على رصيف العمر

 مجلة قعدة مُبدعين 


على رصيف العمر



بعد المشي قرابة الساعة، شعرتُ بالتعب. التقطتُ أنفاسي وجلستُ على الرصيف. كانت الشوارع خالية تمامًا، والرياح تحرّك الأشجار بعنف. التفتُّ حولي… كم هو جميل هذا المكان. خلفي سهول من التراب، وأمامي بعض المنازل المتفرقة فوق سهلٍ آخر. كانت هناك رائحة ياسمين خفيفة تبعث الدفء في المكان.

استلقيتُ على الرصيف، وأغمضتُ عينيّ وأنا أتنفس النسمات العذبة… فرأيتني عجوزًا، أمشي بخطوات مثقلة.

شعرتُ بالصدمة. كيف أصبحتُ هكذا؟ كيف فاتني عمري دون أن أشعر؟ كيف تسلّلت كل تلك السنوات من بين يديّ بصمت؟

تلفّتُّ حولي بسرعة… كنتُ في ذات المكان، الرصيف نفسه، وكل شيء كما هو. لكنني أنا من تغيّرت. أنا من هرِمت.

بدأت أبحث عن نفسي القديمة، عن شبابي الذي كان يُفترض أن يكون أجمل أيام العمر. بحثت عن أحلامي… فأدركت أنها تسربت من بين يديّ كالماء، بلا عودة.

وقفتُ، فارتعشت قدماي… خانتني صحتي.
وجدتُ نفسي في أسوأ حالاتي؛ لا أحلام، لا صديق، لا أحد بجانبي… سوى صوت الأشجار كما هو.

انهمرت دموعي بلا شعور. ارتعشت أطرافي وخارت قواي. كيف حدث كل هذا؟ كيف وصلتُ إلى هنا، بلا شيء؟ كيف لم أشعر بكل تلك السنين وهي تسرقني… وتسرق كل ما هو جميل فيَّ؟

لم أحقق حلمًا، ولم يبقَ صديقي بقربي، ولم أجد أهلي حولي.

جثوتُ على ركبتيّ أبكي بكل ما أوتيت من قوة…

شهقةٌ حادة شقّت صدري… وكانت كفيلة أن توقظني من ذلك الكابوس الواقعي.

نهضتُ بقلق، أتفقد نفسي… أحلامي… كل ما يخصني.
تنهدتُ بارتياح حين أدركت أنني ما زلت في شبابي، وأن الطريق لا يزال طويلًا، وأن الفرصة… لم تفلت بعد.

لملمتُ شتاتي، وجمعت ما بعثرته كوابيسي على رصيف العمر… ومضيت.

لكنني هذه المرة لم أمشِ كما كنت.
كنتُ أعرف أن هناك نسخةً مني تنتظر في آخر الطريق…
نسخةً قد لا تغفر لي إن وصلتُ إليها فارغ اليدين.

فالعمر لا يصرخ حين يرحل…
بل يمضي بهدوء،
وحدنا من نستيقظ متأخرين لنكتشف أنه لم يكن ينتظرنا.

بقلم: هيا برماوى 

إرسال تعليق

أحدث أقدم