حوار صحفي مع الكاتبة حورية الجمل

 مجلة قعدة مُبدعين 

حوار مع الكاتبة حورية الجمل 

الأسم: حورية الجمل
السن: 27 سنة
المحافظة: الإسكندرية
الموهبة: كاتبة روائية وتحب الرسم، وشاركت بلوحاتها في تصميم أغلفة بعض الروايات
أبرز الأعمال: رواية جاد ـ رواية الموت لا يأخذ الغافلين ـ رواية عين البطة



في عالم الرواية، حيث تمتزج الحقيقة بالخيال وتولد الحكايات من رحم التجارب والأحلام، تبرز أسماء شابة استطاعت أن تحجز لنفسها مكانًا بين عشاق الكلمة. ومن بين هذه الأصوات الإبداعية تلمع الكاتبة الروائية حورية الجمل، التي استطاعت خلال سنوات قليلة أن تصنع لنفسها بصمة مميزة عبر أعمال حملت عمق الفكرة وجرأة الطرح وجمال الأسلوب.

لم تكتفِ حورية بالكتابة فقط، بل وسّعت دائرة إبداعها لتشمل الرسم، فشاركت بلوحاتها في تصميم أغلفة بعض الروايات، في تجربة تجمع بين الكلمة والصورة، وبين الخيال والتعبير البصري. وبين الإسكندرية التي تنتمي إليها بروحها وذاكرتها، وبين عوالمها السردية التي لا تتوقف عن الاتساع، تواصل الكاتبة الشابة رحلتها نحو آفاق جديدة من الإبداع والطموح.

وقدمت حورية الجمل عدة أعمال روائية لاقت اهتمام القراء، من بينها رواية جاد الصادرة عام 2021، ورواية الموت لا يأخذ الغافلين عام 2022، وصولًا إلى أحدث أعمالها رواية عين البطة الصادرة عام 2026، لتؤكد أن الموهبة الحقيقية لا تعرف التوقف، وأن الحلم حين يُصاحب بالإصرار يتحول إلى إنجاز.


1- نحب نبدأ من الجذور… إمتى اكتشفتي موهبتك في الرسم والكتابة؟ وأيهما جاء أولًا في حياتك؟

أحب الرسم منذ صغري، وأظن أنه سبق عندي الكتابة. كنت أخطّ رسوماتٍ عفوية وكلماتٍ متفرقة، أعبر بها عما يجول في خاطري. وجاء ذلك طبيعيًا تمامًا؛ فقد نشأت في أسرة تغمرها محبة الأدب والفن.

2- كيف ينعكس الرسم على أسلوبك الروائي؟ وهل ترين أن الكلمة يمكن أن ترسم كما تفعل الألوان؟

الرسم تعبير آخر للكتابة، يختلف في الوسيلة لكنه يتفق في الهدف الأسمى. في الرواية، تُرسم المشاهد أولاً في الخيال قبل أن تُنقل إلى الكلمات، والكلمة قادرة على رسم صورٍ حية معبرة، أحيانًا أبلغ عمقًا وتأثيرًا من الألوان ذاتها؛ وأحيانًا أخرى يكون الرسمُ هو الأبلغ؛ كونه يلامس العواطف والحواس بلا وسيط، أمران يكملان بعضهما بالنسبة لي.

3- بعد ثلاث روايات، ما التغيير الذي حدث في شخصيتك ككاتبة وإنسانة؟

بعد كتابة أكثر من ثلاث روايات ونشر ثلاث، أصبحتُ أكثر هدوءً، أكثر تأملاً في الناس والحياة والوجوه، أكثر فهماً للمعاناة، أكثر احتواء للأمور، وأكثر نضجاً. فالكتابة تُداوي صاحبها قبل أن تُثري قارئها.

4- ما الفكرة أو القضية التي تشعرين أنكِ وُجدتِ لتعبّري عنها من خلال أعمالك؟

لا أحمل قضية واحدة محددة أو شعاراً بعينه أشعر أنني وُجدتُ من أجله. لكنّ ما يشغلني باستمرار، ويظهر في كل ما أكتب، هو محاولة فهم الدوافع النفسية العميقة التي تدفع بعضنا أحياناً دون أن ندري نحو الضياع، نحو الاختيارات التي تُبعِدنا عن أنفسنا، أو نحو السقوط في أنماط نكررها رغم أننا نراها تؤذينا. أحب أن أقترب من تلك اللحظات الداخلية التي تسبق القرار الخاطئ، أو التي تليه، وأن أرى كيف تبدو الحياة من الداخل في تلك الزوايا المظلمة أو المربكة. ليس هدفي الحكم، ولا تقديم حلول جاهزة، بل مجرد النظر طويلاً إلى ما يحدث داخل الإنسان حين يضيع طريقه… أو حين يظن أنه وجده.


5- هل تعتمدين أكثر على الخيال أم على التجارب الواقعية في بناء عوالمك الأدبية؟

أكتب انطلاقًا من الواقع أكثر بكثير مما أعتمد على الخيال المحض. الواقع بكل تفاصيله القاسية أحيانًا، ودقائقه اليومية أقرب إلى قلب القارئ الواعي، وأصدق في التأثير عليه. فالخيال قد يبهر أو يسلي، لكنه نادرًا ما يمس الروح بعمق الواقع ذاته. ولماذا نلجأ إلى الخيال أصلاً، والواقع فيه ما يفوق الخيال غرابةً وشدةً وجمالاً أحيانًا؟! أرى أن الخيال يأتي ليُكمّل، لا ليحل محل الواقع. أبدأ دائمًا من تجارب حقيقية، من لحظات عشتها أو شاهدتها أو سمعت عنها. 

6- ما أصعب لحظة مررتِ بها أثناء كتابة رواية من رواياتك الثلاث؟

أعتقد أن أصعب ما يمر به الكاتب عمومًا وما مررت به أنا فعلاً هو التعلق الشديد بشخصيات رواياته.
تصبح هذه الشخصيات جزءً من حياتك اليومية، تشاركك أفكارك ومشاعرك وأحيانًا قراراتك، فتترك أثرًا عميقًا فيك، حتى بعد انتهاء الكتابة. لكن الأصعب على الإطلاق هو تلك اللحظة التي تكتب فيها الكلمة الأخيرة "تمت". في تلك اللحظة، تنتهي الرحلة معهم، تغلق الباب عليهم وعلى جزء من نفسك كنت تعيشه معهم كل يوم.
تشعر بفراغ غريب، ووداع مؤلم، كأنك تودع أصدقاء حقيقيين. لا أظن أن هناك لحظة أصعب من هذه الوداع الصامت في نهاية رحلة الكتابة.

7- كيف تتعاملين مع الخوف من الفشل أو ضغط التوقعات بعد تحقيق نجاحات سابقة؟

الخوف يُدمّر أي شيء يلمسه، وهو في الحقيقة من يصنع الفشل قبل أن يحدث.
لذلك، لا أترك له طريقًا يصل به إلى قلبي أو إلى عملي.
أعرف أن النجاحات السابقة قد تخلق توقعات كبيرة من الآخرين ومن نفسي أحيانًا لكنني أذكّر نفسي دائمًا أن الكتابة ليست سباقًا لإثبات شيء، بل رحلة شخصية أبحث فيها عن الحقيقة والصدق.
إذا جاء الخوف، أواجهه ببساطة: أكتب. أكتب حتى لو كان النص الأول رديئًا، حتى لو شعرت أنه لا يُقارن بما سبق. فالكتابة نفسها هي الدواء الذي يبدد الخوف تدريجيًا.
أقول لنفسي إن الفشل المحتمل أقل ضررًا من التوقف خوفًا منه. وهكذا أستمر، خطوة بخطوة، دون أن أدع الخوف يسرق مني متعة الكتابة.

8- هل تشعرين أن الفن بشكل عام (الرسم والكتابة) يمكن أن يغيّر المجتمع؟ وكيف؟

نعم، أؤمن تمامًا أن الفن سواء الكتابة أو الرسم أو غيرهما قادر على تغيير المجتمع، لكنه لا يغيّره بالقوة أو بالمباشرة دائمًا، بل بالتدريج والعمق.
الكتابة لها دور توعوي أساسي؛ فكثير من المشكلات لا يمكن حلها إلا بالإشارة إليها أولاً، بالاعتراف بها علنًا، وبجعل الناس يرونها بوضوح. لا نستطيع تجاهل دور الكتابة في بناء وعي سليم وصحي في المجتمع. فكم من كاتب وكاتبة ساهموا عبر رواياتهم أو مقالاتهم أو قصصهم في كشف ظلم، أو إثارة نقاش حول قضية اجتماعية، أو تغيير نظرة الناس إلى أنفسهم وإلى الآخرين.
الفن التعبيري، ومنه الرسم والكاريكاتير، يفعل الشيء نفسه بطريقة أخرى، ربما أسرع وأقوى تأثيرًا في بعض الأحيان. في مصر مثلًا، خلال فترة الخمسينيات والستينيات، شهد الكاريكاتير مرحلة ذهبية؛ حيث عبر عن هموم الشارع ومشكلات المجتمع بأسلوب ساخر ذكي. رسوم صلاح جاهين وغيره من الفنانين كانت تُنشر في مجلات مثل "روز اليوسف" و"صباح الخير"، فتُبرز المفارقات الاجتماعية والسياسية بطريقة لطيفة جمعت بين الضحك والتفكير، مما ساعد المواطنين على التعرف على مشكلاتهم ورؤيتها من زاوية جديدة، بل ودفعهم أحيانًا إلى التغيير أو على الأقل إلى الحديث عنها. الفن لا يُصدر قوانين ولا يُغيّر الأنظمة مباشرة، لكنه يُغيّر المفاهيم والعقول أولاً. يزرع بذرة الوعي، يُشجع على التساؤل، ويجعل الصمت مستحيلاً. وبهذا أعتقد أنه يبدأ التغيير الحقيقي.


9- كيف تصنعين شخصية روائية تبقى في ذاكرة القارئ ولا تُنسى بسهولة؟

كلما كانت الشخصية مستمدة من أعماق الواقع، كلما علقت في ذهن القارئ واستقرت في قلبه لفترة طويلة، لذا الشخصية الحقيقية لا تُبنى من عدم أو من خيال، بل تُصطاد من الحياة اليومية: من وجوه نراها، من حكايات نسمعها، من تناقضات نعيشها أو نشاهدها. وعندما تُبنى الشخصية بشكل متكامل أي بأبعادها النفسية والاجتماعية والعاطفية، مع عيوبها وتناقضاتها ودوافعها الخفية تصبح كأنها إنسان حقيقي يمشي بيننا، وقد تعلمتُ هذا الدرس الأساسي من الأديب نجيب محفوظ، الذي كان أستاذًا في رسم الشخصيات. والتي كلها تبدو مأخوذة مباشرة من الحارة المصرية والشارع
لذلك أحاول دائمًا أن أبدأ من الواقع: أراقب، أستمع، أتأمل في الدوافع الداخلية التي تدفع الناس لما يفعلونه. ثم أبني الشخصية خطوة بخطوة، أعطيها ماضيًا يفسر حاضرها، وصراعات تجعلها تتطور أو تنهار.

10- ما الحلم الأدبي أو الفني الذي تسعين لتحقيقه مهما طال الطريق؟

أحلم ألا أُنسى بعد رحيلي،
فالكتابة والفن في النهاية ليسوا إلا محاولة للبقاء، ولترك أثر يتردد في قلوب الآخرين بعدنا.

11- هل تفكرين في تحويل أعمالك إلى أعمال درامية أو فنية بصرية في المستقبل؟

بالتأكيد اتمنى ذلك

12- ما النصيحة التي تقدّمينها لكل موهوب يقف في بداية الطريق ويخاف من الخطوة الأولى؟

لا تيأس، ولا تتوقف عن المحاولة ابدأ حتى لو لم يكن عملك مثاليًا في البداية؛ المهم أن تبدأ.
أعرف قدر موهبتك، لكن لا تغتر بها، ولا تتوقف عن التعلم أبدًا مهما تقدمت.
الخوف طبيعي، لكنه يزول بالحركة والتجربة. وكما قلت سابقاً الخوف يُدمّر أي شيء يلمسه، وهو في الحقيقة من يصنع الفشل قبل أن يحدث.


13- في ختام هذا اللقاء… ما رأيك في حوار مجلة “قاعده مُبدعين”، وما رأيك في اللقاء مع الكاتب والإعلامي يوسف سليم؟

في ختام هذا الحوار الممتع.. كانت تجربة ثرية حقاً، استمتعت خلالها بكل تفاصيل الحوار. لقد لفتت نظري بلطف الفكرة التي تقوم عليها مجلة "قاعدة مُبدعين" والهدف النبيل الذي تسعى لتحقيقه في دعم الفكر والإبداع. كل التقدير للكاتب المتميز يوسف سليم على هذا الحوار الراقي، مع خالص تمنياتي له بدوام التوفيق والتألق في مسيرته الإبداعية.


وفي ختام هذا الحوار الشيق، نكون قد ألقينا الضوء على جانب مهم من رحلة الكاتبة الروائية حورية الجمل، تلك الرحلة التي تحمل في طياتها الشغف والطموح والإصرار على تحقيق الذات عبر الكلمة والفن. لقد أثبتت حورية أن الموهبة الحقيقية قادرة على أن تصنع لنفسها طريقًا مهما كانت التحديات، وأن الإبداع يظل الوسيلة الأصدق للتعبير عن الإنسان وأحلامه.

ويأتي هذا اللقاء ضمن سلسلة الحوارات الأدبية التي تحرص مجلة قعدة مُبدعين على تقديمها، دعمًا للأصوات الشابة وتسليط الضوء على التجارب الإبداعية الواعدة في عالم الكتابة والفن. كما نتقدم بخالص الشكر والتقدير للكاتب والإعلامي يوسف سليم على جهوده الواضحة في إبراز هذه النماذج المتميزة، وحرصه الدائم على تقديم محتوى أدبي راقٍ يُثري الساحة الثقافية ويمنح المبدعين مساحة للتعبير والانتشار.

وفي النهاية، نتمنى للكاتبة حورية الجمل مزيدًا من النجاح والتألق في مسيرتها القادمة، وأن تظل أعمالها نافذة مفتوحة على عوالم من الخيال والإحساس والجمال.

حوار: الكاتب والإعلامي يوسف سليم.

إرسال تعليق

أحدث أقدم