نرحب اليوم بشخصية استثنائية لها بصمتها الخاصة وتجربة تستحق الاستكشاف دعونا نتعرف معه علي محطات مشواره وأفكاره الملهمة وفي هذا اللقاء نلتقي بي الشاعر محمد طايل
حدثني عن سيرتك الذاتية؟
محمد طايل
من طنطَا قلب الدّلتا الخضراء؛ وتحديدًا في قريةِ حصَّة شبشير أو قرية الشفاءَين: القرآن والعسل؛ ولدتُ، وذلك سنة 1995، ومثل أي طفلٍ ينشأُ متوشِّحًا بألوانِ الرّيفِ أصابَني مَسٌّ من الرَّهافةِ والرّقة جعلنِي مجذوبًا من مجاذِيب الطّبيعة بكلّ عوالِمها السَّاحِرة؛ وهذه تمثِّلُ نشأتِي الشعريّة الأولى؛ أمَّا الثانية فكانَت في مرحلة الدَّراسَة بكلية دار العلوم-القاهرة، حيثُ الانخراط في تجربةٍ مدنيّةٍ مختلفةٍ قوَّمَت تجربتِي وأصقلتها إلى ما هي عليه الآن؛ تخرجتَ في كلية دار العلوم سنة 2018، حصلت على استحقاقات أدبية عديدة؛ صدرت لي مجموعتان؛ ظلال لم يقطعها الحطاب سنة 2021، استرح أيُّهذا الطريد سنة 2024؛ وما بين المجموعتَين طريقٌ طويلةٌ وشهقَات متقطعة على سُلَّمِ الحياة وما زالت.
كيف كانت بدايتك مع كتابة الشعر؟ وما الذي دفعك لدخول هذا المجال؟
أنَا أفرّقُ بينَ الكتابَة الشعرية والحالة الشعرية؛ فالشَّعر دائما ما كانَ بِي معِي منِّي منذُ الشهقةِ الأولى؛ كانَ حالَةً صوفيّة تشغلنِي؛ وقفةٌ جنائِزيّة أمامَ شجرةٍ مذبوحةٍ؛ صعودٌ لأعلى نخلةٍ بالجُرنِ طمعًا في رؤيةِ الشَّمسِ وهي ترتدِي فُستَانَها القرمزيِّ بالغروبِ؛ الطائِرة الورقيّة التِي تطارِدُ الغمامَ وهي محمّلة برسائِل الطفلِ للسماءِ؛ البكاءُ علَى فِراقِ صدِيقِي البيت والبكاء الأشدُّ على لقائِه بين يدَي الغرباءِ؛ إنَّها لحظاتِي الشعرية الأولَى؛ الشِّعر كان معِي منذُ أن وعيتُ بالحياة؛ لكنَّ القصيدَة جاءَت متأخِرة كثيرًا؛ جاءَت القصيدة عندَما تمكَّنت إلى الحدّ الذِي أقف عليه الآن- من أدواتِ الكتابِة الشعريةٍ على مدار عشر سنينِ بالقاهِرة؛ وهُنا يكونُ اللقاءُ الأوَّل بين حالَة شعرية مجرَّدة وقَميصٍ كَلاميٍّ منسوجٍ بحرفةٍ فيحدثُ الاكتِمال الآلِي؛ وعلَى كلٍّ بإمكانِنا أن نقولَ كانَ شاعرًا قبلَ أن يكتبَ القصيدة؛ أما دخولِي عالم الشّعر فهو يشبهُ قصص المشدوهِين بنداءَات خفيّة طوالَ الوقتِ؛ بيتٌ وراءَ بيتٍ؛ قصيدة تلو الأخرى يقرأهُا الصَّبي حتى ولعت بالشّاعرية قريحتُه.
من كان الداعم الأول لك في مشوارك الشعري؟
أذكرُ أن جماعَة بالشعر بكلية دار العلوم كانت الدَّاعم الرئِيس لِي في كل خطوةٍ خطوتها في طريق الكتابة الشعرية؛ وأخص بالذكر عميد كلية دار العلوم الأستاذ الدكتور: أحمد بلبولة؛ وقتها كان رائِد الجماعَة وهو معلمنا الأوَّل وعمود بيتِنا الشعري بالدَّار.
كيف تؤثر البيئة المحيطة بك علي إبداعك؟
البيئة الطبيعية الريفية بهدوء لياليها وسكونها، تعدُّ نهرًا جاريًا دائمًا للإلهام الشعري، حيثُ يصبح للطبيعة حضورٌ قوي يكاد يملأ الروح؛ فتتخللها روائح الأرض وألوان الزرع وأصوات المياه الجارية في الأنهار الصغيرة، الطبيعة هنا ليست مجرد خلفية، بل هي كائن حي يشاركني مشاعري وأفكاري؛ فقط تأمل الأشجار وهي تهتز مع الريح، أو الشمس وهي تغيب خلف الأشجارِ العالية، ذلك ما يثير داخلي شعورًا من السلام والغموض والرغبة في التقاط لحظة صافية من منابع الزمن، وهذه اللحظات تصبح أساسًا للأفكار الشعرية، حيث الصور والكلمات تندفع بتلقائية معبرة عن الانسجام الذي أعيشه.
ولا أنسَى الجانب الإنساني، فالحياة البسيطة والعلاقات الوطيدة مع أهالي القرية تُشعرنِي بالانتماء والتوحد مع الجذور والأصول التراثيّة، وهذا بدوره يظهر في نصوصِي كثيرًا.
من أين تستمد إلهامك في كتابة القصائد؟ هل هناك تجارب شخصية تؤثر على كتاباتك؟
الذّكرياتُ هِي النبعُ الصافِي والموردُ الأنقى لكتاباتِي كلها؛ لا بدَّ للحدثِ أن يختمرَ في رأسِي أوَّلًا كَي أتشرَّب منه الإلهام؛ ولكن أحيانًا تأتِي الشرارةُ من الطبيعةِ بألوانِها وفصولِها المتجددة؛ ومن تحوّلات الحياةِ المختلفةِ حيث أجد نفسي أراقبُ وجوهَ النَّاس ومشاعرِهم المخبأة بإحكامٍ وراء ملامحهم؛ هذه التفاصيل الصغيرة تمسُّ القلبِ برهفةٍ مما تحمِّلُها بطاقة كتابيّة هائلة.
كما أنَّني أستلهمُ بعضَ الأفكارِ من كتاباتِ الشعراء أصحابِ التجارب الطويلة في الحياة؛ مثل امرئ القيسِ في ترحالِهِ الأبديِّ نحوَ البداية الأولَى نحوَ الوطن؛ ومثل المتنبِّي في البحثِ عن ذاتِه وماهيِّتها في ذواتِ ممدوحِيه، ومثلَ أبي القاسِم الشابي في عتابِه للوطنِ والكثير ولا أنسى تلك اللحظات المفاجئة التي تأتي بلا موعد، ربما مع لحن عابر أو مشهد يومي بسيط يلمس شغاف القلب، تلك اللحظات تكون غالبًا الشرارة الأولى، ومن ثم ينطلق النص، محملًا بتجارب وأحاسيس تحاول أن تعبر عن نفسها من خلال الشعر.
هل تعتقد أن الشعر قادر على التعبير عن قضايا اجتماعية وسياسية؟
الشِّعر صراطٌ واسعٌ بينَ ضفّتيْ الواقِع وما ينبغِي أن يكونَ عليه الواقِع؛ ولكنَّه كثيرًا ما يتحوَّلُ إلى صراطٍ حادٍ كنصلٍ سكينٍ فوقَ هاوِيةٍ مِن العدمِ، ولذلكَ نَقْلُ الواقِع كما هُو ومعالجتُه بالأدواتِ الشعرية يحتاجُ موهِبةً أخرى تشبِهُ السَّيرَ على الجمْرِ؛ وجميع القضايَا السياسة والاجتماعية من قبيل هذا الدرب؛ مع إيمانِي الشديد بأنَّ الشعر لديه القدرة على إيقاظ الوعي وإثارة المشاعر بقوة، وأنَّه أداة فعّالة للتغيير الاجتماعي والسياسي؛ لكنَّه أحيانًا في هذا الدَّرب تحديدًا -وهو محمَّلٌ بتارِيخٍ كبيرٍ من مفاهِيمِ الحداثة وتطوّر الأدواتِ البنائية واختلافِ مدارِس التلقِّي- يشبهُ السَّفينة التي تتثاقَلُ في البحرِ وهي بحاجةٍ ماسة إلى تخفيفِ الحمولَة حتَّى تصلَ بسلامٍ، لذلك يقَع كثيرٌ من الشِّعر الاجتماعِي والسياسِي في هُوَّة التخفُّفِ من الشاعرية إلى المباشَرة؛ أو التّهويمِ المجازِي الضبابِي الغارِق في العدمِ المعنويّ، وهذا ما يجعلُنا نسيرُ على حدِّ سكينٍ في أثناءِ الكتابَة عن القضايا السياسِية والاجتماعية.
ما هو الموضوع الذي تفضل الكتابة عنه؟ ولماذا؟
اخترتُ أن أتناولَ في تجربتي الشعرية كُلَّ ما يعني بحريِّة الإنسانِ وكسرِ قيودِهِ ماديةً كانت أم معنويّة، إضافةً إلى التَّركيزِ على المشاعِر النبيلة في تقدِيم رؤى أفكارِي؛ حيثُ تجدُ في قَصيدة (نَسيَ حلمَه) أتحدَّثُ عن الفردِ الذِي لم يعدْ يتذكَّرُ وجهَ حُلمِهِ القَديم وعن البِلاد التِي أعْتَمَتْهُ وأضاءَت مآسِيه، وفِي قصيدة (غفوة الرِّيح المسافِرة) أتحدَّثُ عن الفارِس الذي تركَ ميدان الحربِ في سبيلِ إطعامِ فرسِه الجريحِ الجائِع؛ وفي قصيدةٍ أخرى ستجدُ الصائِد الذي كسرَ قوسَهُ وأخذ يستمتعُ تحت شجرةٍ بغناءِ الطيورِ؛ وكلُّ هذه المواضِيع بالنسبةِ لي تمثِّلُ الحريّة ممتزجةً بمشاعِر الحزنِ والفرحِ والرَّضا النبيلةِ حيثُ التطلّع دائمًا نحو المُثُلِ العليا، بنظرةٍ قصيرةٍ نحوَ الماضِي وخطواتُ كثيرة إلى الأمام.
هل تواجه صعوبات في أثناء الكتابة؟ وكيف تتغلب عليها؟
بالتَّأكِيد أواجه صعوبات في أثناءِ عملية الكتابة، خاصة عندما يتعلق الأمر بالعثور على الأفكار أو محاولتِي لتجسيد مشاعِرِي العميقة بطرق مبتكرة وجديدة، فأحيانًا، يكون هناك ما يُعرف بـ(الكتابة القسرية) حيث أشعر بأن الكلمات لا تأتي بسهولة، وأن النص لا يعبر عما أريد قوله تمامًا، ما يجعلُنِي ألجأ إلى قراءة شعراء آخرين، أو مشاهدة أعمال فنية، أو حتى التفاعل مع الطبيعة، فهذه التجارب قد تحفزني وتفتح لي آفاقًا جديدة في الكتابة، وأحيانًا يكون الحل المجدِي هو التوقف عن الكتابة لبعض الوقت، ثم العودة إليها بذهنٍ صافٍ فجريٍّ جديد، وهذه الاستراحة تساعدني في رؤية النص من زاوية مختلفة، وكثيرًا ما تعيد لي الإلهام، ولا شكَّ أن التغلب على الصعوبات في أثناء الكتابة هو شرِيكٌ أساسيٌّ في عملية الإبداع ذاتِها، بل يزيد من نضج الشاعر وإبداعه مع مرور الوقت.
هل هناك شعراء معاصرون تتابعهم أو تعتبرهم مصدر إلهام؟
هناك الكَثير من الشعراء المعاصِرِين الذين أتابعُهم؛ تقريبًا جميعهم؛ جميع أصدقائِي الشعراء بدايةً من جيل الثمانيناتِ حتَّى الألفية الجديدِة؛ من مختلفِ الأقطارِ العربية؛ فأنا لا أترك تجربةً شعرية حقيقية إلَّا وأحاول جاهدًا أن أتنشقَّها تمامًا مثلَما تتنشَّقُ نحلةٌ رحيقَ الزُّهور، ولا أذكر شاعرًا بعينِهِ؛ فأنَا أستفيد من قراءة الجمِيع بحياديّة وأستمتعُ أيضًا.
كيف كان تأثير الشعر على حياتك الشخصية والمهنية؟
بعدَ كتابة الشِّعر أصبَحَ لديّ مهارات التفكير النقدي والتحليلي، حيث صرتُ أكثر قدرة على فهم وجهات النظر المختلفة ورؤية الأمور من زوايا متعددة وذلكَ ما يدعمُنِي كشخصٍ مؤثِّرٍ في أي بيئة عمل أو نشاط إبداعي آخر، إضافةً إلى أنَّ الشعر يُمثِّلُ لِي المساحة الأنقَى للتأمل، حيثُ أسافِرُ فِي دروبِ الذَّاتِ؛ أستقصِي أغوارَها وأعِي تفاصِيلها، وأقتربُ من فهم مواضيع الحياة المعقدة والتفاصيل الدقيقة للوجود بطريقة هادئة ومتأنية؛ لأنَّ الشعر فرصة للانعزال عن العالم الخارجي والتواصل مع العالم الداخلي، حيثُ أدخل في حالة من الصفاء الذهني، تساعدني في الخروج بنص يحمل عمقًا وفهمًا أعمق لحياتِي وتجربتي.
كيف تتفاعل مع ردود فعل القراء على قصائدك؟ هل تهتم بالنقد؟
ردود أفعال القراءِ حول ما أكتبُ هو نافِذة شيِّقة لرؤيةِ الزَّوايا الخفيِّة لما قد احتملته لُغَتِي من معانٍ لم أحط بِها في أثناءِ الكِتابة؛ وطبيعيٌّ جدًا أن يحدث اختلاف بالموافَقة والرّفض حول الأفكار التي أطرحُها وطريقة الكتابة وأساليبِها لأنَّ مدارِس التذوّق مختلفة؛ فهناك من يكتبُ القصِيدة الرومانتِيكية التِي تعنِي بالتصوُّراتِ الجماليّةِ لكلِّ ما هو شكليّ حولَنا؛ إضافةً للقصيدة للوجدانيّة التي تبحثُ في شؤونِ العاطِفِة وما يمكنُ أن يثيرَ مشاعر الإنسانِ؛ وهناكَ الرمزيّة المقنّعة التي تشارِك القارئ في محاولة سبرِ أغوارِها بالتَّأويل؛ لكنَّني منفتحٌ تمامَ الانفتاح على جَميع الأذواقِ والمدارس الشعرية المختلفة؛ ولا شكَّ عندِي أنَّ النقد البنَّاءَ حرمٌ مقدَّس في معبدِ الكتابة في المطلقِ لأنّه يسهمُ في إضاءة العتمةَ القصريّة بالقصيدَة مع إبداءِ طرقٍ عدة لتجنُّبِها أو لإصلاحِها.
ما هي أهم إنجازاتك ؟وما هو الطموح الأكبر الذي تسعى لتحقيقه كشاعر؟
طموحِي أن تصلَ قصيدَتي لأبعدِ منطقة جغرافيّةِ في قلبِ وروحِ كُلِّ إنسانٍ محبّ للحقِّ والخير والجمال؛ وأكبر إنجاز حققتُه هو اكتشاف شاعريتِي ومواصلَة الكتابة رغم كلِّ التحدِّيات والعقبات.
كيف ترى مستقبل الشعر العربي في ظل التغيرات الأدبية الحالية؟
أرَى أنَّ الشِّعر الآنَ يقتَرِبُ شيئًا فشيئًا من الأصولِ كأنَّه يدورُ في مسارٍ محدَّدٍ منذ البدء، قد يبتعدُ قليلًا لكنَّه كلَّما ابتعدَ عن أصولِه؛ اقتربَ منها أكثرَ.
ماذا تنصح الشباب الذين يريدون الدخول إلى عالم الشعر؟
لا أنسى أنَّني شاعرٌ شابٌ وبحاجةٍ دائمةٍ إلى من ينصحنِي؛ لكنِّي لو سأهمسُ في أذن أخي الشاعرِ بشيءٍ واحد فسيكون: تأمَّلْ سكونَ العالم وحركتَهُ حولَك؛ مضاءَه وعتمتَه، وكُنْ مهووسًا باكتِشافِ "الكيف" لا "الكم"؛ فأن تقولَ لنفسِك "كيفَ حدثَ ذلكَ؟" هو الوقودُ الحقيقي لكلِّ معرفةٍ تحقَّقت للبشرية منذ البدءِ؛ ولا تتوقَّفْ عند تعاطِي المعنى فقطْ؛ حاوِل دائمًا تفكِيكه؛ ستكون العاقِبة معانَاة لكنَّ معاناةً عن يقينٍ خير من طمأنينةٍ عَنْ سراب.
بشكر حضرتك جداً وعلي وقتك الثمين ونتمني لك مزيد من التقدم والنجاح وننتظر منك عملا خاص بك قريباً وستكون المجله دائما في دعم حضرتك
بقلم/ سارة مشعل
.jpg)