مجلة قعدة مُبدعين
حوار مع الكاتبة روناء عبدالله
ضمن حرص مجلة «قعدة مُبدعين» على طرح المواهب الشابة، وتقديم نماذج مختلفة في عالم الأدب، نفتح اليوم نافذة جديدة من خلال الكاتبة "روناء عبدالله"، ابنة محافظة الشرقية، ذات الـ 17 عامًا، والتي استطاعت في سن مبكرة أن تجمع بين التفوق الدراسي وشغف الكتابة، لتثبت أن الموهبة الحقيقية لا تنتظر العمر بل تصنع طريقها بالإصرار والاجتهاد.
تُعد روناء من الأصوات الأدبية الصاعدة، حيث برزت موهبتها في الكتابة منذ سنواتها الأولى، وقدمت أول أعمالها الأدبية «بين السطور المفقودة»، إلى جانب حصولها على ميداليتين في مسابقة تحدي القراءة العربي، وهو ما يعكس شغفها الكبير بالقراءة والمعرفة وصقل موهبتها الأدبية.
بين الدراسة والموهبة كانت الأحلام تتصارع لديها، وليس أيّ أحد قادرًا على النجاح في كليهما، لكنها استطاعت استغلال أوقات فراغها للموازنة بين شغفها بالكتابة والتزامها الدراسي، فتمكنت وهي في المرحلة الثانوية من إصدار أول عمل ورقي لها.
وفي هذا الحوار سنتعرّف كيف استطاعت تحقيق هذا التوازن، وما الأحلام التي تراود فتاة تمتلك الموهبة والإرادة معًا؛ حيث تكمن القدرة الحقيقية في الاستمرار والمحافظة على الحلم رغم التحديات.
1:في البداية، نرحب بكِ، هل يمكنكِ تعريف القرّاء بنفسكِ؟
في البداية، أشكركم على هذا الترحيب الكريم.
أنا طالبة في المرحلة الثانوية، أمتلك شغفًا كبيرًا بالقراءة والكتابة، وأجد في الحروف عالمي الخاص الذي أعبّر من خلاله عن أفكاري ومشاعري. بدأت رحلتي مع الكتابة من خلال الخواطر، حيث كنتُ أدوّن ما أشعر به في لحظات مختلفة، حتى أصبحت الكتابة جزءًا أساسيًا من حياتي.
أسعى دائمًا إلى تطوير نفسي، سواء في دراستي لتحقيق حلمي في مجال الدراسة، أو في مجالي الأدبي، حيث أطمح أن أترك أثرًا طيبًا في قلوب القرّاء من خلال كلماتي.
2:كيف بدأتِ رحلتكِ مع الكتابة؟
بدأتُ رحلتي مع الكتابة حين شعرتُ أن في داخلي كلماتٍ تبحث عن مخرج، وأفكارًا لا يَسَعُها الصمت. لم تكن البداية مخططة، بل جاءت عفوية، كنبضةٍ أولى أعلنت أن للحروف مكانًا في حياتي. كنتُ أكتب لأفهم نفسي، لأُرتّب مشاعري، ولأُعبّر عمّا لا أستطيع قوله بصوتٍ مسموع.
ومع الوقت، تحوّلت الكتابة من مجرد وسيلة للتعبير إلى شغفٍ حقيقي، أجد فيه ذاتي وأكتشف من خلاله العالم من حولي. صرتُ أكتب لأنني أحبّ أن أترك أثرًا، وأن أُلامس قلوب الآخرين بكلماتي، وأن أُحوّل ما أشعر به إلى نصوصٍ تحمل جزءًا مني.
هكذا بدأت رحلتي… بسيطة في بدايتها، عميقة في أثرها، وما زالت مستمرة بكل شغفٍ وأمل.
3:لماذا اخترتِ كتابة الخواطر باللغة العربية الفصحى؟
اخترتُ كتابة الخواطر باللغة العربية الفصحى لأنني أرى فيها جمالًا لا يُضاهى، وقدرةً فريدة على احتواء المشاعر وصياغتها بأناقة وعمق. فهي لغة تحمل في حروفها تاريخًا، وفي مفرداتها سِعةً تُمكّنني من التعبير عمّا بداخلي بدقّةٍ وصدق.
كما أن الفصحى تمنح كلماتي طابعًا أكثر خلودًا وانتشارًا، فتصل إلى قلوبٍ مختلفة دون أن تُقيّدها لهجة أو بيئة معيّنة. أشعر أنها تُعبّر عني بشكلٍ أصدق، وتُضفي على خواطري قوةً ووضوحًا، وتجعلها أقرب إلى النفس وأكثر تأثيرًا.
لهذا، لم تكن الفصحى مجرّد اختيار، بل كانت امتدادًا طبيعيًا لما أريد قوله، وصوتًا يشبهني.
4:متى اكتشفتِ موهبتكِ في الكتابة؟
اكتشفتُ موهبتي في الكتابة في وقتٍ لم أكن أبحث فيه عنها، بل وجدتها تنمو بداخلي بهدوء. كان ذلك حين بدأتُ أعبّر عمّا أشعر به بالكلمات، فوجدتُ أنني أستطيع تحويل أفكاري ومشاعري إلى نصوصٍ تلامسني قبل أن تلامس غيري.
مع كل مرة أكتب فيها، كنتُ ألاحظ أنني أقترب أكثر من نفسي، وأن كلماتي تحمل شيئًا مختلفًا، شيئًا صادقًا ينبع من داخلي. حينها أدركتُ أن الكتابة ليست مجرد محاولة، بل موهبة تستحق أن أعتني بها وأن أُطوّرها.
ومنذ تلك اللحظة، أصبحت الكتابة جزءًا منّي، أعود إليها كلما أردتُ أن أفهم نفسي، أو أُعبّر عمّا يعجز عنه الكلام.
5:هل واجهتِ صعوبات في التوفيق بين الدراسة والكتابة، خاصة في المرحلة ثانوية؟
نعم، واجهتُ بعض الصعوبات في التوفيق بين الدراسة والكتابة، ويزداد الضغط وتكثر المسؤوليات. كان من الصعب أحيانًا أن أجد الوقت والطاقة للكتابة وسط المذاكرة والالتزامات اليومية.
لكنني لم أنظر إلى الكتابة كعبء، بل كانت متنفسًا أهرب إليه من ضغط الدراسة، ومصدرًا أستعيد به توازني. تعلّمتُ مع الوقت كيف أنظّم وقتي، فأمنح لكل جانب حقّه دون أن أُقصّر في الآخر.
لم تكن المهمة سهلة، لكنها كانت ممكنة بالإرادة والشغف. فالدراسة كانت هدفي، والكتابة كانت روحي… وكنتُ حريصة على ألا أخسر أيًّا منهما.
6:حدّثينا عن كتابكِ الأول، وكيف جاءت فكرة تأليفه؟
كتابي الأول هو تجربةٌ قريبة من قلبي، يحمل بين سطوره جزءًا كبيرًا من مشاعري وأفكاري التي عشتها في مراحل مختلفة من حياتي. لم يكن مجرد مشروعٍ للكتابة، بل كان مساحةً أعبّر فيها عن نفسي بصدق، وأسعى من خلالها إلى ملامسة قلوب من يقرؤه.
جاءت فكرته بشكلٍ تدريجي، من تراكم خواطر ونصوص كنتُ أكتبها في أوقاتٍ متفرقة، حين أشعر بالحزن، أو الأمل، أو الصراع مع النفس. ومع مرور الوقت، أدركتُ أن هذه الكلمات ليست عابرة، بل يمكن أن تجتمع لتكوّن عملًا أعمق يحمل رسالةً ويعكس رحلةً شعورية متكاملة.وقد حرصتُ على أن يكون ترتيب النصوص أشبه برحلةٍ ينتقل فيها القارئ بين الألم والشفاء، وبين الانكسار والقوة.
وهكذا وُلد كتابي الأول… من مشاعر صادقة، وتجارب حقيقية، ورغبةٍ صادقة في أن أقول لكل من يقرؤه: لستَ وحدك في ما تشعر به.
7:ما الموضوعات التي تتناولينها في خواطركِ؟
يتناول الكتاب موضوعاتٍ إنسانية قريبة من الجميع، مثل التفاؤل، والصبر، والحزن، وجلد الذات، والقدرة على التحمّل، والثقة بالنفس.
8:ما الرسالة التي تسعين لإيصالها من خلال كتاباتكِ؟
أسعى من خلال كتاباتي إلى إيصال رسالةٍ بسيطة لكنها عميقة: أن كل ما نشعر به إنساني ومشروع، وأننا لسنا وحدنا في معاركنا الداخلية. أحاول أن أُطمئن القارئ بأن الحزن لا يعني الضعف، وأن الصبر ليس استسلامًا، وأن بعد كل انكسار قدرة على النهوض من جديد.
كما أهدف إلى تشجيع القارئ على التصالح مع نفسه، والتخفّف من جلد الذات، والنظر إلى داخله برحمةٍ لا بقسوة. أريد أن أزرع في كل من يقرأ كلماتي بذرة أمل، وأن أُذكّره بقوته التي قد ينسى وجودها أحيانًا.
رسالتي هي أن الحياة، رغم ما فيها من صعوبات، تستحق أن نعيشها بثقةٍ وأمل، وأن داخل كل إنسان طاقة قادرة على التحمّل والتغيير، فقط إن آمن بنفسه.
9:من أكثر الأشخاص الذين يدعمونكِ في رحلتكِ الأدبية؟
أكثر من يدعمني في رحلتي الأدبية هم أولئك الذين آمنوا بكلماتي منذ بداياتي، وشجّعوني على الاستمرار دون تردّد. يأتي في مقدمتهم عائلتي، التي كانت دائمًا مصدر أمانٍ وثقة، تساندني وتدفعني للأفضل.
كما لا أنسى أصدقائي، الذين كانوا أوّل من يقرأ نصوصي ويمنحونني آراءهم الصادقة ودعمهم المستمر. ويأتي إلى جانبهم مدرسوني، الذين كان لهم دورٌ كبير في تشجيعي، فقد دعموا موهبتي، ووجّهوني، ومنحوني الثقة في قدرتي على التعبير والتميّز.
وكذلك كل قارئ وجد نفسه في كلماتي، وعبّر لي عن تأثّره بها، كان له أثر كبير في تحفيزي على الاستمرار.
هؤلاء جميعًا كانوا سببًا بعد الله في أن أؤمن بموهبتي أكثر، وأمضي قدمًا في طريقي الأدبي بكل شغفٍ وثقة.
10:ما أبرز التحديات التي واجهتكِ أثناء نشر كتابكِ؟
من أبرز التحديات التي واجهتني أثناء نشر كتابي كانت البداية نفسها، إذ لم يكن من السهل اتخاذ قرار تحويل خواطري الخاصة إلى عملٍ يُعرض للناس. كان هناك تردّد وخوف من عدم تقبّل الآخرين لكلماتي أو فهمها بالشكل الذي أريده.
كما واجهتُ صعوبة في تنسيق النصوص واختيار ما يستحق أن يكون ضمن الكتاب، فكل كلمة كانت تعني لي الكثير، وكان من الصعب الاستغناء عن بعضها. بالإضافة إلى ذلك، كانت هناك تحديات تتعلّق بإجراءات النشر نفسها، وما تتطلبه من وقتٍ وجهد وترتيب.
ولا أنكر أن التوفيق بين الدراسة والعمل على الكتاب كان تحديًا آخر، لكنني حاولت أن أوازن قدر الإمكان.
ورغم كل هذه الصعوبات، تعلّمتُ الكثير من التجربة، وأدركتُ أن الطريق ليس سهلًا، لكنه يستحق المحاولة، خاصة حين يكون نابعًا من شغفٍ حقيقي.
11:كيف كانت ردود أفعال القرّاء على كتابكِ؟
كانت ردود أفعال القرّاء من أجمل ما عشته في هذه التجربة، فقد فاقت توقّعاتي وأثّرت فيّ بشكلٍ كبير. أكثر ما أسعدني هو أن الكثير منهم وجدوا أنفسهم في كلماتي، وشعروا أن ما كتبته يُعبّر عمّا بداخلهم.
بعض القرّاء أخبروني أن الكتاب ساعدهم على فهم مشاعرهم بشكلٍ أعمق، وآخرون وجدوا فيه راحةً وطمأنينة، وكأن الكلمات كانت تُخاطبهم بشكلٍ مباشر. هذه التفاعلات جعلتني أشعر أن ما كتبته لم يكن مجرد كلمات، بل كان له أثرٌ حقيقي في حياة الآخرين.
كما تلقيتُ آراءً بنّاءة ساعدتني على رؤية كتابتي من زوايا مختلفة، وهذا بدوره شجّعني على التطوّر والاستمرار.
بصراحة، كانت ردود الأفعال دافعًا قويًا لي لأكمل طريقي، وأؤمن أكثر بأن للكلمة أثرًا قد يتجاوز ما نتخيّله.
في نهاية اللِّقاء:
قدَّمنا نموذجًا ملهمًا لفتاةٍ اختارت أن تبدأ طريقها مبكرًا، فالإيمان بالموهبة هو أول خطوة نحو النجاح. وقد أكَّدت الكاتبة "روناء عبدالله" خلال الحوار إعجابها بمجلة «قعدة مُبدعين» ودورها في دعم المواهب الشابة وتسليط الضوء على الكُتّاب في بداياتهم، لما تقدّمه المجلة من مساحة حقيقية تُشجّع المبدعين على الاستمرار وصناعة خطواتهم الأولى بثقة.
وفي الختام نتمنّى لها دوام النجاح والتوفيق في رحلتها الأدبية والدراسية، وأن تكون هذه البداية خطوة جديدة نحو مستقبل أدبي واعد.
مدير المجلة: الكاتب والإعلامي يوسف سليم.
حوار: الصحفية ولاء خلف.



