مجلة قعدة مُبدعين
حوار مع الكاتبة منة مصطفى
في زمنٍ أصبح فيه الظهور سريعًا والاختفاء أسرع، تظهر أحيانًا مواهب لا تعتمد على الضجيج بقدر ما تعتمد على العمق… مواهب تختار أن تبدأ رحلتها مبكرًا، لا بحثًا عن الشهرة، بل بحثًا عن المعنى.
نلتقي اليوم داخل مجلة (قعدة مُبدعين) مع الكاتبة الشابة "منة مصطفى" المعروفة أدبيًا باسم "مِنْچِيُّون"؛ تجربة مختلفة لروح اختارت أن تجعل من الكتابة مرآةً للذات، ومساحةً لفهم الإنسان قبل الحكم عليه.
رغم صغر سنها، استطاعت أن تقدّم عدة أعمال تحمل طابعًا فلسفيًا وتأمليًا واضحًا، حيث لا تكتب فقط لتُقرأ، بل لتُشعِر القارئ بأنه يرى نفسه بين السطور.
في هذا الحوار الخاص، نقترب من عالمها الإبداعي، ونكتشف كيف تتحول الكتابة من موهبة إلى هوية، ومن كلمات إلى أثرٍ حقيقي في حياة الآخرين.
حوار صادق، عميق، وإنساني… يكشف لنا كيف يمكن لقلمٍ صغير أن يحمل أسئلة كبيرة عن الذات والحياة والوجود.
1. بدايةً… كيف وُلد اسمك الأدبي "مِنْچِيُّون"؟ ولماذا اخترتِ أن تعبّري عن نفسك من خلال هذا اللقب تحديدًا؟
جاء الاسم من حُبي للاختلاف؛ حيث قمت بدمج اسمي مع اسم "چيون"، والذي يعني الشيء المشرق الجميل، بينما اسمي يرمز إلى العطاء.
ومن هنا جاء المعنى الكامل للاسم: "العطاء المشرق".
أحببت هذا الاسم كثيرًا، وشعرت بأنه الأقرب لي، وكأنه يعكسني بصورة أعمق وأكثر صدقًا من أي اسم آخر.
2. رغم صغر سنك، لديكِ عدة أعمال منشورة… متى أدركتِ أن الكتابة ليست مجرد تجربة بل هوية كاملة؟
بالنسبة لي، الكتابة ليست مجرد حروف تُكتب أو تجربة عابرة، بل هي كيان أعيش داخله ويعيش داخلي.
مع كل حرف أكتبه أجد جزءًا مني يظهر بين السطور، وكأنني أرى نفسي في ما أكتب.
الكتابة بالنسبة لي هوية كاملة، وليست مجرد ممارسة، بل علاقة عميقة تقوم على الحب والصدق والانتماء.
3. كتاب Eunoia – مرآة الذات يحمل عنوانًا فلسفيًا عميقًا، ماذا تمثل لكِ فكرة مواجهة الإنسان لنفسه؟
أرى أن الإنسان كيان عميق ومعقد، ولا يمكنه أن يعيش بسلام دون أن يفهم ذاته أولًا.
فالإنسان ليس مجرد ملامح وجسد يتحرك، بل روح تحتاج إلى فهم واحتواء، وإلى من يُنصت لها بصدق.
4. هل الكتابة بالنسبة لكِ وسيلة للهروب من الواقع أم طريقة لفهمه وإعادة تشكيله؟
أرى أن الكتابة ليست اتجاهًا واحدًا، بل مساحة متعددة الأبواب.
فهي أحيانًا ملجأ لمن يريد أن يهرب قليلًا من ثقل الواقع، وأحيانًا أخرى تكون وسيلة لإعادة ترتيب الداخل، وفهم الحياة بشكل أعمق، وربما إعادة تشكيلها من جديد.
5. كيف استطعتِ تحقيق هذا الإنتاج الأدبي في عمر 17 عامًا بينما ما زال كثيرون يبحثون عن بدايتهم؟
في الحقيقة، بدأت رحلتي حين كنت أجلس وحدي، أراقب القلم والورقة، وأتساءل: ماذا يمكنني أن أفعل بدلًا من الرسم؟
حينها اكتشفت أن بداخلي كلمات تنتظر أن تُكتب. ومع الوقت، أصبحت الكتابة جزءًا أساسيًا من يومي، ورفيقة دائمة لي.
وأؤمن أن اكتشاف الذات لا يرتبط بالعمر، بل بالصدق مع النفس، فكل إنسان له وقته الخاص ليبدأ.
6. ما الفكرة المشتركة التي تربط بين أعمالك الثلاثة: مرآة الذات، مولد نجم، وأين أنا؟؟
تجمعها فكرة واحدة أساسية، وهي: فهم الذات، ودعمها، وتعلّم حبّها بشكل صحي ومتوازن، والاعتماد عليها عندما يغيب الدعم الخارجي.
7. هل تشعرين أن جيلك يعيش صراع الهوية؟ وهل تحاول كتاباتك الإجابة عن هذا السؤال؟
نعم، أرى أن هذا الصراع حاضر بقوة في جيلنا.
نحمل داخلنا أحلامًا متعددة، وفي الوقت نفسه نعيش حالة من التشتت وعدم وضوح الاتجاه.
كثيرون لا يعرفون أنفسهم بشكل كامل، لا ما يحبونه ولا ما يريدونه، ولذلك أجد أن محور كتاباتي الأساسي هو "فهم الذات".
8. ما اللحظة التي شعرتِ فيها أن كلماتك بدأت تؤثر فعلاً في القرّاء؟
عندما بدأت تصلني رسائل من قرّاء يخبرونني بأن كتاباتي ساعدتهم على التحسن أو منحتهم شعورًا مختلفًا تجاه أنفسهم وحياتهم.
حتى بعض المحادثات البسيطة كانت كافية لأدرك أن للكلمة أثرًا حقيقيًا يتجاوز الصفحة.
9. كيف تتعاملين مع النقد خاصة وأنك كاتبة شابة تظهر مبكرًا أمام الجمهور؟
أتعامل مع النقد من خلال التمييز بين ما هو بنّاء وما هو سلبي.
النقد السلبي لا ألتفت إليه لأنه في الغالب لا يحمل قيمة حقيقية، بينما أحرص على الاستفادة من النقد البنّاء لأنه يساعدني على التطور والنضج في الكتابة.
10. هل تعتمدين على الإلهام اللحظي أم على الانضباط والالتزام أثناء الكتابة؟
أؤمن أن الانضباط هو الأساس الحقيقي لأي كاتب، وأن الالتزام بالكتابة حتى في غياب الإلهام هو ما يصنع الاستمرارية.
لكن في الوقت نفسه، لا يمكن إنكار دور الإلهام اللحظي، فهو يضيف روحًا خاصة للنص. لذا أرى أن كلاهما يكمل الآخر.
11. من أين تستمد "مِنْچِيُّون" طاقتها الإبداعية: من التجربة الشخصية أم من مراقبة العالم حولها؟
أستمد إلهامي من الاثنين معًا؛ أحيانًا من داخلي وتجربتي الشخصية، وأحيانًا من مراقبة العالم من حولي بصمت.
حتى المشاعر التي لم أمر بها، أحاول أن أستحضرها وأكتبها بإحساس صادق، لأن الكتابة في جوهرها لا تكتمل دون مشاعر حقيقية.
12. هل ترين أن العمر يمكن أن يكون عائقًا أمام الاعتراف بموهبة الكاتب؟ أم أن النص القوي يفرض نفسه دائمًا؟
في البداية، كنت أرى أن صغر السن قد يجعل البعض يشكك في الموهبة أو يقلل من قيمتها، لكنني أدركت لاحقًا أن العمر ليس معيارًا للحكم.
الوعي والنضج الفكري لا يرتبطان بالعمر، بل بالتجربة والإدراك.
وفي النهاية، النص القوي يفرض نفسه مهما كان عمر صاحبه.
13. ما الحلم الأدبي الأكبر الذي تسعين إليه خلال السنوات القادمة؟
أطمح إلى الاستمرار في الكتابة بشكل أعمق، وأن أترك أثرًا حقيقيًا في القارئ، يساعده على السلام الداخلي وفهم ذاته بشكل أفضل.
14. أخيرًا… ماذا تقول الكاتبة منة مصطفى لكل موهوب صغير يخاف أن يبدأ مبكرًا؟
ابدأ الآن، فلا يوجد وقت مثالي للبداية سوى اللحظة التي تقرر فيها أن تبدأ.
لا تسمح للخوف أو آراء الآخرين أن توقفك، وكن صادقًا مع نفسك ومع شغفك.
ومن الطبيعي أن تمر بفترات فقدان شغف أو تشتت، لكن الأهم أن تستمر.
استمر، فكل خطوة صغيرة تقرّبك من نجاحك الذي تستحقه.
في نهاية هذا اللقاء، ندرك أن الإبداع لا يُقاس بعدد السنوات، بل بعمق التجربة وصدق الشعور.
فـ "مِنْچِيُّون" لا تقدّم مجرد نصوص أدبية، بل تحاول أن تصنع مساحة آمنة لكل قارئ يبحث عن نفسه وسط ضجيج العالم.
ربما كانت بدايتها مبكرة، لكن الواضح أن الطريق أمامها ما زال ممتدًا بالكثير من الأحلام والمشروعات القادمة، لأن الكاتب الحقيقي لا يتوقف عند كتابٍ أو تجربة، بل يستمر في إعادة اكتشاف ذاته مع كل كلمة جديدة.
حوار يذكّرنا بأن أعظم خطوة في رحلة الإبداع ليست الوصول… بل الجرأة على البدء.
إعداد وحوار: "الكاتب يوسف سليم"
مجلة (قعدة مُبدعين)






