دار تنوين للنشر والتوزيع.
رواية "وباء"؛ بدأتُ كتابتها في عام 2020، وأظن أن السبب واضح، ولكنه كان مشروعاً لم يكتمل ، وبعد خمس سنوات، قررتُ أن أستكمل أحداثها لتخرج بالشكل النهائي الذي ظهرت به هذا العام..
إن "وباء" ليست رواية بالمعنى التقليدي للرواية، قد تكون أقرب للنوفيلا أو للرواية المشهدية ، هي دائرة من العلاقات والشخصيات التي رُسمت فوق شقوق جدران هذا المجتمع..
قد يصنفها البعض بأنها "ديستوبيا"، ولكني أراها واقعية..
وقد واجهتني مشكلة في جرأتها مقارنةً بعملي السابق، ولكني وجدتُ نفسي مضطراً لأن يكون العمل صريحاً بشكل قد يترك ندبة في ذهن من يقرأها.
5_ما هي رسالتك التي تريد أن توصلها من خلال أعمالك الأدبية؟
أرى أن الكاتب يجب أن تكون رسالته هي تحفيز القارئ على التفكير فيما يطرحه من أفكار، وأن يجعل القارئ هو من يستخلص العبرة دون أن يفرضها عليه؛ فلا يتحول الكاتب إلى واعظٍ ولا مبشر..
فإن كان عليه أن يحمل رسالة، فيجب أن تكون هي نبش قبور الأفكار وإعادة إحيائها.
6_من الشخص الذي دعمك لتسير في هذا الطريق؟
والدي وزوجتي، بالإضافة إلى رفقةٍ داعمةٍ من الأصدقاء الذين رأوا أن ما أكتبه ربما يستحق أن يخرج إلى النور.
7_ما هي أهتمامتك غير الكتابة؟
أهتمُّ كثيراً بصناعة السينما وعالمها، وأرى أنها مرتبطةٌ ارتباطاً وثيقاً بالأدب والكتابة؛ لذلك فإن من ضمن اهتماماتي وقراءاتي فنَّ كتابة السيناريو، والإخراج السينمائي، والمونتاج.
فأنا أرى إنَّ الأدب بشكلٍ عام كان ولا يزال وقوداً للسينما، كما أن المتعة البصرية الموجودة فيها مُلهمةٌ للكاتب، وتفتح له آفاق التخيل والإبداع أكثر فأكثر.
8_ متى اكتشفت أن الكتابة ليست مجرد هواية بل شغف حقيقي لديك؟
لم أتوقف يوماً عن الكتابة منذ الصغر، ولكن في منتصف عمري الحالي شعرتُ أن الكتابة لم تعد هواية فقط؛ اكتشفتُ أنها صوتي الحبيس داخل صدري، وأحياناً هي صرخات لأشخاص ودّوا لو كانوا يملكون القدرة على الكتابة، فكانت كلماتي هي محاولة للتعبير عنهم.
9_ ما هي أكبر التحديات التي واجهتها أثناء كتابة كتبتك؟
أن تصبح كتاباتي قابلة للتخيل.. أن تصبح الشخصيات من لحم ودم ..
إن رسم المشاهد البصرية هو أهم تحدٍ بالنسبة لي، وهو أمر يتطلب إعادة الصياغة أكثر من مرة..
بغض النظر عن أن الخطوات التالية لإنهاء العمل أصبحت في حد ذاتها عقبة لي ولدى أغلب الكتاب، وخاصة مرحلة البحث عن دار نشر توافق على نشر العمل على نفقتها بشكل كامل.
10_هل كان لديك نماذج أو قدوة من الكتاب الذين ألهموك في بداية مشوارك؟ وكيف أثروا في أسلوبك الكتابي؟
كنتُ من المحظوظين الذين رافقتْ إصداراتُ الدكتور أحمد خالد توفيق مراحلَ حياتهم..
كان عالمه مختلفاً ومميزاً، وكان تنوع كتاباته ملفتاً..
وما تعلمته منه هو ألا أتوحد مع أي كاتب مهما كان أسلوبُه مريحاً وممتعاً.. كان عليَّ أن أنوّع قراءاتي، لذلك يمكن القول إنَّ هناك خليطاً من الكتاب الذين أثروا في أسلوبي وعقليتي -بالإضافة إلى الدكتور أحمد خالد توفيق- وعلى رأسهم: نجيب محفوظ، وإبراهيم عبد القادر المازني، والدكتور نبيل فاروق، وعلاء الأسواني، وبلال فضل، وعز الدين شكري فشير، وطه حسين، وإبراهيم أصلان.
11_من وجهة نظرك: هل الأدب قادر على تغيير المجتمع أم أنه مجرد انعكاس له؟
تتوقفُ قدرةُ الأدب على تغيير المجتمع على مدى وعي أفراده ورغبتهم في تغيير ما بأنفسهم ؛ فالأدب لا يغير شيئاً في مجتمعٍ لا يقرأ، ولا يغير شيئاً في مجتمعٍ يتأثر بالأعمال الدرامية السطحية والمقاطع المرئية التي لا تتعدى الدقيقة والنصف. لذا، يجب أولاً أن يعود الأدب الحقيقي إلى مكانته لكي يساهم في ذلك التغيير.
أما عن كونه مرآةً للمجتمع، فللأسف أيضاً عندما تطغى السطحية على المجتمع نجد أن الأعمال الضحلة هي ما يتم تمجيدها وهي - أيضًا ما تحقق المبيعات، ويصبح كل من واكب الذوق المتدني كاتباً عظيماً ، ومن يُعري المجتمع ويكشف مساوئه يتم إتهامه بالتعقيد وتشويه صورة المجتمع.
12_كيف ترى علاقة الكاتب بالقراء؟ هل تكتب بما يتوافق مع توقعات الجمهور، أم أن الكتابة هي انعكاس لروحك الداخلية فقط؟
القراءُ هم مرآةُ الكاتبِ وبوصلتُه، وأرى أنَّ على الكاتبِ -منذ كتابتِه للحرفِ الأولِ في عملِه- أن يَعرف نوعيةَ الجمهورِ الذي يستهدفه، وألا يستسلمَ لما هو مضمونُ النجاحِ، بل عليه أن يُطور من أدواته وحبكاته دوماً؛ لأنَّ إرضاءَ القراءِ غايةٌ صعبةٌ، ولكنها ضريبةُ قرارِ نشرِ العملِ للملأ.
13_هل تعتقد أن الكتابة تحتاج إلى الكثير من المعاناة والصراع الداخلي لخلق شيء مميز، أم أن الإبداع يمكن أن يكون نتيجة لحظات عفوية؟
أعتقد أنها تحتاج أكثر إلى فهم المعاناة وفهم الصراعات الداخلية؛ فهناك من يقول إنَّ الإبداع يُولد من رحم المعاناة، ولا أُنكر ذلك، ولكني أرى أنه ليس بالضرورة أن يكون كل من عانى قادراً على الوصف الأدبي البلاغي، وهناك من لديه القدرة على وصف معاناة الآخرين بشكلٍ يُشعرك بأنه يتحدث عن نفسه.
وأرى أن الكاتب لا بد وأن يملك عدسة في ذاكرته، يلتقط بها كل المشاهد والأحداث والتفاصيل التي تقابله، وأن يكون قادراً على تحليل الأنماط البشرية التي يواجهها، وألا يعيش داخل قوقعته.
14_هل أنت راضٍ عن ما وصلت له؟
إلى حدٍ كبيرٍ، أنا راضٍ عن الخطوات الأولى؛ فحتى وإن كان فيها الكثير من التخبط، فأظن أن هذا ما سيجعلني أنتبه أكثر إلى بقية الطريق.
15_ أي كتاب من كتبك الأقرب إلى قلبك؟ ولماذا؟
كلُّ كتابٍ له مكانةٌ لديّ..
فالعمل الأول كان تجميعاً لقصصٍ كُتبت خلال سبع سنوات، وكان لكل قصةٍ ذكرى وشعورٌ خاصٌّ وقت كتابتها.
أما العمل الثاني فقد كان تمرداً على ما عهدني الناس عليه؛ كان أشبه بصرخاتٍ كتمتُها بداخلي، وبالتالي كان خروجها للعلن بمثابة انتصارٍ لرغبتي في تطوير ذاتي.
16_كيف تتعامل مع النقد أو التعليقات على عملك؟
أتعامل مع النقد كما أتعامل مع الثناء والمدح، وقد أهتم بنشره في أغلب الأوقات؛ فالملاحظات والتعليقات على العمل هي ما تجعلني أطور من ذاتي، وكما أن الثناء مؤشر على السير في الطريق الصحيح، فالنقد البناء مؤشر لضرورة تعديل المسار.
17_كيف تري مستقبل الأدب العربي في عصر التكنولوجيا ووسائل التواصل الأجتماعي؟
بلاشك، هناك مخاوف من تراجع مكانة الأدب بالنسبة للقراء نتيجة طغيان التكنولوجيا على حياتنا؛ فعليك الاختيار دوماً بين أن تقضي وقت فراغك في تمرير الفيديوهات وتصفح الإنترنت، وبين قراءة ما يثري عقلك ووعيك ويزيد من حصيلتك الثقافية والعلمية.
أما بالنسبة للكُتاب فالأمر لا يقل سوءاً؛ فنرى بعضاً من الكُتاب الجدد يستخدمون التكنولوجيا، وبالتحديد الذكاء الاصطناعي، في كل ما يتعلق بالكتابة دون وعي ، هذا لو لم يستخدموه في كتابة العمل نفسه، وتلك هي المصيبة الكبرى. ناهيك عن أن سيطرة "السوشيال ميديا" على الجمهور الذي يرغب الكاتب في استقطابه تدفعه دفعاً إلى أن يتحول إلى صانع محتوى لكي يصل إلى أبوابهم.
لذا، يجب علينا أن نحاول أن نروّض التكنولوجيا قبل أن تقوم باستعبادنا.
18_ رسالتك لكل شخص يمتلك هذه الموهبة أو موهبة أخرى؟
هي نصيحةٌ أضعها نصب عيني قبل أن أطلب من غيري العمل بها:
أن يُقال: "لماذا لم يعد يكتب؟" خيرٌ من أن يُقال: "ليته توقف عن الكتابة".
فالكيف أهم من الكم؛ والتواجد بعملٍ قوي بعد فترة توقفٍ خيرٌ من التواجد المستمر بأعمالٍ جودتها منخفضة.
لذلك، أنصح نفسي وإياكم ألا نتعجل في ظهور إنتاجاتنا؛ لمجرد تخوفنا من أن ينسانا المهتمون بما نجيد صنعه.
في النهاية، نكون قد استعرضنا بعضًا من أبعاد الكتابة الإبداعية وتعرفنا على رؤية الكاتب العميقة والمميزة لهذه العملية الرائعة.
كانت هذه الجلسة بمثابة رحلة مليئة بالإلهام والتأمل، حيث أضاء الكاتب أمامنا أفقًا جديدًا لفهم الأدب والتعامل مع الإبداع.
نُشكر الكاتب المبدع" محمد العليمي " على وقته الثمين ومشاركته أفكاره، ونتمنى أن تكون هذه الكلمات مصدر إلهام لجميع المبدعين الشغوفين بالكتابة.
وفي النهاية، نعلم جميعًا أن الكتابة هي فن لا يتوقف، وأن كل كلمة هي خطوة نحو عالم جديد لا نهاية له."
حوار : "الصحفية أسماء أشرف "





