مسرح الجريمة

مسرح الجريمة: بين أنا والأنا
المكان: الغرفة المظلمة على عتبة الروح. المتهم والمجني عليه: امرأتان تشتركان في الجسد ذاته.

لم يكن في الغرفة سوى مرآة مشروخة، وكرسيٍّ وحيد، وظلّين لا يتفقان على صاحبة الجسد. ويبدو أن المرآة كانت الشاهد الوحيد، لكنها لم تكن في حالة تسمح لها بالإدلاء بأقوال موثوق بها.

جلست «أناي» الأولى في الركن، تضم جسدها إلى نفسها، بينما وقفت «أناي» الثانية أمامها، مستقيمة الظهر، باردة النظرات، كأنها جاءت لتشهد ضدها. ولم يكن ينقص المشهد سوى محقق يسأل عن الدافع، مع أن الجريمة كانت واضحة، والجانية والمجني عليها تتبادلان الاتهامات منذ سنوات.

— أريد أن أرحل.

— إلى أين؟

— إلى أي مكان لا أعرف فيه نفسي.

— لن يفيد.

رفعت أناي الأولى وجهها إليها، وفي عينيها شيء من السخط.

— ولماذا؟

— لأنكِ ستأخذين نفسكِ معكِ.

انقبضت ملامحها، وكأن الإجابة أصابت موضعًا كانت تحاول دفنه منذ زمن. ويبدو أن فكرة السفر لم تكن سيئة، لولا أن المسافرة نفسها هي المشكلة، ولا توجد شركة طيران تقبل ترك نصف الراكب في المطار.

— أنتِ لا تفهمين شيئًا... لقد تعبت.

— أعرف.

خرجت الكلمة من الأخرى هادئة، فاشتعل غضب الأولى أكثر.

— لا، لا تعرفين. أنتِ لا تشعرين بشيء. تقفين دائمًا هكذا، كأنكِ خُلقتِ من حجر.

اقتربت شيطانتي الثانية منها قليلًا، وانحنت نحوها، ثم جاء صوتها كفحيح أفعى ينساب في العتمة:

— أعرف أنكِ كل ليلة تتمنين لو أستطيع أن أترككِ تنهارين.

— نعم.

— ألم تسألي ذاتكِ يومًا لماذا لم أترككِ؟

نظرت إليها طويلًا قبل أن تخرج الإجابة مثقلة بالمرارة:

— لأنكِ قاسية.

ارتسمت على شفتي الشيطانة ابتسامة خافتة.

— لأنني قاسية؟ أم لأنني الوحيدة التي بقيت حين أردتِ أنتِ الرحيل؟

لم تجد أناي الأولى جوابًا. ويُسجَّل هنا أن المتهمة التزمت الصمت، وهي سابقة نادرة في تاريخ خلافاتهما.

اتجه بصرها إلى المرآة المشروخة، فرأت وجهين لامرأة واحدة؛ وجهًا يريد أن يختبئ، وآخر يرفض أن يُرى ضعيفًا. وكان على المرآة، لو امتلكت لسانًا، أن تطلب إجازة ، فقد سئمت على الأرجح رؤية الوجهين نفسيهما يتبادلان الأدوار دون أن يتغير شيء.

— أكرهكِ.

— أعرف.

— وأكره أنكِ تجعلينني أواصل كل مرة.

— أعلم تكرهينني لأنني أفعل الشيء الوحيد الذي لا تستطيعين فعله.

— وما هو؟

اقتربت الثانية أكثر، حتى صار بينهما نفسٌ واحد، ثم همست:

— أمنعكِ من أن تنتهي.

خرجت من الأولى ضحكة مكسورة، سرعان ما اختنقت في حلقها.

— وهل تسمين هذا نجاة؟

— لا.

— إذن ماذا تسمينه؟

رفعت الثانية عينيها إلى انعكاسهما في المرآة.

— تأجيلًا للجنازة.

ارتعشت الأولى، وكأنها للمرة الأولى رأت صورتها الحقيقية في تلك الكلمات. حتى إن الموت، لو كان حاضرًا، لربما شعر بالحرج من كثرة المرات التي أُعلن فيها عن انتهاء هذه المرأة، ثم فوجئ بها تستيقظ في الصباح التالي لتعدّ القهوة وتواصل يومها.

— أنتِ مخيفة.

— وأنتِ أضعف مما تتظاهرين.

— وأنتِ قاسية جداً.

— لهذا بقيتِ حيّة.

استقر الصمت بينهما، ثقيلًا إلى الحد الذي جعل الغرفة تبدو كأنها تحبس أنفاسها معهما. ولو كان للصمت محضر رسمي، لاحتاج إلى صفحات طويلة لتوثيق كل ما عجزت الاثنتان عن قوله.

وبعد لحظات، مدت أناي الأولى يدها نحوها.

— اجلسي.

ترددت الثانية قليلًا.

— لماذا؟

— تعبت من محاربتك.

جلست إلى جوارها.

وبقيتا طويلًا كتفًا إلى كتف، امرأتين في جسد واحد، وكل واحدة منهما تعرف، رغم كل ما قيل، أن الأخرى لم تكن عدوها الحقيقي.

ولعل هذه كانت المفارقة الأكثر سخرية في القضية؛ أن تقضي امرأة عمرها في محاربة نفسها، ثم تكتشف في النهاية أنها لم تكن تملك ترف الاستغناء عن خصمها، لأنه يسكن معها، ويشاركها جسدها

في الخارج، كانت الحياة تمضي كأن شيئًا لم يحدث.

أما هنا، خلف الباب المغلق، فكانت الجريمة الوحيدة التي لم يجد لها المحققون أثرًا...

أن امرأةً كاملة كانت تقضي كل ليلة في قتل نصفها الآخر، ثم تستيقظ صباحًا لتعيش به.

ولم يُغلق المحضر؛ إذ لم يتمكن المحققون من تحديد أيّ النصفين يستحق النجاة، وأيّهما ينبغي أن يُلقى القبض عليه.

المتهمتان حرتان طليقتان، والضحية لا تزال على قيد الحياة، لحين إشعار آخر.

— لـ بسمة جمعة القاضي

#بـسـمـة_جـمـعـة_الـقـاضـي

إرسال تعليق

أحدث أقدم