مجلة قعدة مُبدعين
حوار مع الكاتبة دينا عصام
ضمن حرص مجلَّة «قعدة مُبدعين» على تقديم كلِّ جديد في عالم الأدب، وتسليط الضَّوء على المواهب الشَّابَّة، نفتح اليوم نافذةً جديدةً من خلال استضافتي اليوم الكاتبة «دينا عصام» ابنة محافظة الجيزة، والتي تنوعت الموهبة لديها بين قصة ومقال، ومن شغلها بالرسومات المتحركة إلى قصص الأطفال الكوميدية والتربوية، ومن كوميديا الأطفال إلى الرعب والفانتازيا، ومن «الروح التي لا تنام» إلى نجاح باهر وموهبة مختلفة الأركان والحكايات. فكرة القصة لديها كانت مواقف بسيطة حوّلتها إلى أحداث بين طيّات الأوراق. لقد اكتشفت دينا موهبتها بالصدفة، دون اهتمام مبالغ فيه.ما أحلى الصدف التي تنتج لنا تلك المواهب.
1- كيف كانت البداية، وكيفية اكتشاف أن لديكِ موهبة؟
بدأت الحكاية معي منذ زمان، يمكن من أيام الجامعة.. كنت دائمًا أحب أن أقرأ كثيرًا، وكنت أعشق روايات الكاتب الكبير إحسان عبد القدوس. ومن كثرة حبي للقراءة، أصبحت أتأمل كل المواقف الحلوة التي مررت بها أو التي أراها في حياتي، وكنت أحس أن أي موقف ممكن يكون بذرة حلوة تطلع منه فكرة لقصة قصيرة أو رواية، سواء الموقف ده يخصني أو يخص حد تاني.
أما لحظة الاكتشاف الحقيقية.. فكانت لما دار المعادي للنشر والتوزيع كانت عاملة مسابقة لكتابة قصة قصيرة للرعب. قررت أكتب قصة «اللي سميتها "الجمعة الأخيرة"» وبعتُّها لهم ونسيت الموضوع خالص. وفجأة، عرفت إني كسبت! القصة انتشرت ضمن مجموعة قصصية، واتكرمت عليها في معرض الكتاب، وكانت دي البداية الحلوة اللي شجعتني أكمل.
2- هل للواقع تأثير على الكاتب، أم أن الكاتب يبني عوالمه من الخيال؟
خلينا نقول إن الواقع هو الوقود الذي نستلهم منه التفاصيل والمشاعر الحقيقية، بينما الخيال هو المحرك الذي يعيد صياغتها ويبني العوالم الساحرة. الكاتب الماهر هو من يبدأ من الواقع لينطلق إلى آفاق الخيال.
3- ما هي نصائحك لمن يبدأ بالكتابة؟
عشان تبدئي صح، الموضوع أبسط مما تتخيلي! اعتبري الموضوع كله بيتلخص في نقطة واحدة: اقرئي كثيرًا عشان تغذي خيالك، واكتبي بانتظام من غير ما تقلقي من النتيجة الأولى. يعني، استلهمي أفكارك من تفاصيل الواقع البسيطة، واكتبي اللي بيجي في بالك بحرية ومن غير ما تحاولي تكوني مثالية من أول مرة.. بعدين بيجي وقت التعديل والمراجعة. والأهم من ده كله، خليكي على طبيعتك وصادقة، وخلي ليكي أسلوبك وصوتك المميز في الحكي.
4- هل على الكاتب توخي حذر شيء ما، أو فكرة ما لا يجب أن يكتب عنها؟
الكتابة مساحة حرية واسعة، والكاتب يقدر يكتب عن أي فكرة، بس المهم هي "الطريقة". يعني ممكن الكاتب ياخد باله من شوية خطوط عريضة، زي إنه يتجنب الأفكار اللي بتدعو للكراهية، ويحترم خصوصية الناس لو بيكتب عن مواقف حقيقية، ويتعامل مع القضايا الحساسة بوعي ومسؤولية من غير ما تسبب أذى. في النهاية، القيمة مش في الفكرة نفسها، بل في الزاوية والهدف اللي بنطرحها بيه.
5- هل لديكِ فكرة معينة يتم التركيز عليها في أعمالك؟
كتاباتي بتركز دائمًا على "النفس البشرية" والعمق الإنساني، وإزاي بنتعامل مع مخاوفنا، وده بيخليها تميل لأدب الرعب النفسي والتشويق.
وطبعًا ده بيعتبر من أصعب أنواع الكتابة، لأنه مش بيعتمد على إخافة القارئ بمشاهد سطحية، بل بيتطلب مجهود كبير عشان نلمس أعماق العقل البشري، ونخلق حالة من الغموض والتوتر الداخلي المعقد.
6- حضرتك بتكتبي قصص رعب، الرعب له متعة خاصة عن الكتابات الأخرى؟ هل تستمتعين أكثر بكتابته؟
أكيد! الرعب له متعة وسحر مختلف تمامًا عن أي نوع تاني من الكتابة. المتعة دي بتيجي من إننا بنلمس مشاعر إنسانية خام وقوية زي "الخوف" والفضول والغموض.
وبالنسبة لي، نعم، بستمتع جدًا بكتابته؛ لأنه بيخليني أغوص جوة النفس البشرية وأكشف الصراعات والمخاوف اللي بنحاول مداراتها في العادي. هو مش مجرد تخويف، هو رحلة لاستكشاف إيه اللي بيخلينا بشر، وإزاي عقولنا بتتعامل مع المجهول.
7- لماذا التركيز في كتاباتك على قصص الأطفال، خاصة الجانب التربوي؟
الكتابة للأطفال هي امتداد لرسالة فهم النفس البشرية؛ فكما نغوص في أعماق البالغين لفهم تعقيداتهم، نزرع البذور الأولى السليمة في الأطفال لضمان نشأتهم بوعي وسلام نفسي.
8- قصة حضرتك التي تحمل عنوان «الرعب النفسي»، هل تقصدين النفس بذاتها، أم ماذا تقصدين بالرعب النفسي؟
عندما نتحدث عن "الرعب النفسي" في القصص، فنحن لا نقصد مجرد الرعب الذي يأتي من الخارج «مثل كائنات خيالية أو مواقف مرعبة عابرة»، بل نقصد "النفس البشرية ذاتها" بمخاوفها وتعقيداتها وصراعاتها الداخلية.
9- هل الخيال كافٍ لإيصال فكرة الكاتب للقارئ؟
الخيال هو الجناح الذي يطير به الكاتب، لكنه وحده لا يكفي دائمًا لإيصال الفكرة بشكل كامل وعميق.
الخيال يجذب انتباه القارئ ويأخذه في رحلة ممتعة، ولكن لكي تصل الفكرة وتستقر في وجدانه، نحتاج إلى مزيج متكامل:
مشاعر صادقة، والواقعية في التفاصيل، وكمان الهدف.
10- هل يومًا طرأت بخاطرك فكرة معينة تريدين كتابتها، ولكنك تخشينها؟
أكيد! بتيجي أوقات بتخطر على بالي أفكار جريئة وعميقة جدًا، خاصة لما بنغوص في أعماق النفس البشرية والجانب المظلم منها. ساعات بحس إن الفكرة قوية لدرجة إني بتردد أو بخاف أكتبها، مش خوف من الفكرة نفسها، لكن خوف من إني "ما أوفيش حقها" في الكتابة، أو إنها تلمس مناطق حساسة جدًا جوايا أو جوة القارئ.
بس في النهاية، الخوف ده بيتحول لتحدي، وبكتشف إن أصعب الأفكار وأكثرها رعبًا هي اللي بتطلع أصدق وأجمل الأعمال لما بنواجهها.
11- هل تأثرت موهبة حضرتك ببعض الكُتاب الذين تقرئين لهم؟
أكيد! القراءة المستمرة هي الوقود الحقيقي لأي كاتب، والكاتب إحسان عبد القدوس له بصمة وتأثير كبير على طريقتنا في التعبير.
رغم إن كتاباتي بتميل أكتر للرعب النفسي والتشويق، إلا إني اتعلمت منه حاجات مهمة جدًا أثرت في أسلوبي، منها: الجرأة في طرح القضايا، والصدق في التعبير عن المشاعر.
12- ما هو الحلم الذي تسعين إليه؟
أسعى إلى أن أترك بصمة حقيقية ومؤثرة من خلال كتاباتي؛ سواء في أدب الرعب النفسي الذي يغوص في أعماق العقل البشري، أو في الجانب التربوي والتعليمي الذي يهدف إلى بناء وعي الأطفال وغرس الأمان والشجاعة في نفوسهم.
حلمي هو تقديم أعمال تجمع بين التشويق والعمق الإنساني والاجتماعي -على خطى الكبار مثل إحسان عبد القدوس- بحيث لا تكون مجرد قصص مسلية، بل مرآة تناقش قضايا المجتمع، وتلامس القلوب، وتترك رسالة هادفة تدفع للتأمل والتغيير نحو الأفضل.
13- هل لديكِ عمل قادم؟
آه، إن شاء الله في رواية قادمة اسمها «ترانيم في القاع».
14- ما الرسالة التي تودين أن تصليها للقراء من خلال الكتابة؟
أسعى من خلال كتاباتي إلى أن أكون مرآة تعكس صراعات النفس البشرية ومشاكل المجتمع. رسالتي هي أن الأدب ليس مجرد تشويق وتسلية؛ بل هو جسر لفهم مخاوفنا ومواجهتها بشجاعة.
سواء في أدب الرعب النفسي، أو في كتاباتي للأطفال، أود أن أقول للقارئ: لا تخف من الغوص في أعماقك، فخلف كل خوف يكمن وعي جديد، وبداية حقيقية للأمل والشفاء.
في النِّهاية: فكلُّ موهبة لديها بدايةٌ وطريقٌ تسلكه مختلفًا عن غيرها. واليوم في «قعدة مبدعين» استعرضنا موهبة بدأت ملامحها تظهر في عالم الأدب بصدفة أنتجت لنا موهبة متعددة، دون تكلُّف في إبراز نفسها في الوسط الأدبي.
تحدَّثت الكاتبة دينا لنا عن رسالتها وحلمها، وعن خطواتها القادمة.
في النهاية: فلا يسعنا إلَّا أن نقول: وراء كلِّ كلمة حكاية بطابع خاصّ لأصحابها، ووراء كلِّ حكاية رسالة إنسانيَّة. في النِّهاية نشكر الكاتبة «دينا عصام» على وقتها، وحرصها على طرح أفكارها لنا.
حوار: ولاء خلف.



