مجلة قعدة مُبدعين
"أحمد خالد توفيق.. الرجل الذي سبق زمنه"
لم يكن أحمد خالد توفيق من أولئك الكُتّاب الذين يطرقون الباب بصخب،
بل دخل إلى أجيالٍ كاملة بهدوءٍ غريب،
كصديقٍ يجلس بجوارك في آخر الليل،
يحكي لك عن الأشباح،
ثم يتركك فجأةً تفكر في نفسك أكثر مما تفكر في الأشباح ذاتها.
وُلد في طنطا عام 1962م،
ودرس الطب حتى صار أستاذًا فيه،
لكنه بدا دائمًا كمن يعيش بنصفِ روحٍ هنا…
والنصف الآخر في مكانٍ لا تراه العين.
حين بدأت سلسلة "ما وراء الطبيعة" عام 1993م،
لم يكن أحد يتوقع أن ذلك الطبيب الهادئ
سيصنع جيلًا كاملًا من القرّاء.
لم يكن يكتب الرعب باعتباره وحوشًا وظلالًا فقط،
بل كان يكتب الإنسان حين يخاف،
حين يشك،
وحين يكتشف أن العالم أكبر وأكثر غموضًا مما ظن.
ثم جاءت "فانتازيا"،
ففتح للقارئ أبواب الأساطير والتاريخ والخيال،
وجاءت "سافاري"
لتأخذنا إلى أفريقيا،
حيث المرض والفقر والأسئلة الثقيلة التي لا تُدرَّس في كليات الطب.
أما في رواياته مثل "يوتوبيا" و"السنجة" و"مثل إيكاروس"،
فقد بدا أقل ميلًا للخيال،
وأكثر اقترابًا من الواقع المخيف الذي نعيشه.
كتب عن البشر حين تفقد الرحمة معناها،
وعن المدن التي تأكل أبناءها بهدوء،
وعن الإنسان الذي يهرب من نفسه… فلا ينجو.
ولم يكن مجرد روائي،
بل كتب مقالات ساخرة وإنسانية
في كتب مثل "فقاقيع" و"الآن نفتح الصندوق"،
فكان يضحكك بسطر،
ثم يترك في صدرك سؤالًا لا يهدأ.
رحل في الثاني من أبريل عام 2018م،
لكن بعض الكُتّاب لا يرحلون فعلًا،
لأنهم لا يتركون وراءهم كتبًا فقط…
بل يتركون طريقةً كاملة لرؤية العالم.
أحيانًا أشعر أن الدكتور أحمد خالد توفيق لم يكن مجرد كاتب… بل رجلٌ عابرٌ للزمن. لم يكتب الخيال… بل كتب ما سيحدث… ثم تركنا نصل إليه وحدنا.
في يوتوبيا
رأى عالمًا تتسع فيه الفجوة بين البشر… أغنياء يعيشون في عالم… وفقراء يعيشون في عالمٍ آخر… والرحمة تتآكل بهدوء… وكأن الإنسانية تتلاشى دون أن نشعر.
وفي ممر الفئران
كتب عن عالمٍ يسير في الظلام… الناس فيه تمشي… لكنها لا ترى… تعيش… لكنها لا تفكر… وكأن الخوف أصبح أسلوب حياة.
لم يكن يكتب روايات بقدر ما كان يكتب تحذيرات… وكأن قلبه كان يرى ما سيأتي… فحاول أن يترك لنا إشاراتٍ على الطريق.
المرعب… أننا قرأنا كتبه يومًا باعتبارها خيالًا… ثم استيقظنا لنجد أننا نعيش داخلها.
ربما لم يكن يعلم الغيب… لكنه فهم الإنسان جيدًا… ومن يفهم الإنسان… يستطيع أن يرى الزمن قبل أن يحدث.
أحيانًا أشعر… أن أحمد خالد توفيق لم يكتب عن المستقبل… بل كتب عن حاضرنا… لكن قبل أن يصل إلينا بسنوات.
بقلم: بسمة جمعة
