الإلتفاتة الأخيرة .

 الإلتفاتة الأخيرة .



هناك في المدى الذي تتوارى فيه أطراف الحي كسرٍّ قديم، يستريح المقهى ليأوي الهاربين من ضجيج العالم، أولئك الذين أثقلهم تعب العمر وتغربت أرواحهم دون أن ينقلوا خطاويهم.

كان المكان يقتات على الهدوء والانتظار. في كل مرة يدفع فيها الباب الخشبي، يخرج إلى الشارع دفء محمل برائحة كعكة القرفة، ليشتبك مع عبق عطر قديم يملأ الزوايا؛ رائحة شفيفة تتضوع كأنها أثر لرسالة حب مشتهاة تأخرت عقودًا، أو بقايا وطن رحيم حُمِل في حقيبة سفر قديمة.

في ركنه الهادئ، يجلس متخفيًا خلف جريدة مهملة، يمرر أصابعه بتريث على ربطة عنقه ليعدل ياقته، محاولًا ردم شروخ تعب يجثم على كاهله. حوله على الجدران الشاحبة تبتسم صور نجمات هوليوود في فترة الأربعينيات، بنظرات بالأبيض والأسود مقفلة على سحرها الخاص، يحرسن زمنًا هاربًا يأبى أن يعود، وينظرن بلهفة شفوقة إلى هذا الغريب الجالس في المدى.

وعلى الطاولة المجاورة يتآكل العمر هادئًا بين عجوزين ورقعة شطرنج. يرفع أحدهما قطعة الملك بقبضة واهية، ثم يحدق في الفراغ حوله ليضعها بتنهيدة محملة بشجن الأوطان البعيدة: «في الشطرنج كما في الحياة نزنر أيامنا بالخوف، ونضحي بالقطع واحدة تلو أخرى لنؤجل السقوط. لكن الفجيعة ليست في خسارة المعركة، بل في أن نصل إلى آخر العمر على رقعة انمحت منها الملكة؛ ليبقى الملك بلا عرش، غريبًا في أرضه، وحيدًا بلا حلم.»

وفي غمرة ذلك الصمت، يتسلل من المذياع همس أغنية فرنسية بأنغام دافئة تشتعل لهفة، وتفتح في الهواء طاقة لغرباء الليل. مع النغمة الأولى تلوح النادلة الجديدة، تتهادى بفستانها القصير كأنها خرجت للتو من إحدى تلك الصور العتيقة، وهي تحمل بين يديها باقة ورود يقطر منها الندى، وكأنها تلوّن غربته بالجمال. تضع الزهور إلى جوار جريدته وتنساب، فيتبعها عطرها الشفيف كأمل مباغت ووطن صغير يفتح ذراعيه للغريب.

ومن بعيد، يتردد صوت الميترو وهو يصل لوسط المدينة، كصدى خافت لقطار يمضي في سباقه المحموم لا ينتظر أحدًا، يجر خلفه أزقة الراحلين والمتعبين. غير أن الوقت هنا يتوقف عن الركض، وتكف الرقعة عن كونها مقبرة للخشب، حين تلتفت السيدة وينكسر التعب والغربة على عتبة عينيها، ليعود الملك -ولو للحظة- إلى وطنه الأخير.

كاملة محمود الصيداوي .

فلسطين .

إرسال تعليق

أحدث أقدم