كانوا يقولون: إنما يُعرف الرجل بعد موته بما خلّف، وإن القبر خاتمةُ الذكر، وإن الأيام كفيلةٌ بأن تُذهب من الذاكرة ما أذهبته يدُ المنون.
غير أن امرأةً من بني سُليم كان لها في الفقد شأنٌ آخر.
نزل الموت بساحتها، فوجد قلبًا لا يرضى التسليم، ولسانًا إذا هاجه الوجد لم يَسَعْه الصمت.
فلمّا غُيّب أحبّتها في بطون الثرى، لم تطوِ عليهم صحيفةً، ولم تجعل بينهم وبين الدنيا حجابًا من التراب؛ بل أرسلت وراءهم من القول ما بقيت له الأيام، وجعلت من المرثية مأتمًا لا ينقضي، ومن القصيدة شاهدًا لا يبلى.
كانت كلما نعى الناعي عزيزًا، هبّ في صدرها شعرٌ كأنما كان كامنًا تحت الرماد، ينتظر نفخة الفاجعة.
حتى غدا الحزن على لسانها غير الحزن على ألسنة الناس؛ لا عويلًا تذروه الرياح، ولا بكاءً تنقضي آثاره بانقضاء الدمع، وإنما لوعةٌ مصوغة، وذكرى مشدودةٌ بأوثق عرى الكلام.
ثم كانت الخنساء.
تماضر بنت عمرو بن الحارث بن الشريد السلمية؛ المرأة التي غلب لقبها اسمها، حتى كاد اسمها الأول أن يأوي إلى ظلّه، فإذا قيل: الخنساء، لم يحتج السامع إلى مزيد تعريف.
والخنساء لقبٌ عُرفت به لصفةٍ في أنفها، وكان ذلك عند العرب من محاسن الوجوه، فغلب اللقب عليها حتى صار علمًا لا يكاد يُذكر اسمها إلا تبعه.
غير أن الخنساء لم تولد للمراثي.
كانت شاعرةً قبل أن يطرق الفقد بابها، وكانت ابنة قومٍ يعرفون للشعر منزلته، وللنسب قدره، وللكلمة سلطانها.
وكانت، إلى جانب شاعريتها، امرأةً ذات إباءٍ ومنعة؛ لا تُساق إلى ما لا تهواه، ولا تُغرى بزخرف القول إذا لم يوافق هواها.
حتى إن دريد بن الصمة، فارس هوازن وشاعرها، خطبها، فأعرضت عنه، وآثرت ألّا تخرج من قومها إلى رجلٍ لا ترى لنفسها عنده ما تريد.
وقد حفظت لنا الرواية من شعره فيها:
حيوا تماضر واربعوا صحبي
وقفوا فإن وقوفكم حسبي
فكان دريد، على ما أوتي من بأسٍ وشهرة، أمام امرأةٍ لم تكن تُؤخذ بالهيبة وحدها.
ثم كان صخر.
وهنا تبدأ الحكاية التي لم تعد بعدها الخنساء هي الخنساء.
ليس كل أخٍ أخًا؛ فمن الإخوة من يكون نسبًا تجمعه بالمرء صلة الدم، ومنهم من يكون في القلب أعمق من النسب وأبقى من الأيام.
وكان صخر عند الخنساء من هذا الضرب.
رجلًا كريمًا، جوادًا، مذكورًا بين قومه، وكانت له في نفسها منزلةٌ لم يبلغها غيره.
ثم دارت عليه رحى الحرب، فأصابه جرحٌ لم يُمهله، وظل يكابد ألمه حتى أدركه الموت.
فمات صخر.
وكان يمكن أن تنتهي الحكاية عند القبر، كما تنتهي حكايات البشر حين يطويهم التراب.
لكن الخنساء لم تكن مستعدةً لأن تسلّم أخاها للموت مرتين.
مرةً حين أخذ جسده.
ومرةً حين يأخذ اسمه من الذاكرة.
فرفعت صوتها بالشعر.
ومنذ تلك الساعة، لم يعد الشعر عندها صناعةً من صناعات القول، بل صار قضاءً لا فكاك منه.
لم تعد القصيدة شيئًا تقوله.
صارت شيئًا تحياه.
وكان صخر كلما غاب عن عينيها، حضر في لسانها، وكلما حاولت الأيام أن تضع بينه وبينها حجابًا، هدمت الشعرُ الحجاب.
تقول:
يذكّرني طلوع الشمس صخرًا
وأندبه لكل غروب شمسِ
فأيّ حزنٍ هذا الذي لا يترك للنهار منفذًا إلا دخل منه اسم الراحل؟
الصباح يجيء بصخر.
والمساء يمضي بصخر.
وبين مطلع الشمس ومغيبها، تعيش امرأةٌ لا يكاد النهار ينفك عن ذكر فقيدها.
ولم يكن ذلك الرثاء تعدادًا لمناقب ميتٍ فحسب؛ كان استبقاءً لرجلٍ أراد له الموت أن يصير ترابًا.
كانت تستخرج من ذاكرتها خصاله، فتقيم منها له مقامًا.
وتأخذ من دمعتها بيتًا.
ومن وجعها قصيدة.
ومن الفاجعة ذكرًا لا يندثر.
فتقول:
وإن صخرًا لتأتم الهداة به
كأنه عَلَمٌ في رأسه نارُ
وتقول:
وإن صخرًا لمولانا وسيدنا
وإن صخرًا إذا نشتو لنحّارُ
وهكذا لم يعد صخرٌ أخاها وحده؛ صار في شعرها صورةً للرجل الذي اجتمعت فيه خصال السيادة والجود والنجدة.
أما هي، فكانت كلما أمعنت في رثائه، كشفت عن نفسها شيئًا.
كانت تبكي، نعم.
لكن بكاءها لم يكن وهنًا.
كان له عصبٌ من كبرياء.
لم تمدّ يدها إلى أحدٍ تستجدي رأفته، ولم تجعل من حزنها موضعًا للشفقة؛ كانت تقف أمام الفاجعة كما تقف امرأةٌ تعرف أن ما أصابها لا يُردّ، لكنها تملك أن تقول كلمتها فيه.
وهذا سرّ من أسرار شعرها.
أن الحزن عندها لم يُسقطها، بل أفصح عنها.
ولم يكن صخر أول من أخذته المنية من أهلها.
فقد سبق إليه أخوه معاوية، فاجتمع على قلبها فقد الأخوين، وصار لها مع الموت حسابٌ قديم.
ولهذا كان أكثر شعرها وأشهره في رثاء صخر ومعاوية، وإن كان صخر أوفر حظًا من شعرها، وأشد استئثارًا بفؤادها.
ثم خرج اسم الخنساء من حدود قومها.
بلغ الأسواق ومجالس الشعر، ووقفت في عكاظ حيث كانت العرب تعرض بضائعها، وكان الشعر يومئذٍ من أنفس ما يُعرض.
وكان النابغة الذبياني يجلس في خبائه، فيأتيه الشعراء بشعرهم، ومن الأخبار المشهورة أن الخنساء أنشدته، وأنه أثنى على شعرها، وذاع من ذلك مجلسٌ صار من أشهر أخبارها.
وهنا تظهر الخنساء في وجهٍ آخر.
ليست المرأة التي تبكي عند قبر صخر.
بل الشاعرة التي تدخل ميدانًا كان الرجال يومئذٍ أكثر أهله، فتضع قصيدتها بينهم دون أن تستأذن أحدًا في موضعها.
فلم تكن شهرتها وليدة مصيبتها وحدها.
كان لها لسانٌ شاعر، وملكةٌ راسخة، ومعرفةٌ بمذاهب القول.
ولهذا بقي اسمها في كتب الأدب لا بوصفها امرأةً أكثرَت البكاء، بل بوصفها شاعرةً كان لها في الرثاء مقامٌ لم يبلغه كثيرون.
ثم جاء الإسلام.
فأسلمت الخنساء، وأدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتذكر الروايات أنه كان يستنشدها شعرها ويقول لها: «هيه يا خنساء».
وكان دخولها الإسلام فصلًا آخر في حياتها؛ إذ انتقلت المرأة التي عاشت الفاجعة في الجاهلية إلى زمنٍ جديد، وبقيت شاعريتها حاضرة، وإن اختلفت الحياة من حولها.
ولم يمح الإسلام ما كان قبلَه من ذاكرتها، لكنه وضع تلك المرأة أمام أفقٍ آخر.
فالتي عرفت الفقد حتى الثمالة، عرفت كذلك أن للإنسان ما هو أبقى من دنياه.
وتُروى في آخر سيرتها قصةٌ ذائعة، أن لها أربعة أبناء شهدوا القادسية، وأنها أوصتهم بالصبر والثبات، ثم بلغها خبر استشهادهم جميعًا، فقالت قولتها المشهورة في حمد الله ورجاء لقائهم في رحمته.
غير أن هذه الرواية، على شهرتها في كتب التراجم، ليست مما يصح أن نجزم بكل تفاصيله؛ فقد تكلّم أهل الحديث في إسنادها.
ومهما يكن من أمر الرواية، فإنها تكشف لنا عن صورةٍ ظلّت ملازمةً لاسم الخنساء في الذاكرة العربية: امرأةٌ ذاقت مرارة فقد الإخوة، ثم نُسب إليها أنها ذاقت فقد الأبناء، فلم يكن الحزن في حياتها عابرًا، بل كان كأنه رفيقٌ طويل المقام.
ولعل لهذا ظلت الخنساء استثناءً.
فهي لم تكن شاعرةً رثت أخًا ثم انقضى الأمر.
كانت امرأةً جعلت من الفقد بابًا إلى الشعر، ومن الشعر سبيلًا إلى البقاء.
والموت، مهما بلغ سلطانه، لا يملك إلا الجسد.
أما الأثر، فله شأنٌ آخر.
وهذا ما فهمته الخنساء، وإن لم تقله بهذه العبارة.
فالموت يأخذ الإنسان مرةً.
أما النسيان فيأخذه مرتين.
والخنساء لم ترضَ لصخرٍ أن يموت مرتين.
كلما قالت:
قذى بعينك أم بالعين عوارُ
أم ذرّفت إذ خلت من أهلها الدارُ
عاد صخر من جهة الكلام.
وكلما قالت:
أعيني جودا ولا تجمدا
ألا تبكيان صخر الندى
عاد اسمه من جهة الشعر.
وهكذا صار الذي دفنته الأرض محفوظًا في اللغة.
وصارت الخنساء، التي أرادت أن تحفظ أخاها، محفوظةً معه.
وهنا تبلغ الحكاية غايتها.
فالمرأة التي دخلت القصيدة وهي تريد أن تقول: كان هنا صخر، خرجت منها وقد صار اسمها هي أيضًا من أسماء الشعر التي لا تُنسى.
لم تكن تطلب خلودًا.
كانت تطلب ألّا يطول على فقيدها سلطان الغياب.
فأعطاها الشعر ما لم تطلب.
أعطاها صخرًا في القصيدة، وأعطاها هي مقامًا في الأدب.
وأعطى العرب امرأةً كلما أرادوا أن يعرفوا كيف يكون الرثاء، وجدوا صوتها قائمًا في صدر الديوان.
وهكذا مضت السنون.
اندثرت وجوه، وسكتت ألسنة، وتبدلت قبائل وديار، ووارى التراب رجالًا كانت الدنيا يومًا تضج بأسمائهم.
أما الخنساء، فما زالت كلما ذُكر الرثاء أقبلت من وراء القرون.
امرأةٌ لم يستطع الموت أن يردّ إليها من أحبّت.
فردّت هي إليهم ما استطاعت:
أسماءهم.
وصورهم.
ومآثرهم.
ثم ردّت إليهم الحياة في أعتق ما يملكه الإنسان من حياة:
الكلمة.
الخنساء...
تماضر بنت عمرو السلمية.
امرأةٌ أخذت منها المنية من أحبّت، فأخذت هي من المنية سلطان النسيان.
بقلم: بسمة جمعة القاضي
#بسمة_جمعة_القاضي