أحمد شوقي من الجدل إلى الإنصاف

 مجلة قعدة مُبدعين 


"ولاء خلف...." تكتب

"أحمد شوقي من الجدل إلى الإنصاف" 

في عام 1927 جاءت جموع الشعراء العرب لمبايعة شوقي لإمارة الشعر، وكما قال فيه حافظ: جئت مبايعًا وهذه الدول قد بايعت معي. في هذا المشهد المهيب، ومن قبله وبعده، نعلم أن أحمد شوقي من الشعراء الذين أثاروا جدلًا واسعًا قبل وفاته وبعدها. ولكن، هل كانت إمارة الشعر محاربة من بعض المصريين والعرب؟  
فبعد تلك المبايعة، رأى بعضهم أنه لا يستحق، وأن هناك من هو أجدر منه، وقال آخرون إن اللقب يحمل مبالغة لشاعر. ومن هذا الجدل إلى جدل أوسع.  

جميعنا يتغنى بأشعار شوقي التي عزفتها أوتار قلبه في حب الوطن، ومن بينها القصيدة الأكثر شيوعًا وجدلًا «نهج البردة».  
وفي أحد أبياتها قال: (وطني لو شُغلتُ بالخلد عنه نازعتني إليه في الخلد نفسي)،(الخلد تعني:الجنة)،
 ولأننا شعب متدين بالفطرة ونُقيم الحكم على الأشخاص بغير إدراك ووعي كافٍ، فقد شوقي الكثير من جمهوره بسبب هذا الشطر، الذي أحب سماعه وكثيرًا ما أُردده.  
ولكن يبقى السؤال: هل أمير الشعراء، صاحب هذه القصيدة في مدح الحبيب ﷺ، يقع في خطأ كهذا؟  
ولأننا أيضًا لا نُطيق التفتيش بغرض التعلّم، فقد هاجمه الكثيرون دون دراية كافية. وهنا أقول:  
"لو" في اللغة العربية حرف امتناع لامتناع، أي إن الفعل مستحيل الحدوث، مثل: لو زارني لأكرمته.  
فهو في معنى الشطر يقول: لا يمكن الانشغال عن الوطن بالخلد؛ لأن حب مصر شيء فطري، وهنا شوقي ينفي ولا يُقرِّر. وإذا أكملنا الشطر الذي يليه نجده يقول: (وهل أبتغي معيشةً إلا العيشَ في كنفه).  
وهنا يبكي بحرقة على بعده عن بلاده، وهذا يعكس شوقه.  
توفي شوقي، وكان آخر ما نطق به الصلاة على البشير ﷺ.  

*شوقي معجزة الشعر والشعراء*  
شوقي مدرسة شعرية مكتملة.  
والمدرسة الشعرية تعني، بالمعنى البسيط، أسلوبًا في الكتابة يتبعه تلاميذ يسيرون على نهجه في الشعر، في قوة اللغة، وبعض الأغراض التي كان يتبعها، والنزعة إلى إحياء الشعر الكلاسيكي. ونعلم أن من أهم تلاميذه حافظ إبراهيم، وخليل مطران، وغيرهما كثيرون.  
فعندما أقول إن شوقي مدرسة شعرية مكتملة الأركان، فهذه ليست تزكية، ولكنها عبارة استحقاقية موجودة بالفعل.  
فشوقي له كيان خاص، وأسلوب وطريقة، وله أجيال تتعلم منه وتكتب كما كان يكتب.  
أتذكر أحد الشعراء المحدثين كان يكتب دائمًا على خطى شوقي، وكان سؤالي دائمًا: لماذا شوقي؟  
فكان الدافع الذي جعلني أتعمق في سماع وقراءة شعره، ومن هذا التعمق إلى حبه، ثم إلى إدراك بعض مفاتيح شخصيته، ورؤيتي للحب من منظوره.  

*عن الهوى والهوية*  
فإن شوقي من الشعراء الذين لم يسلموا من معركة الهوية.  
فقد قال بعضهم: كردي، وقال آخرون: تركي، وقالوا أيضًا إن ألفاظه فارسية.  
واختلاط الأجناس في عائلة شوقي ليس مجهولًا، ونعلمه جيدًا.  
ولكن أحمد شوقي مصريٌّ أصيل.  
هل يُنفى الإنسان من وطن غير وطنه؟  
وهو رأيٌ يُجانبه الصواب.  
ثانيًا: هل يهتم إنسان بغير وطنه، ويتغنى بحبه شعرًا، ويهتم بقضاياه المختلفة؟  
وعلى غرار ذلك، نجد تغيرًا حدث في شخصية شوقي؛ فإنه بعد المنفى أصبح أكثر رقة، مهمومًا بقضايا مصر، شغوفًا بالكتابة عنها، لم نسمع من قبل أن كرديًا قال في حب مصر: «سلوا قلبي»، القصيدة التي اتخذها الشعب نشيدًا للمقاومة وكانت تُردَّد في المظاهرات ضد الاحتلال:  
«وما نيلُ المطالب بالتمني، ولكن تُؤخذ الدنيا غلابًا»

لماذا تريدون نزع هويته؟

إذن، أحمد شوقي مصريٌّ أصيل، شعره مصريٌّ خالص، ومكانه في قلوب المصريين لا ينازعه فيه أحد. 
 
أمير الشعراء كان ينظم الشعر بروحه ليتدفق إلى أرواحنا.  
في كل شطر، وفي كل قصيدة، نجد روحه تلامس أرواحنا.  
شوقي مدرسة شعرية ستظل خالدة للتعلّم منها والتغني بها، وللقوة والدفاع.  

لم يترك شوقي شيئًا إلا وكتب عنه، بل ترك ثروة نكتشفها كل يوم. وفي النهاية ينتهي الجدال، وتبقى القصائد شاهدة على رحلةٍ عظيمةٍ لشاعرٍ صنع عوالمه داخل عوالمنا.

إرسال تعليق

أحدث أقدم