عزيزي المجهول...
السلام على قلبك، حيثما كان، وأينما أودعته الليالي من أسرارها.
أفتأذن لي برسالة، وأنا الغريبة عن دارك، الدخيلة على أعتابك، التي ما وطئت عتبتك يومًا، ولا كان بيني وبينك من العهد إلا ما ينسجه الغيب ثم يطويه؟
سيدي...
إذا جنّ الليل، واستحكم ستره، وخفَتت في الآفاق أصوات النهار، آويت إلى خلوتي، ورتّبت الظلال من حولي كجواريَ قصرٍ في حضرة ملك، ثم امتطيت صهوة الجياد، واخترت من الثياب أجملها، ومن الكلمات أعتقها؛ تلك التي مرّت عليها السنون حتى شاخت، وعركها الدهر، فلم يبقَ منها إلا فخامة الأثر.
وأحلّ ضفائر حرفي، وأمشّطها على مهل، كضفائر طفلةٍ ذاهبة إلى نُزهةٍ ظلّت في خاطرها أعوامًا، لا تدري أإلى فرحٍ تمضي، أم إلى حلمٍ آخر من أحلام الصغار.
ثم أفتّش في خزائن اللغة عن لفظةٍ لم تفسدها كثرة الاستعمال، وعن كلمةٍ ما زالت تحتفظ بعطرها الأول، كأنها أُخرجت لتوّها من طيّ رقٍّ أصفر، نامت بين ثناياه أعوامًا، حتى شاخت حروفها وبقي سرّها.
وأنتقي من الصمت ما يليق بمقامك، ومن الحروف ما تعجز اللغة عن تفسيره
وأُعمل النظر في عباراتي، فأستبقي منها ما لا يشي، وأدفن بين سطورها ما لا ينبغي له أن يُسمّى؛ فبعض المعاني خُلقت لتظلّ مستترةً في أعطاف الكلام،تُدرك ولا تُفسّر، كعطرٍ عتيقٍ علق بستارة قصرٍ هجره أهله، وبقي أثره شاهدًا على أمسياتٍ لم يعد يعرفها أحد.
ولعلّ أصدق ما في رسالتي هو ما أعجز عن قوله،
ولعلّ بعض الحروف لا تُكتب كي تصل،
بل كي تجد أخيرًا موضعًا تستريح فيه من ثقلها.
فإن بلغت رسالتي دارك يومًا،
فلا تعجب من غريبةٍ طرقت بابك بحروفها.
فقد تكون الأرواح أقدم معرفةً من الأسماء،
وأبعد نسبًا من الأنساب،
وأعرف ببعضها مما يظن أهل الأرض.
وإن لم تبلغ...
فحسبها أنها خرجت من قلبٍ أتاك بالسلام،
ثم آوت إلى عتبة محرابك، وإن لم تظفر بها يدك.
- لـ بـسـمـة جـمـعـة الـقـاضـي
#بـسـمـة_جـمـعـة_الـقـاضـي
4:00am
28/9/2026