مرآة السلالة المنسيّة

 مجله قعده مُبدعين 




" مرآة السلالة المنسيّة "

في مساءٍ مثقّلٍ بضبابٍ بريطانيٍّ بارد، كان القصر العتيق ينهض من صمته ككائنٍ يتنفّس ببطءٍ مهيب.  
تتدلّى الثريّات الكريستالية في الصالون الكبير كأجسادٍ فقدت احتفالها منذ قرون، ولم تفقد وقارها.  
عبرت الفتاة الدرج الرخاميّ بخطى محسوبة، كأن الأرض لا تُباح إلا لمن يُحسن الإصغاء لهيبتها.  
عباءتها الداكنة لم تكن مجرّد ثوب، بل امتدادًا لظلٍّ أرستقراطيٍّ لم يكتمل إفصاحه بعد.  
الجدران، المكسوّة بصور السلالة القديمة، كانت تراقبها بصمتٍ يشبه الحكم لا الذاكرة.  
وفي المرآة الطويلة ذات الإطار الذهبي، لم يكن انعكاسها واضحًا، بل بدا كأثرٍ لامرأةٍ لم تُحسم ملامحها بعد.  
توقّفت، لتتأمل ما تبقّى من معنى أن يُولد المرء داخل صمتٍ نبيل.  
كان القصر لا يُشبه الخراب، بل يُشبه مجدًا أُجّل إلى أجلٍ غير معلوم.  
كلّ خطوةٍ منها كانت تُحدث صدىً خافتًا، كأن الأرض تحفظ أسماء الداخلين ولا تنطقها.  
ارتجفت الستائر الثقيلة مع ريحٍ عابرة، لكن القصر ظلّ محتفظًا بوقاره كأن شيئًا لا يمسّه.  
في تلك اللحظة، لم تكن تبحث عن انعكاسها، بل عن السلالة التي انقطعت في ملامحها.  
فالمرآة، في صمتها العميق، لم تكن تعكس وجهًا… بل سؤالًا عن أصلٍ لم يُكتمل.  
ومع ذلك، لم يكن في القصر ما يدعو إلى الهرب، بل ما يُجبر على الإصغاء الطويل.  
وغابت بين أروقته، كامتدادٍ متأخرٍ لحكايةٍ أرستقراطية لم تنتهِ بعد.

بقلم :  بسمة جمعة 

إرسال تعليق

أحدث أقدم