حوار مع الملحن وليد سالم
في جلسة دافئة تعبق بالحنين وروح الإبداع العابر للحدود، ننتنقل اليوم في عالم فنان حمل نغمات وطنه مصر ليطوف بها، فصاغ مشروعًا موسيقيًا متفردًا يجمع بين شجن الشرق وأصالة الكلمة. ضيفنا اليوم هو الملحن المبدع وليد سالم، صاحب التجربة الواسعة التي تنقلت ببراعة بين الأغنية الوطنية، والرومانسية، والدرامية، وصولاً إلى التجارب متعددة الأنماط. في هذه "القعدة" الخاصة جدًا، نتحدث عن كواليس تلحينه لكوكبة من النجوم والشباب، وفلسفته في دعم المواهب وصناعة الأغنية بروح حقيقية.
1-اهلا بالمبدع وليد سالم في مجلة قعدة مبدعين، متى بدأت تسكن الموسيقى داخلك، وما هو أول مشروع بدأت به ؟
أنا مرتبط بالموسيقى منذ طفولتي، وتأثرت بالموسيقى الغربية، خصوصًا ABBA وBee Gees وModern Talking، وفي الوقت نفسه نشأت داخل أسرة عاشقة للفن الشرقي؛ فوالدي كان يحب محمد عبد الوهاب وأم كلثوم، ووالدتي كانت عاشقة لعبد الحليم حافظ.
هذا التنوع جعلني أتشرّب الموسيقى الشرقية والغربية، حتى بدأت تعلم العزف على البيانو. وكانت أولى محاولاتي في التلحين عندما قرأت قصيدة لأحد أصدقائي ولحنتها، فنالت إعجاب أستاذ الموسيقى مصطفى بشير ، الذي علمني العزف وشجعني على احتراف التلحين.
وكان أول مشروع فني لي مع المطرب أحمد مصطفى من خلال أغنية «الدنيا في الحب جميلة»، وهي أغنية تحمل روحًا تراثية، وأعجب بها أحد المطربين الشباب المعروفين وقتها وكان ينوي تقديمها، لكن المشروع لم يكتمل بسبب اختلافه مع الشاعر .
2-لنبدأ من محطة الغربة والإبداع؛ كيف تؤثر بيئة الإمارات كوطن ثانٍ على مخيلتك الموسيقية وأنت تبدع من هناك بروح مصرية خالصة؟
الإمارات هيأت لي بيئة مناسبة جدًا للعمل والإبداع؛ فهي تجمع بين الفن والتراث، ويبرز فيها الفن الخليجي بألوانه المختلفة، إلى جانب الاهتمام بالكلمة والشعر.
وجودي هناك منحني الهدوء والسكينة التي أحتاجها أثناء العمل؛ فأستطيع أن أقرأ الكلمات وأعيش إحساسها ثم أترجمها إلى لحن، بعيدًا عن الضوضاء والزحام.
كما أن الإمارات تجمع ثقافات متعددة، مع قدر كبير من الهدوء واحترام الآخرين، إلى جانب حضور الفن الأصيل والتراث الإماراتي والخليجي، وهو ما يجعلها بيئة ثرية وملهمة بالنسبة لي، و اتشرف بالحصول علي عضوبة جمعية الملحنين الاماراتيه.
3- عرفت مسيرتك بتنوع لافت للانتباه؛ فقد قدمت الأغنية الوطنية، الرومانسية، والدرامية، فضلًا عن خوضك تجارب موسيقية متعددة الأنماط. كيف ترى قدرة الملحن الحقيقي على التنقل بين هذه القوالب المختلفة دون أن يفقد هويته؟
أرى أن قدرة الملحن الحقيقية تظهر في قدرته على التنقل بين القوالب المختلفة؛ من الرومانسي والدرامي إلى اللاتيني والوطني والديني، بحسب حالة النص.
الكلمات هي التي تقودني إلى الحالة الموسيقية المناسبة، ودائمًا أقول للشعراء إن النص القوي يفتح للملحن مساحات واسعة للإبداع.
ثم يأتي دور الموزع الموسيقي، الذي يضع اللحن في الإطار المناسب ويبرز تفاصيله؛ فقد يكون اللحن جميلًا لكن التوزيع لا يخدمه، والعكس صحيح، فالتوزيع الجيد قادر على إبراز قيمة اللحن ومنحه روحًا مختلفة.
4-لفت انتباهنا في مشوارك تلك الخريطة الواسعة والمتنوعة من الأصوات التي تعاونت معها؛ فقد جمعتك الألحان بنجوم كبار مثل حسن فؤاد، ريكو، إبراهيم عبد القادر، ومجد القاسم، إلى جانب اصوات طربية وعربية واعدة مثل صوليست الأوبرا رضوى إراهيم، المنشد أحمد العمري، المطربة المغربية سلوى زينون، الأردنية نانسي بترو، اللبنانية روزاليا، إضافة إلى الأسماء الشبابية الواعدة كأمل منسي، جنة الجندي، وأسماء الشريف. كيف تدير هذه التوليفة الثرية من جنسيات وخامات صوتية متباينة؟
الكلمة تفرض نفسها.. واختيارات الفنان جزء كبير من نجاحه،
أنا لا أختار اللحن منفصلًا عن الكلمات؛ فالكلمة هي نقطة البداية، وهي التي تحدد الحالة والمزاج والاتجاه الموسيقي.
وأحيانًا يكون الفنان نفسه هو الذي يفرض شكل اللحن من خلال صوته وشخصيته. وهناك حاليًا أغنية جديدة نعمل عليها بعنوان «وسألتك»، وتبدأ بـ«وسألتك من فضلك»، وأعتقد أنها ستكون تجربة مختلفة.
وبعد الكلمة تأتي اختيارات الفنان، وهي عامل أساسي في نجاحه واستمراره. وهذه الفكرة تعلمناها من محمد عبد الوهاب، وأراها واضحة في تجارب فنانين مثل عمرو دياب وعبد الحليم حافظ، فالموهبة والصوت مهمان، لكن اختيار العمل المناسب في التوقيت المناسب يصنع فارقًا كبيرًا.
5-عُرفتَ دائمًا بحرصك على التعاون مع شعراء مختلفين، ومد يد المساعدة ودعم التجارب الفنية الجديدة . إلى أي مدى تؤمن بأن صناعة الأغنية هي فعل تشاركي جماعي وليست جهدًا فرديًا؟
أنا مؤمن جدًا بالشباب، لأن مصر لا يمكن اختزالها في عدد محدود من الشعراء أو الملحنين. لدينا أكثر من 120 مليون مواطن، ومن الطبيعي أن تكون لدينا مواهب وطاقات هائلة تحتاج إلى من يكتشفها ويمنحها الفرصة.
وأرى أن صعود المهرجانات كان في جانب منه نتيجة لعدم حصول بعض الشباب على الفرصة الكافية، فقدموا خلطة موسيقية جديدة حققت انتشارًا واسعًا، وليس كل ما يقدم فيها ينتمي إلى الكلمات السطحية أو العنيفة.
وأنا حريص على التعاون مع المواهب الجديدة، وقد عملت مع محمد راضي، وعلاء راشد، ومحمد عبد المنعم، وأنور عبيد، ومحمد عاطف، وعمر هشام وغيرهم.
وصناعة الأغنية عمل جماعي؛ تبدأ بالكلمة، ثم اللحن والتوزيع والمكساج والهندسة الصوتية وصولًا إلى الفيديو كليب أو الـLyrics Video. ورغم أن المستمع يسمع الأغنية في دقائق قليلة، فإن تنفيذها قد يستغرق شهورًا.
6-وسط كثرة التحديات في سوق الإنتاج الفني اليوم، كيف يوازن الملحن بين الحفاظ على هويته الفنية الأصيلة وبين مواكبة متطلبات العصر والمتغيرات السريعة في عالم الموسيقى؟
الإنتاج الموسيقي يواجه أزمة حقيقية؛ فلم نعد نرى شركات إنتاج بالمعنى القديم التي تتبنى المواهب وتبحث عن الأصوات الجديدة، وأصبح كثير من الفنانين ينتجون أعمالهم بأنفسهم.
لذلك نحن بحاجة إلى إعادة النظر في منظومة الإنتاج، لأن هناك مواهب كثيرة تظهر كل عام ولا تجد الجهة التي تتبناها أو الإنتاج الذي يساعدها على الاستمرار.
أما الملحن، فلا بد أن يكون مرنًا ومواكبًا للعصر، وأن يعرف ما يحدث في السوق وما يسمعه الجمهور، خصوصًا الشباب.
وأرى أن المهرجانات تعتمد في جانب كبير منها على إيقاعات معروفة مثل المقسوم، لكن مع توظيف عناصر وإيقاعات ومؤثرات تمنحها شكلها الحالي. المهم هو كيفية توظيف الإيقاع وتقديمه بشكل مختلف وبشخصية الملحن الخاصة.
وأرى نموذجًا مهمًا في الأستاذ عمرو مصطفى، الذي يستطيع تقديم اللون الموسيقي بروحه الخاصة.
وفي النهاية أعود دائمًا إلى أن الأغنية الجيدة تبدأ من الكلمة. ومن التجارب التي أعتز بها «صباح إسكندراني» لمجد القاسم، من كلمات سحر متولي، وكذلك «وليه تندم» للفنان محمد راضي، بمشاركة الفنان حسن فؤاد.
7-من هو الفنان الذي تعاملت معه بأريحية عن غيره ؟
لا يوجد فنان تعاملت معه إلا وكانت هناك "كيميا" تجمعني به، وأعتز بالعلاقات الفنية والإنسانية التي جمعتني بزملائي.
ومن أقرب الأسماء إلى قلبي الفنان ريكو، فهو بالنسبة لي أسطورة فنية ومدرسة أصيلة في الفن الشعبي، وأتمنى أن يحظى بالتكريم والاهتمام الذي يستحقه، خاصة أنه لا يزال يقدم الفن حتى اليوم.
وعلى المستوى الشخصي، ريكو حبيب وأخ فاضل، وهناك تواصل دائم بيننا.
وكذلك الأستاذ إبراهيم عبد القادر، والأستاذ مجد القاسم، الذي تربطني بهم علاقة صداقة حقيقية قبل أن تكون علاقة فنية.
وبشكل عام، الحمد لله، لم أعمل مع فنان إلا وكانت تجمعني به علاقة طيبة ومحترمة.
8-بصفتك مغترب، هل تعتقد أن الموسيقى قادرة حقًا على توحيد الثقافات العربية؟
الأغنية لغة عالمية، وأنا أستمع إلى أغانٍ روسية وتركية ويونانية ورومانية رغم أنني لا أتحدث هذه اللغات، كما لحنت أغانٍ باللغة الفرنسية وحرصت على فهم معانيها ومضمونها.
الفن لا يحتاج دائمًا إلى فهم اللغة حتى يصل إلى الجمهور، وهناك أعمال هندية وأفريقية وصلت إلى العالم، كما وصلت أعمال عربية ومصرية إلى مختلف أنحاء الوطن العربي.
الفن في النهاية لا جنسية له، وهو إحدى أهم أدوات القوة الناعمة. ومصر تحديدًا امتلكت قوة ناعمة هائلة في الغناء والسينما والمسرح، ولذلك يجب أن نحافظ على هذه المكانة ونطورها، لأن التريند قد يظهر ويختفي، لكن العمل الجيد الذي يحمل قيمة ومعنى يبقى.
9-حدثنا عن مشروعك الغنائي الجديد الذي تعمل عليه حاليًا، وما الذي تراهن عليه ليكون خطوة مميزة وإضافة حقيقية لمسيرتك الموسيقية؟
لدي عدد من الأغاني التي كنت أتمنى أن ترى النور، لكن مشكلة الإنتاج وغياب الجهات التي تتبنى الأعمال الجديدة عطلا تنفيذها.
لذلك قررت خوض التجربة بشكل مختلف من خلال جروب فني يضم مجموعة من المطربين والشعراء، أشارك فيه بالتلحين والإشراف الموسيقي.
لا أستطيع الكشف عن التفاصيل الآن، لكن أستطيع أن أعد الجمهور بلون موسيقي مختلف وجديد.
ويشرفني أن يشارك معي الشاعر محمد راضي، والفنان والشاعر راجي، إلى جانب مجموعة من المطربين الشباب، وأنا أتحمل إنتاج المشروع وتمويله.
النجاح ليس مضمونًا، لكن المهم أن أقدم شيئًا جديدًا ومحترمًا أؤمن به؛ فالنجاح في النهاية نصيب وتوفيق من ربنا.
10-ما رأيك في هذا الحوار وفي مجلة قعدة مبدعين؟
أتوجه بخالص الشكر والتقدير لمجلة "قعدة المبدعين" وللأستاذة الشاعرة، الصحفية يمنى أبو السباع على هذا الحوار الجميل والممتع.
الأسئلة كانت مختلفة وجديدة، وبعضها جعلني أفكر كثيرًا قبل الإجابة، كما اتسم بعضها بالجرأة والصراحة، وسعدت بالإجابة عنها بكل وضوح.
أتمنى أن أكون ضيفًا خفيفًا عليكم، وأتمنى للمجلة وللقائمين عليها مزيدًا من النجاح والتقدم، وكل الشكر والتقدير لكم.
سعدنا بهذا الحوار مع الملحن الكبير وليد سالم
ومن مجلة قعدة مبدعين نتمنى لك كل التوفيق والنجاح.
حوار بقلم: يمنى أبو السباع