أ.. أنت

 مجلة قعدة مُبدعين 


"أ.. أنت" 

أكرهك..  
لا لشيءٍ،  
إلا لأنك جعلت اللغة التي كانت سيفي  
تنكسرُ على شفتيّ كزجاجٍ رخيص.  
أقفُ أمام المرآةِ ساعةً كاملة،  
أخيطُ جملةً واحدةً من حريرِ الكبرياء  
لأقولها لكَ،  
فإذا رأيتُكَ...  
تمزقَ الحريرُ،  
وسقطتُ أنا عاريةً من الحروف.

أ.. أنتَ.

حرفانِ لا ثالثَ لهما.  
لكنني أحتاجُ دهوراً من الصمتِ،  
وعمراً من التدريبِ على التنفس،  
كي أنطقهما دون أن يرتجفَ صوتي  
فيفضحني،  
دون أن تزحفَ حمرةُ الخجلِ من عنقي  
إلى أذنيّ كجيشِ احتلال،  
دون أن أشعرَ أن قلبي  
مجرمٌ هاربٌ  
يريدُ أن يقفزَ من بين ضلوعي  
ليعترفَ بكل شيءٍ  
في كفّك.

يقولونَ عني فصيحة.  
يقولونَ إن الحبرَ يركعُ إذا أمرتُهُ،  
وإنني أسكتُ المجالسَ إذا تكلمتُ.  
ولا يعلمونَ أنني أمامكَ  
أصيرُ أمّيةً.  
طفلةً تائهةً تبحثُ عن أبجديتها  
في جيوبِ ثوبٍ لا تملكهُ.

تراني؟  
شفتايَ ترتجفانِ كأنّهما على وشكِ نطقِ اسمِ محرم.  
صدري يعلو ويهبطُ،  
كأنّ الكلماتِ تخوضُ حرباً أهليةً في حنجرتي،  
وكلّها تسقطُ قتيلةً  
قبلَ أن ترى النور.  
وجهي؟  
وجهي خريطةُ حربٍ خاسرة:  
أصابعي تعصرُ طرفَ ثوبي حتى تبيضَّ مفاصلُها،  
وعينايَ... آهٍ من عينيّ.  
عينايَ خائنتانِ،  
تفضحانِ كلَّ الأسرارِ التي أقسمَ لساني أن يدفنها.

يضحكُ العالمُ على تلعثمي.  
لا يعلمونَ أن هيبتكَ وحدكَ  
كافيةٌ لتجعلَ قاموسي كلّهُ  
يتساقطُ من رأسي  
كأوراقِ خريفٍ ميت،  
ورقةً... ورقة.

أتلعثمُ لأني أخاف.  
أخافُ أن أقولها كاملةً فتتعوّدَ عليها أذناكَ  
وتصيرَ عاديةً كالخبزِ والماء.  
أخافُ أن تقولها أنتَ،  
فأموتَ في الحالِ  
من فرطِ أنني تمنيتُها.

فدعني أتلعثم.  
دع اللغةَ كلّها تنتحرُ على عتبةِ اسمك.  
لأن هذا التلعثمَ المكسور،  
هذا الخوفَ الأخرس،  
هذا الموتَ الصغيرَ في كلّ حرفٍ لا يخرج...  
هو أصدقُ "أحبك"  
نزفتها حنجرتي  
في حياتي كلها.

أ.. أنا...  
تباً لكَ.  
تباً لهيبتكَ،  
وتباً لقلبي الذي يخونني.  
قلها أنتَ.  
أو دعني أموتُ  
وفي فمي نصفُ كلمةٍ  
كانَ من المفترضِ أن تنقذني.

أ.. أنتَ.
#عزيزي نون....

بقلم: الكاتبة "بسمة جمعة"

إرسال تعليق

أحدث أقدم