مجلة قعدة مُبدعين
حوار مع الكاتب عمار محمد
لكم يُسعِدنا استضافة الكاتب " عمار محمد " في البهو الواسع لمجلة ( قعدة مبدعين ) الذي يستقبل كل صاحب موهبة بحفاوة وترحاب شديدين ، محاولين تسليط الضوء على كل مهاراته التي ينفرد بها عمَّنْ سواه وهي سبب تفرُّده ، حيث يسرِد لنا قصة كفاحه كي يُثبِت ذاته ويُثبِّت أرجله في هذا المجال الذي ضمَّ العديد من الكتاب في الآونة الأخيرة ، وهو من مواليد محافظة دمياط له العديد من الأعمال الورقية من بينها ( روايتيّ فريد والرجل الغريب ) وكذا العديد من الأعمال الإلكترونية وأهمها ( الراهب الصامت ، فيلا السعادة ، مستودع رقم ٩ ، لقطة شاشة ، جزيرة الفاغر ، صوت من تحت الماء ) والتي نُشرَت على عدة منصات إلكترونية على رأسها كتوبيا حيث تشهد تلك الأعمال على تميُّزه ورغبته في التقدُّم والتألق في هذا المجال الفريد بطبعه ، وإليكم الحوار.
1.في البداية حدثنا كيف جاءت فكرة أول كتاب ؟ وما الذي دفعك لكتابته أكان هروباً من الواقع أم رغبةً في محاكاته ؟
بدأتُ الكتابة في سنٍّ صغيرة من خلال مسودات ومحاولات بسيطة كنت أبحث فيها عن طريقتي الخاصة في التعبير عن الأفكار، لكن في البداية كنت أواجه صعوبة في صياغة الفكرة وترتيب الأحداث بشكل واضح، إلى أنْ قرأتُ لأحد الأدباء المنتمين إلى مدرسة فيودور دوستويفسكي أن الفكرة قد تكون موجودة بالفعل منذ البداية لكن عمقها الحقيقي يتشكل أثناء الكتابة نفسها، وتتطور مع تقدم الفصول وتطور الشخصيات، ومن هنا تغيّر أسلوبي وأصبحت أكتب بثقة أكبر دون الاعتماد على مسودات تفصيلية مسبقة لأنها كانت تحجِّم تفكيري وتعوقني عن استكمال القصة ، أما دافعي للكتابة فى البداية كان هروبًا من الواقع لكنه مع الوقت اتَّجه من هروب كامل من الواقع لمحاولة لفهمه والتعبير عنه بطريقة مختلفة، وبطريقة تُشبهنى وتمثِّل أسلوبي الخاص ، وكانت هذه البداية خُطوة مهمة شجعتني على الاستمرار خاصة مع دعم أختي المستمر لي منذ أول تجربة حتى تحولت المحاولات إلى أعمال ورقية منشورة والحمد لله حققت حضورًا طيبًا في معرض الكتاب ٢٠٢٦.
2. ما مصدر إلهامك ؟ ، ومِمَ تستمد تلك التعبيرات التي تميِّزك عمَّنْ سواك من الكتاب ؟ ما سر اختلافك من وجهة نظرك ؟
مصدر إلهامي في البداية لم يكُنْ شيئًا خارجيًا بقدْر ما كان شعورًا داخليًا صادقًا حاولت من خلاله فهم ما يدور في النفس الإنسانية من مشاعر وصراعات وتجارب يمُر بها كل إنسان في مراحل مختلفة من حياته، ومع الوقت بدأت هذه المشاعر تتحول داخليًا إلى صور وأحداث وشخصيات أعبّر من خلالها عن هذه الحالة الإنسانية المشتركة بيننا جميعًا، ولذلك أرى أن الكتابة بالنسبة لي كانت ترجمة لإحساس داخلي قبل أنْ تكون مجرد فكرة تُبنى على الورق، أما عن سر الاختلاف من وجهة نظري فأعتقد أنه يرتبط بمحاولة الحفاظ على صِدق التجربة أثناء الكتابة وعدم السعي إلى تقليد نمط ثابت أو مجاراة اتجاه معين، لأنني أحرص دائمًا على أنْ يكون النص قريبًا مني ويُشبه أسلوبي وطريقتي في التعبير، فحين يشبه النص كاتبه يصل إلى القارئ بشكل أكثر صدقًا ويترك أثرًا حقيقيًا داخله.
3. ما هي الأجواء المناسبة للكتابة والتي تُزيد من تركيزك كي تَخُط الكلمات بدقةٍ متناهية ، أَتُفضِّل العزلة أم الاندماج مع البشر ؟
أفضل أجواء الكتابة بالنسبة لي هي الهدوء الذي يسمح لي بالتركيز الكامل مع الفكرة والدخول في عالم النص دون تشتيت، فكلما كان المكان بسيطًا وخاليًا من الضوضاء كلما استطعت أنْ أرى الشخصيات والأحداث بشكل أوضح وأقرب إلى الورق، لذلك أميل أكثر إلى العزلة أثناء الكتابة لأنها تمنحني مساحة أكبر للتفكير والتركيز في تفاصيل العمل، لكن في الوقت نفسه لا أستطيع إنكار أهمية الاندماج مع الناس والحياة اليومية، لأن التعامل مع البشر وملاحظة سلوكياتهم وتجاربهم هو المصدر الحقيقي الذي يغذي الكتابة ويمنحها الصدق والحياة.
4. كيف اكتشفت تلك المَلكة ؟ أكان الأمر بمَحض الصدفة ؟
لا أستطيع أن أقول أن اكتشاف موهبة الكتابة عندي بمَحض الصدفة، بل جاء بشكلٍ تدريجي من خلال محاولات بسيطة بدأت منذ سن صغيرة، حيث كنت أكتب مسودات وأفكار قصيرة دون هدف واضح في البداية، ومع الوقت لاحظت أن لديّ قدرة على تحويل المشاعر والأفكار الداخلية إلى صور وأحداث يمكن التعبير عنها على هيئة نصوص، ثم بدأ الأمر يتطور شيئًا فشيئًا مع القراءة والتجربة، وكان للدعم الكبير من أختي دور مهم جدًا في الاستمرار وعدم التوقف، لأنها كانت دائمًا تؤمن بما أكتبه وتشجعني منذ البدايات، حتى وصلت هذه المحاولات إلى مرحلة الأعمال المنشورة، فكان ذلك تأكيدًا لي أن الأمر لم يَكُنْ صدفة بل موهبة تم تنميتها بالممارسة والإصرار.
5. هل شاركت في مسابقات كتابة من قَبْل ؟ وهل حظيت بالفوز ذات مرة ؟
حتى الآن لم تكُن مشاركاتي في مسابقات الكتابة كثيرة بالشكل الرسمي، لكنني كنت أركِّز أكثر على تطوير نفسي من خلال التجربة العملية ونشر الأعمال سواء إلكترونيًا أو ورقيًا، والتفاعل المباشر مع القرّاء وردود أفعالهم، وهو ما أعتبره بالنسبة لي نوعًا مهمًا من التقييم الحقيقي.
وبالنسبة للفوز بالمعنى التقليدي في المسابقات، فلم يكُن هو الهدف الأساسي بالنسبة لي بقدر ما كان هدفي أنْ تصل كتاباتي إلى القارئ وتترك أثرًا لديه، ومع ذلك أعتبر كل خُطوة نجاح وكل عمل يتم نشره وتلقِّيه بشكل جيد هو في حد ذاته نوع من الفوز الذي يدفعني للاستمرار والتطور.
6. هل ترى للإبداع حدوداً ؟ وكيف ترى الساحة الأدبية اليوم أَأَنت راضٍ عن كل المحتويات التي يقدِّمها البعض أم أنك غير مكترث بما يكتبه الآخرون من نصوص قد توضع تحت بند الإسفاف ومجاراة السوق التجاري فحَسب من أجل المكسب المادي ؟
الإبداع في رأيي لا يمكن وضع حدود ثابتة له، لأنه مرتبط بالخيال الإنساني وتطوره المستمر، وكلما اتسعت رؤية الكاتب وزادت تجاربه كلما اتَّسع معه معنى الإبداع نفسه، لكن في المقابل يظل الإبداع الحقيقي مرتبطًا بالصدق في الطرح وليس فقط بمدى الانتشار أو النجاح السريع.
أما عن الساحة الأدبية اليوم فهي ساحة واسعة ومليئة بتجارب مختلفة، منها ما هو عميق ويستحق التقدير، ومنها ما قد يكون أقرب إلى الاستهلاك السريع أو مجاراة السوق، لكنني لا أركز كثيرًا على تقييم أعمال الآخرين بقدر ما أركز على تطوير نفسي وتجربتي الخاصة، لأن كل كاتب مسئول في النهاية عن بصمته هو وما يقدِّمه للقارئ.
7. ما القيم التي تحاول توصيلها من خلال كتاباتك؟
أحاول من خلال كتاباتي أنْ أقدّم مجموعة من القيم الإنسانية في المقام الأول، مثل فهم النفس البشرية، والتأمل في الصراعات الداخلية التي يعيشها الإنسان، وكيف يمكن للأفكار والمشاعر أنْ تؤثر في قراراته ومسار حياته، كما أحرص على إبراز فكرة أن كل إنسان بداخله جانباً خفياً لا يظهر بسهولة، وأن الكتابة يمكن أنْ تكون وسيلة لكشف هذا الجانب وفهمه بشكل أعمق.
وأؤمن أن الأدب ليس مجرد حكايات تُروَى، بل هو وسيلة لطرح أسئلة مهمة تظل عالقة في ذهن القارئ حتى بعد انتهاء النص، وتدفعه للتفكير في نفسه وفيما حوله بشكل مختلف.
8.أي الكتابات حقَّقت نجاحاً باهراً الورقية أم الإلكترونية؟
كلا النوعين لهما تأثير مختلف، ولا أستطيع فصل أحدهما عن تجربتي الأدبية، فالكتابات الإلكترونية كانت هي البوابة الأولى التي منحتني فرصة الانتشار والتفاعل المباشر مع القرّاء، وكانت مهمة جدًا في بناء اسمي وتجربتي في البداية، أما الأعمال الورقية فهي تمثِّل بالنسبة لي خطوة أكثر ثباتًا ونضجًا، لأنها تضع التجربة الأدبية في شكلها النهائي أمام القارئ.
وبشكل عام أرى أن النجاح الحقيقي لا يُقاس بكون العمل ورقيًا أو إلكترونيًا بقدْر ما يُقاس بمدى وصوله للقارئ وتأثيره فيه، والحمد لله بعض الأعمال الورقية حقَّقت حضورًا جيدًا خاصة في معرض الكتاب ٢٠٢٦، وهو ما أعتبره خطوة مهمة في مشواري.
9.هل ترى أنَّ هناك تواصلاً فعلياً بين القارئ والكاتب ومتى يتحقَّق ؟
نعم، أرى أن هناك تواصلاً حقيقيًا بين القارئ والكاتب، لكنه لا يحدث بشكل مباشر دائمًا، بل يتحقَّق عندما يصل النص إلى القارئ بطريقة تجعله يشعر أن ما يقرأه يمسه شخصيًا أو يعبِّر عن جزء من تجربته أو مشاعره، حتى لو كانت القصة مختلفة عنه في الأحداث.
هذا التواصل يتجلى في ردود أفعال القرّاء، وفي قدرتهم على التفاعل مع الشخصيات أو التأثر بها أو إعادة التفكير في بعض الأمور بعد القراءة، وعند هذه اللحظة تحديدًا يتحول النص من مجرد كلمات مكتوبة إلى تجربة مشتركة بين الكاتب والقارئ.
10. أي نوع من الكتابات تفضِّل الواقعية أم الخيالية ؟
أفضِّل المزج بين الواقعية والخيال، لأن الواقعية
تمنح النص صِدقه وقُربه من حياة القارئ، بينما يمنحه الخيال مساحة أوسع للتعبير والانطلاق، وأرى أن العمل الأدبي الناجح هو الذي يستطيع أنْ يجعل القارئ يصدِّق ما يقرأه حتى لو كان خيالًا بالكامل، بشرط أنْ يحمِل في داخله إحساسًا إنسانيًا حقيقيًا.
11. مِمَّنْ تفضِّل من الكتّاب القُدامَى ؟ وهل قرأت كل أعماله ؟ وأيهم الأقرب لقلبك ؟
كانت بدايتي مع القراءة من خلال روايات الجيب للكاتب نبيل فاروق وخاصة سلسلة الرجل المستحيل ، والتي كان لها تأثير كبير في تكوين علاقتي الأولى بعالم السرد والتشويق، كما تأثرت بطريقة التفكير وبناء الفكرة لدَى مدرسة فيودور دوستويفسكي من حيث ترك النص يتطور أثناء الكتابة، رُغم أنني لم أطَّلع على كل أعماله بشكل موسّع، إلى جانب تأثري ببعض أعمال المستشار أشرف العشماوي لما فيها من واقعية إنسانية قريبة من القارئ، لكن تبقى الأقرب إلى قلبي هي القصة القصيرة الرهان للكاتب أنطون تشيخوف لما تحمله من عمق فكري وإنساني رُغم بساطتها.
12. هل تشعر بأن هناك فجوة بين كتابات الماضي وكتابات اليوم ؟
أرى أن هناك اختلافًا طبيعيًا بين كتابات الماضي والحاضر، ناتج عن اختلاف الزمن والظروف ووسائل النشر وتغيُّر اهتمامات القارئ، لكن في النهاية يظل الأدب الحقيقي هو الذي يحمِل قيمة إنسانية ويستمر تأثيره بغض النظر عن العصر، لذلك لا أراها فجوة بقدر ما هو تطور طبيعي في شكل الكتابة.
13.هل تشعر بأنك حقِّقت النجاح المنشود أم ما زِلت على الطريق ؟ ومتى على المرء أنْ يشعر بذلك ؟
أعتبر نفسي ما زِلت في بداية الطريق، لأن النجاح في نظري ليس محطة نهائية بل رحلة مستمرة من التطوير والتجربة، والكاتب الحقيقي لا يتوقف عند نقطة معينة ويعتبرها نهاية، بل يظل يبحث عن الأفضل دائمًا، وأرى أن الإنسان يشعر بالنجاح عندما يلاحظ أثر ما يقدِّمه في الآخرين، ومع ذلك يظل لديه شغف للاستمرار والتطور.
14.هل حقَّقت كتبك الورقية مبيعات مُرضية في معرض الكتاب ؟ وهل يؤثر ذلك على رغبتك في الاستمرار أم أنك لا تلتفت لهذا الأمر أو تُعِده مقياساً للنجاح ؟
الحمد لله حقَّقت بعض الأعمال الورقية حضورًا جيدًا في معرض الكتاب ٢٠٢٦، وكان من بينها أعمال لاقت اهتمامًا ملحوظًا ووصلت إلى قوائم الأكثر مبيعًا داخل الدار، وهذا بالتأكيد يمثِّل لي دعمًا معنويًا كبيرًا، لكنه ليس المعيار الوحيد للاستمرار، لأن هدفي الأساسي دائمًا هو تطوير التجربة الأدبية والوصول للقارئ بشكل أعمق، وليس فقط الأرقام أو المبيعات.
وفي النهاية نشكر الكاتب على وقته الثمين في إجراء هذا الحوار متمنين له مزيداً من النجاح والتألق ، وما زِلنا في رِحاب الأدب نستظل به من تيارات الضياع ، نرحِّب بكل مبدع ، راغب في ترك الأثر ، يرى أن كلمته هى السلاح الذي يحارب به الحياة ويقضي على الفساد المتفشي في المجتمع ويُسهِم في نشر القيم والوعي وتخليد الثقافة بحيث يظل علمُها شامخاً مرفرفاً بين سائر الشعوب المتقدمة ، فمجلتنا هي منارة الأدب ومنبر الأدباء الذي يُتيح لهم الإدلاء بأصواتهم ويُشعِرهم بأن لكلماتهم صدىَّ مسموعاً في قلوب الكثيرين.
حوار: الكاتبة خلود أيمن.




