مجلة قعدة مُبدعين
حوار مع الكاتبة بسمة جمعة القاضي
واليوم نتحدث عن زاوية الغموض والنفس البشرية، والغوص في أعماق النفس. وهنا أقدر أن أقول إنها «أجاثا كريستي العصر» بنَفَس عربي مصري يفتش في التاريخ والأسرار.
في هذا الحوار تتحدث عن الواقع وكيف كان بداية لعالم كامل، ونتعرف على رؤيتها للكتابة والعلاقة بين الكاتب ووسائل التواصل.
1- بما أننا نعرف بسمة جيداً وهذا ثاني حوار لنا معها، فالأولى أن تعرفينا بشخصيتكِ في الكتابة؟
يعني كيف كانت البداية؟ وما الذي يجلب الإلهام للبدء في رواية جديدة؟
أقدر أن أقول إن شخصيتي في الكتابة قريبة جداً من العوالم الغامضة والنفسية، أحب الكتابة التي تجعل القارئ يشعر بأنه داخل الحكاية وليس مجرد قارئ لها. أحياناً جملة واحدة أو مشهد صغير يظل يطاردني حتى يتحول إلى عالم كامل، وكأن أبطال الرواية هم من يكتبون حكاياتهم بقلمي.
بدايتي كانت وأنا في المرحلة الإعدادية، وقتها كنت أكتب "اسكريبتات" قصيرة وأعطيها لمدرس اللغة العربية ليصححها لي ويقول رأيه فيها، ومن هنا بدأت أشعر فعلاً بأن الكتابة ليست مجرد هواية عابرة.
أما عن شخصيتي في الكتابة, فأنا أميل جداً للعوالم الغامضة والنفسية، وحلمي أن أكون "أجاثا كريستي" العصر الحالي بطريقتي الخاصة، لأني أحب التفاصيل التي تجعل القارئ يعيش داخل المشهد ويشعر بكل شيء فيه. والإلهام غالباً يأتي من المشاعر القوية، ومن التاريخ، ومن الأسئلة التي ليس لها إجابة واضحة… أحياناً مجرد حلم قصير أو جملة عابرة يفتح داخلي باب رواية كاملة.
2- هل للواقع تأثير على الكتابة بشكل عام وعليكِ بشكل خاص؟
أكيد، الواقع له تأثير كبير جداً على أي كاتب، لأن الكاتب في النهاية يكتب من مشاعره وتجربته ونظرته للحياة. حتى لو الرواية خيالية، لا بد أن يكون فيها جزء حقيقي من إحساس الكاتب، وإلا فالقارئ لن يستطيع تصديقها أو التأثر بها.
أما بالنسبة لي، فالواقع دائماً يكون الشرارة الأولى لأي فكرة. ممكن موقف بسيط جداً، أو شخص عابر، أو حتى شعور معين يظل عالقاً في ذهني ويتحوّل بعد ذلك لعالم كامل داخل الرواية. وأحياناً الواقع يكون أقسى وأغرب من الخيال نفسه، وهذا ما يجعلني أميل للكتابة النفسية والغموض، لأني مؤمنة بأن أكثر الأماكن رعباً ليست الأماكن المهجورة... بل ما يختبئ داخل النفس البشرية.
3- كيف تبدأ المواهب الجديدة رحلتها؟
أهم شيء أن تبدأ أي موهبة جديدة من غير خوف ومن غير انتظار للكمال، لأن ليس هناك كاتب بدأ وهو كامل. البداية الحقيقية تكون بالمحاولة، حتى لو كانت النصوص الأولى بسيطة أو فيها أخطاء، فكل خطوة تُعلّم الكاتب شيئاً جديداً.
كذلك القراءة مهمة جداً، لأن الكاتب الجيد لا بد أن يكون قارئاً جيداً قبل أي شيء. القراءة توسع الخيال وتجعل الشخص يكتشف أساليب وأفكاراً مختلفة تساعده على تطوير نفسه. ومن المهم جداً أيضاً أن تتحلى الموهبة بالصبر، لأن النجاح في الكتابة لا يحدث فجأة، بل هو رحلة طويلة فيها تطوير وتعب وتجارب كثيرة، ولكن الاستمرارية هي التي تصنع الفرق الحقيقي.
4- ما الفكرة التي تتمنين الكتابة عنها؟
أكثر الأفكار التي تشدني هي الأفكار التي فيها غموض نفسي وصراع مع الزمن والتاريخ. أتمنى أن أكتب عملاً يجعل القارئ طوال الوقت غير متأكد إذا كان ما يحدث حقيقة أم وهماً، ويجعله يعيد التفكير في كل التفاصيل بعد النهاية.
كذلك عندي شغف كبير بالحضارة المصرية القديمة، وأحب فكرة ربط التاريخ بالغموض النفسي والفانتازيا، لأن التاريخ بالنسبة لي ليس مجرد أحداث قديمة، بل هو عالم مليء بالأسرار والأسئلة التي لم يعرف أحد إجابتها الكاملة بعد.
وأنا مدينة بالفضل في حبي للتاريخ لأستاذي ومعلمي الراحل محمود العسكري، رحمه الله وغفر له. لو كان على قيد الحياة، أظن أنه كان سيكون أكثر شخص يقدر على مساعدتي للوصول إلى تفاصيل تاريخية عميقة وصعبة كنت دائماً أبحث عنها بشغف كبير. وأظن أن أكثر نوع كتابة أحلم بالوصول إليه هو العمل الذي يظل عالقاً في عقل القارئ حتى بعد أن يغلق الصفحة الأخيرة.
5- هل تبنين عوالمكِ من خلال الكتابة؟
نعم، وبشكل كبير جداً. أنا لا أكتب أحداثاً وفقط، أنا أحاول بناء عالم كامل له روح وقوانين وإحساس خاص به، كأن القارئ يدخل جوفه من أول صفحة ويعيش فيه. أحب التفاصيل الصغيرة جداً التي تجعل المكان حياً؛ كالصوت، الرائحة، الإحساس، وحتى الصمت الذي يكون بين الشخصيات. بالنسبة لي، العالم ليس مجرد خلفية للقصة، بل هو جزء أساسي من الأحداث ويؤثر على الشخصيات وقراراتها أيضاً. وأحياناً أشعر بأن العالم نفسه هو من يقودني في الكتابة، لست أنا من يفرض عليه المسار.
6- هل تساعد وسائل التواصل الاجتماعي على إبراز الموهبة؟
نعم، وسائل التواصل أصبحت تؤدي دوراً مهماً جداً في ظهور أي موهبة، وخصوصاً في الكتابة. هي تجعل الكاتب قريباً من الناس، ويستطيع مشاركة جزء من أفكاره ونصوصه والوصول بصوته بشكل أسرع من الطرق التقليدية. لكن في الوقت نفسه، أنا أرى أنها ليست كافية وحدها. الموهبة الحقيقية تظهر مع الوقت, ومع الاستمرار، ومع تطوير الأسلوب، وليس بمجرد الانتشار أو التفاعل. هي أداة مساعدة، لكن الأساس دائماً يكون الكتابة نفسها.
7- حدثينا عن روايتكِ وهذا النجاح من قبل النشر بما أنها تصنيف ثانٍ ما شاء الله؟
روايتي بالنسبة لي تجربة مختلفة جداً، لأنها تقدم تصنيفاً غير تقليدي يجمع بين الغموض والنفسية ولمسة تاريخية بشكل مختلف عن السائد. كنت حريصة على أن أقدم عالماً متكاملاً يجعل القارئ يعيش داخل الأحداث ويشعر بأنه جزء منها وليس مجرد متابع من الخارج. والحمد لله ردود الفعل قبل النشر كانت مشجعة جداً، وهذا جعلني أشعر بأن هناك فضولاً حقيقياً تجاه العالم الذي تقدمه الرواية. وهذا بالنسبة لي ليس “نجاحاً” بقدر ما هو مسؤولية كبيرة، لأن توقعات القارئ تجعل الكاتب دائماً حريصاً على تقديم أفضل ما عنده.
8- من خلال تعاملكِ مع دار الأثر، حدثينا عن بداية التجربة؟
بداية تجربتي مع دار الأثر كانت خطوة مهمة ومختلفة بالنسبة لي، لأنها أول مرة أتعامل فيها بشكل مباشر مع دار نشر. والأهم من ذلك أنهم أناس في غاية الذوق وتعاملهم راقٍ، ويجعلونك تشعر بأنك جزء منهم ولست مجرد كاتب ينشر رواية ويمضي. التجربة نفسها كانت مليئة بالتعلم والتفاصيل الجديدة عن عالم النشر، وجعلتني أرى الجانب العملي من الكتابة بشكل أوضح.
9- بما أنكِ جزء من مجلة «قعدة مبدعين»، هل المجلة فعلاً قائمة على مساعدة الشباب في بداياتهم وتقديمهم؟
نعم، وبكل صراحة المجلة لها دور واضح جداً في أنها تعطي مساحة حقيقية للمواهب الشابة، وهذا ليس مجرد كلام، بل هو واضح في الفرص التي تُقدّم فعلاً. هناك اهتمام حقيقي بأن يصل صوت أي موهبة جديدة ويُرى، وهذا مهم جداً في بداية أي كاتب. وكذلك يكون هناك دعم وتشجيع مستمر، وهذا يجعل أي شخص يعمل معهم يشعر بأنه يأخذ حقه وفرصته كاملة في الظهور والتطور، لأن أي مبدع في البداية يحتاج إلى منصة تشجعه وتحتوي صوته بدل أن يظل مجهولاً.
10- حدثينا عن تجربتكِ في «قعدة مبدعين» وهل هناك إفادة لكِ من وجودكِ فيها؟
تجربتي في «قعدة مبدعين» كانت من التجارب التي تركت أثراً حقيقياً عندي، لأن وجودكِ وسط كيان يجمع كل هذا العدد من المواهب والأفكار المختلفة يجعلكِ دائماً في حالة إلهام وتعلّم. الجميل في التجربة أن فيها تنظيماً واهتماماً واضحاً بالتفاصيل، وفي الوقت نفسه مساحة حرة لكل مبدع ليعبر عن نفسه ويجرب ويخطئ ويتعلم. وكذلك وجود شخصيات شغوفة بالمجال يجعل أي كاتب يشعر بأنه ليس بمفرده، وأن هناك بيئة تشجعه ليكمل ويطور من نفسه بشكل مستمر.
11- يأس الكاتب يكون مختلفاً عن الشخص العادي؟
وهل عندما يشعر بأن الكتابة تأخذ أكثر مما تعطي يمكن أن يفقد الأمل فيها أو يعتزلها تماماً؟
نعم، يأس الكاتب مختلف… لأنه لا يكون مجرد إحباط عابر، بل هو إحساس بأنك تعطي من روحك أكثر مما تأخذ، وأن ما بداخلك أكبر من قدرتك على إخراجه. في لحظات يصبح الكاتب فيها شاعراً بأنه يكتب في فراغ، وأن كل ما يكتبه ليس كافياً، ولا قريباً حتى مما كان يريد قوله.
وفي أوقات فعلاً يشعر بأن الكتابة تستنزفه، تأخذ منه أكثر مما ترجع له، وهذا ممكن أن يجعله يصمت… يختفي قليلاً… أو يشك في نفسه وفيما يفعله. لكن الغريب أن حتى في لحظات الضعف هذه، الكتابة تظل تاركة أثرها بداخله. يمكن أن يبتعد، لكنه لا يستطيع قطعها تماماً… لأنها في النهاية ليست مجرد شغف، بل هي شيء أشبه بالوجع الذي اعتاد على وجوده.
12- هل تفكرين حالياً في عمل قادم أم منتظرة صدور العمل الحالي؟
أنا لا أوقف كتابة والحمد لله، الكتابة عندي مستمرة طوال الوقت بشكل أو بآخر، سواء كانت نصوصاً قصيرة أو خواطر أو أفكاراً صغيرة. لكن في الوقت نفسه، هناك فكرة لا تزال تتجمع داخلي بهدوء، ولا تزال تكتمل خطوة بخطوة. غير أنني حالياً مركزة أكثر على العمل الحالي، وأريد أن أعطيه حقه كاملاً قبل أن أبدأ في أي مشروع جديد، لأن كل عمل عندي يستحق التركيز الكامل حتى آخر لحظة.
في النِّهاية، فكلُّ موهبةٍ لها بداية وطريقٌ تسلكه مختلفٌ عن غيرها، واليوم في «قعدة مبدعين» كان معنا كاتبة تبني عوالم تتنفس بين الحقيقة والوهم. رحلتها في الوسط الأدبي لا تزال في بدايتها، وتحدَّثت الكاتبة بسمة لنا عن رسالتها وحلمها وخطواتها القادمة.
وفي الختام، لا يسعنا إلَّا أن نقول: وراء كلِّ كلمةٍ حكايةٌ بطابعٍ خاصٍّ لأصحابها، ووراء كلِّ حكايةٍ رسالةٌ إنسانيَّة. نشكر الكاتبة «بسمة جمعة» على فيضها في طرح موهبتها، وعلى حديثها عن التلقي والتأثير في عصر الميديا.
حوار: الصحفية"ولاء خلف"





