إخفاء النفس

هل أصبحنا بارعين في إخفاء أنفسنا لدرجة أننا لم نعد نعرفها؟

أخطر ما قد يحدث للإنسان ليس أن يسيء الآخرون فهمه، بل أن يقضي سنوات طويلة في تقديم صورة مختلفة عن نفسه، حتى يفقد القدرة على التمييز بين حقيقته وما اعتاد إظهاره.
تأمل قليلًا عدد المرات التي غيرت فيها رأيك حتى لا تبدو مختلفًا، أو أخفيت اهتمامًا لأنك خشيت السخرية منه، أو تصرفت بعكس طبيعتك حتى تحافظ على مكانتك في نظر شخص آخر. قد تبدو هذه مواقف عابرة، لكنها حين تتكرر تتحول إلى عملية مستمرة من إعادة تشكيل الشخصية وفقًا لما يرضي المحيطين.
نحن لا نعيش بشخصية واحدة في جميع المواقف؛ فمن الطبيعي أن تختلف طريقة حديثنا في العمل عنها مع الأصدقاء أو الأسرة.
 لكن هناك فرقًا بين المرونة الاجتماعية وبين أن يصبح الإنسان غريبًا عن اختياراته، عاجزًا عن تحديد ما يمثله فعلًا.
حين تتحول الشخصية إلى مشروع لإرضاء الآخرين
في كثير من الأحيان، لا يخفي الإنسان نفسه لأنه لا يعرف حقيقتها، وإنما لأنه تعلم أن بعض جوانبها قد لا تحظى بالقبول. فيبدأ بتعديل تفاصيل صغيرة: رأي لا يعلنه، رغبة يؤجلها، موهبة لا يظهرها، أو حلم يتخلى عنه لأنه لا يتوافق مع توقعات أسرته أو مجتمعه.
وهكذا تصبح نظرة الآخرين مرجعًا أساسيًا لتقييم الذات. فلا يعود السؤال متعلقًا بمدى اقتناعنا بما نفعل، بل بمدى إعجاب الناس به.
وهنا تظهر مفارقة تستحق التأمل: قد يحصل الإنسان على التقدير الذي سعى إليه طويلًا، لكنه لا يشعر بالرضا؛ لأنه يدرك في داخله أن هذا التقدير موجه إلى صورة صنعها بعناية، وليس بالضرورة إلى حقيقته.
هل يمكن أن نفقد هويتنا دون أن نلاحظ؟
فقدان الاتصال بالذات لا يحدث عادةً في لحظة واحدة، بل يتسلل عبر اختيارات متراكمة. قد يكتشف الإنسان أنه لا يعرف كيف يقضي وقت فراغه دون توجيه، أو أنه يتردد في التعبير عن رأيه حتى في الأمور البسيطة، أو أنه يشعر بالقلق عندما لا ينال استحسان الآخرين.
وقد يصبح النجاح نفسه مصدرًا للحيرة؛ لأنه لم يعد يعرف هل يسعى إليه بدافع شخصي، أم لأنه الطريق الذي يضمن له الاعتراف والتقدير.
وهنا ترتبط هذه الحالة أحيانًا بضعف وضوح الهوية الذاتية، وبالاعتماد المفرط على التقييم الخارجي. فكلما ارتبط تقدير الإنسان لنفسه بقبول الآخرين، أصبح أكثر عرضة للتأثر بتوقعاتهم وتقلب أحكامهم.
استعادة الذات لا تعني إعلان الحرب على المجتمع ، ليس المطلوب أن نتصرف دون مراعاة للآخرين، أو أن نرفض كل ما لا يتفق مع رغباتنا، وإنما أن نعيد لأنفسنا حق المشاركة في قرارات حياتنا.
يمكن أن نبدأ بمراجعة اختياراتنا التي اعتدناها دون تفكير، والعودة إلى الاهتمامات التي أهملناها، والتعبير عن آرائنا حتى عندما لا تحظى بالإجماع. كما يمكننا أن نتعلم التفريق بين النقد الذي يساعدنا على التطور، والحكم الذي يدفعنا إلى إنكار أنفسنا.
والأهم أن ندرك أن الاختلاف ليس عيبًا يحتاج إلى إصلاح، وأن عدم إعجاب شخص ما باختياراتنا لا يجعلها خاطئة بالضرورة.
في النهاية...
ربما اعتدنا سؤال الآخرين عن انطباعهم عنا أكثر مما سألنا أنفسنا عن شعورنا تجاه حياتنا. وربما قضينا وقتًا طويلًا في تحسين صورتنا الخارجية، دون أن ننتبه إلى المسافة التي اتسعت بين تلك الصورة وبين حقيقتنا.
لا أحد يستطيع أن يعيش بمعزل عن المجتمع، لكن لا ينبغي أن يتحول المجتمع إلى مرآة وحيدة نرى أنفسنا من خلالها.
فالسؤال الأهم الذي قد نحتاج إلى مواجهته اليوم هو: لو اختفت توقعات الجميع، ولم يعد هناك من ينتظر منك أن تكون شخصًا معينًا، فمن الشخص الذي ستختار أن تكونه؟
د.دينا فتحي

إرسال تعليق

أحدث أقدم