حوار صحفي مع الكاتبة بوسى محمد

مجلة قعدة مُبدعين 

حوار مع الكاتبة بوسى محمد 

في عالم الأدب، لا يولد الكاتب فجأة، بل تتشكل ملامحه بين الكتب، والتجارب، والأسئلة التي لا تتوقف عن البحث عن معنى الحياة. وفي "قعدة مُبدعين" نقترب دائمًا من الأصوات التي تصنع حضورها بالكلمة الصادقة والرؤية المختلفة.

نلتقي اليوم مع الكاتبة بوسي محمد علي، ابنة محافظة الشرقية، صاحبة الـ 25 عامًا، التي جمعت بين الكتابة الروائية والقصصية والترجمة والتصوير، لتصنع تجربة أدبية متعددة الأبعاد.

قدمت للقارئ روايتها الأولى "جذوة" (2025) التي حملت رؤية اجتماعية إنسانية دافئة، ثم عادت برواية "أوركا" (2026) لتغوص في أعماق النفس البشرية والأسرة والصراعات الداخلية بأسلوب مختلف وأكثر جرأة.

في هذا الحوار، نكتشف رحلة كاتبة تؤمن أن الكتابة ليست مجرد حكاية تُروى، بل محاولة لفهم الإنسان والحياة معًا.


1 نحب نبدأ من البداية… إمتى اكتشفتي شغفك بالكتابة؟ وإزاي بدأت رحلتك مع الرواية والقصة؟

اكتشفت شغفي بالكتابة مع بداية المرحلة الجامعية، انا درست و تخرجت بكلية الاداب جامعة الزقازيق، و كانت الشرارة الاولى هناك مع بداية دراسة الأدب الانجليزي و العربي أيضا، دراسة تحليلية، و دراسة أسس تكوين القصص و الروايات، هنا اتضح لي ان دخولي لهذا العالم لم يكن محض صدفة إطلاقا، و ان اختياري للمجال الادبي للدراسة في المرحلة الجامعية كان نابعا في الاصل من رغبة في استكشاف عالم الكتابة و الادب. 
بدأت الرحلة بكتابة مسودات عدة، افكار مشتتة، ترقب للطريق، لكن لهدف واضح. ٤ سنوات من التخطيط، حتى جاءت "جذوة"، روايتي الأولى. 

2 كيف أثرت القراءة والترجمة على أسلوبك في الكتابة وتطوير لغتك الأدبية؟

كان مجال دراستي عاملا مساعدا ذهبيا في هذه القصة، بدراسة و قراءة العديد من الروايات، الدواوين، و حتى ترجمتها، تكونت لدي خلفية قوية نوعا ما عن الكتابة. اصبحت اقوم بتحليل و نقد كل نص يقع عليه نظري حتى اثناء تصفح مواقع التواصل الاجتماعي. و بالطبع ارى المشاهد الدرامية و السينمائية من وجهة نظر الكاتب و المؤلف. يظهر التأثير الحقيقي للقراءة و الترجمة لدي في جميع مراحل الكتابة، في الإنشاء الأولي للحبكة كثيرا ما انتقد أسلوبي لأنني انظر للقصة تارة من منظور الكاتب، و اخرى من منظور القارئ. اما في مرحلة كتابة الفصول و ترتيب الاحداث و الحوار، احاول تفادي الثغرات التي قد تضعف القصة و اعمل على اثراء النص بسرد قوي و حوار يخدم الهدف الاساسي للرواية. اما في مرحلة التنقيح الاخير، يتم تدعيم بعض النقاط بشدة، بل و الاستطالة في تقديمها، و اخرى تتم ازالتها تماما.




3 روايتك "جذوة" كانت من أولى أعمالك… إيه الفكرة اللي كانت وراءها؟ وإيه اللي بيميزها؟
"جذوة" جزء كبير من هويتي ككاتبة. بها خطوت للمرة الأولى بشجاعة نحو هدفي، و معها تعلمت الكثير. تصنيفها اجتماعي رومانسي بطابع ديني ،و الفكرة وراءها هي تقديم قصة لحياة ليست مثالية، لكن مرجوة. تجيب عن اسئلة عديدة ،كيف يرجى أن يكون المجتمع بجميع عناصره؟ كيف يكون التكوين السليم للأسرة مساهما حقيقيا في إنجاح مجتمع بأكمله؟ ما الهدف من تكوين أسرة حقيقية مترابطة و كيف تكون المعاملة بين أفرادها؟ كيف تتسرب الأفكار السامة داخل مجتمعاتنا و عقولنا و تقدم لنا على هيئة نصح و تطوير ثم لا نجد منها سوى خراب؟ 
ما يميز "جذوة" حقا هو كيف انها تجيب عن هذه الأسئلة بسرد قصة دافئة لينة قريبة للقلب لكن ذات قيمة. 

4 حدثينا عن رواية "أوركا"… إيه المختلف فيها عن "جذوة" من حيث الفكرة والأسلوب؟

بالنسبة لثاني رواياتي "أوركا" فإنها تختلف كل الاختلاف عن "جذوة" . "أوركا" تصنيفها نفسي اجتماعي أسري. بينما الفكرة المحورية ل "جذوة" هي عرض حياة مرجوة دافئة، تعرض "أوركا" جانب اكثر ظلمة للحيوات حولنا. يمكنني وصف رواية "أوركا" بأنها سرد تفصيلي للحالة النفسية لجميع الشخصيات بها. أسلوب السرد في رواية "أوركا" يعتمد على تفصيل الحالة الوجدانية للشخصية، و تناقش الرواية تأثير الأنماط الأسرية الموروثة على افرد الأسرة كما في عنوانها الفرعي (الختم المرفوض)، فهنا اشير الى تساؤل : هل بإمكان المرء رفض ختم بيته و عائلته؟ الفكرة قائمة على "كسر الدائرة" او "breaking the cycle " و هي عادة ما تنفذ في حال الأنماط السلبية الموروثة. 
تطرح الرواية أيضا قصة مؤثرة حول تأثير الفقد على حياة الإنسان. و ما يميز "أوركا" حقا هو استخدام الرمزيات و توظيفها، مثل رمزية الطفل، الولادة، الكلب الأسود، البحر، و بالطبع حوت الأوركا، الذي لا يعيش سوى في مجموعة او سرب أسري متكامل، فحين ينفى و يبقى وحده، يفقد قدرته، و رغبته في البقاء.

5 كيف بتختاري أفكار رواياتك؟ وهل بتعتمدي على الخيال أكتر ولا الواقع؟

كقارئة ثم كاتبة، عادة أميل إلى القصص الواقعية القريبة من وجود مماثل لها عند كل قارئ. لكن بلا شك سحرتني عدة روايات تعتمد كليا على الخيال، كسلسلة هاري بوتر للكاتب جوان رولينج. يذهلني كيف تمكنت من تكوين سردية مؤثرة غنية بكم هائل من التفاصيل. لكنني برغم اعجابي الشديد بموهبتها و تكوين عالم خيالي مفصل ، لا ارى انني ككاتبة قد استخدم مثل هذا النوع من الخيال لتقديم أفكاري. نعم لا غنى عن الخيال في عالم الكتابة، لكنني افضل الموازنة بينه و بين الواقع اليومي. 

6 بجانب الكتابة، أنتِ مهتمة بالتصوير… هل بيأثر التصوير على خيالك في بناء المشاهد الروائية؟

بالطبع نعم. انا استخدم عيني للكاتبة قبل قلمي. كلما التقطت صورة و عدت انظر في تفاصيلها، تتسابق الافكار في عقلي أيهم يمكن ان يتخذ من هذه الصورة مكانا و يبدأ منها حكاية جديدة. 




7 ما هي أصعب التحديات اللي واجهتك أثناء كتابة رواياتك؟

اذكر من هذه التحديات عددا لا بأس به، لكن جميعها تبقى ضئيلة بجانب النقطتين الأهم: 
١ . كيف يصل صوتي للقراء
٢ . كيف أحقق التوازن بين صوت الناقد الداخلي و صوت المعجب بإبداعه في الكتابة 
بالنسبة للأول ، فأنا حين دخلت عالم النشر الورقي، لم يكن يسبق لي ان نشرت عملا من قبل عبر وسائل النشر الالكتروني. فكان لذلك أثرا بالطبع. تطلب الوصول للقراء جهدا اكبر من ما توقعت. لكنني اعتز بتجربتي هذه، التعلم، تطوير الذات و مواكبة الحداثة امر مطلوب و مسل حقا. 
اما عن الثاني، فهذا صراع يعيشه كل كاتب، و لا أظن له نهاية.

8 كيف تتعاملين مع النقد سواء من القراء أو الوسط الأدبي؟

في الحقيقة أنا أتطلع إلى النقد. أنتظر تحليل القارئ لكتابتي و إبداء رأيه بكل صراحة. لكنني أنتقي جيدا من يمكنني الاعتماد على نقدهم لتطوير أسلوبي و التقدم خطوة أو خطوات نحو إجادة الكتابة.

9 هل كل شخصية بتكتبيها بيكون فيها جزء منك؟ ولا بتفصلي تمامًا بينك وبين شخصياتك؟
ممكن نقول ان بعض الشخصيات قد تحمل جزء من مواقف مريت بيها، او شهدتها على اشخاص اخرين، و ربما مواقف اخشى ان امر بها. لكن في كل الاحوال افضل الكتابة من وجهة نظر موضوعية حتى و ان تعاطفت شخصيا مع الحدث او الشخصية، فالجوانب البشرية و المشاعر لا يمكن تجزئتها.






10 ما الرسالة اللي بتحاولي توصليها من خلال أعمالك الأدبية؟

أهم المبادئ التي لا تخلو منها أفكاري حتى قبل أن تصبح عملا ملموسا: 
ـ تأكيد قيمة العمل. القراءة للترفيه قبل التثقيف أمر مرغوب و ليس بخطأ، لكن و إن كانت قراءة خفيفة لا أستحسن الأعمال الخاوية أو العبثية. 
ـ عدم الانسياق خلف الذوق الرائج "فقط". من المهم و المفيد ان يبقى الكاتب على اطلاع دائم و تواصل مع القراء لمعرفة الذوق و نوع الاعمال المطلوبة، لكن لا يجب ان تتسبب رغبة "الاكثر رواجا" في تخليه عن هويته ككاتب. 
ـ و اخيرا النهايات السعيدة. لا افضل عادة قراءة او كتابة الاعمال ذات النهايات التعيسة او السوداوية غير المنطقية. فالنهاية يجب ان تلائم و تخدم العمل ولا تكون مقحمة. لا سعيدة لأجل السعادة فقط، ولا سوداوية بلا سبب و خيط منطقي. 

11 كيف ترين مجال الكتابة حاليًا؟ وهل أصبح أسهل ولا أصعب على الكُتاب الجدد؟

مجال الكتابة أصبح اكثر توسعا. و لهذا التوسع جانب إيجابي ، و جوانب اخرى سلبية. نعم نحن بحاجة لوجود اجيال تحمل على عاتقها حب القراءة و الكتابة، هكذا ينمو الانسان و يتطور المجتمع حقا. لكن اختيار ما نكتب و نقرأ هو ما يحدد مصير هذا القطاع حاليا. ان عرفنا قيمة الكلمة حقا، عرفنا سبيل الصواب. 
لهذا امتلأ المجال بتحديات تكثر بمرور الوقت، خاصة لكل منضم حديث. بين تكوين هويته الخاصة، الوصول بها للقراء، و التأكيد على قوة موهبته. 

12 في ختام اللقاء… ما رأيك في مجلة "قعدة مُبدعين" ودورها في دعم الكُتاب، ورأيك في الحوار مع الكاتب والإعلامي يوسف سليم؟

كم وددت أن التقي بكل شخص من القائمين على هذه المجلة لأشكره بشكل شخصي و مطول. انا اقدر حقا كل من يعلم قيمة الأدب، و يعمل على تقديم المبدعين، مثل هذه المبادرات تكون خطوة تشجيعية كبيرة تزيد من شغف الكتاب. 
كان حوارا رائعا حقا، نقاشا أدبيا لا يسعني تركه، أرجو ان يُستكمل لاحقا بمزيد من الشغف حول الكتابة، القراءة، و عالم الكتب الواسع.


بين التجربة والوعي، وبين الحكاية والتحليل النفسي العميق، تثبت الكاتبة بوسي محمد علي أن الكاتب الحقيقي لا يكتب فقط ليحكي قصة، بل ليترك أثرًا فكريًا وإنسانيًا يمتد داخل القارئ بعد انتهاء الصفحات.

وتظل "قعدة مُبدعين" مساحة تفتح أبوابها للأصوات الأدبية الجادة التي تسعى لصناعة معنى حقيقي للكلمة، وتقديم نماذج ملهمة تثري المشهد الثقافي العربي.

كانت هذه رحلة خاصة داخل عالم كاتبة تؤمن بأن الأدب ليس رفاهية، بل ضرورة لفهم الإنسان والحياة.

حوار: الكاتب والإعلامي يوسف سليم.

إرسال تعليق

أحدث أقدم