حوار صحفي مع د. يوسف العاصي الطويل

حوار صحفي مع د. يوسف العاصي الطويل
بين رفح والفكر والسياسة... رحلة باحث جعل من السؤال طريقًا إلى المعرفة

هناك شخصيات لا يمكن اختصار مسيرتها في مجموعة من الشهادات أو عناوين الكتب، لأن خلف كل شهادة حكاية، وخلف كل كتاب سؤالًا ظل صاحبه يطارده لسنوات طويلة.

ومن رفح في قطاع غزة بدأت حكاية الدكتور يوسف العاصي الطويل، الذي امتدت رحلته العلمية والفكرية بين فلسطين والأردن ومصر وهولندا والإمارات، جامعًا بين العلوم السياسية والفلسفة الإسلامية والدراسات العربية والإسلامية.

مسيرة طويلة لم يكن فيها الكتاب مجرد وسيلة للتعبير، بل كان رفيقًا دائمًا في الطريق؛ من سنوات الطفولة والأسئلة الأولى تحت الاحتلال، مرورًا بالفلسفة والغزالي، وصولًا إلى الدراسات السياسية والقضية الفلسطينية والبحث في علاقة الدين بالسياسة والصراع، ثم الانتقال في السنوات الأخيرة من مرحلة التشخيص والنقد إلى البحث عن بدائل تقوم على السلام والإصلاح والتجديد.

وفي هذا الحوار، تفتح مجلة قعدة مُبدعين مساحة خاصة مع الدكتور يوسف العاصي الطويل، للحديث عن الإنسان خلف الباحث، وعن الأسئلة التي صنعت مشروعه، وعن كتبه وقضاياه، وعن رؤيته للكتاب والنشر والإصلاح، وكذلك عن تجربته الجديدة مع دار الأثر الأدبي للنشر والتوزيع.

حوار مع شخصية فكرية لها رحلة طويلة مع السؤال والكتاب والقضية...

1 ـ دكتور يوسف، بدأت رحلتكم من رفح في قطاع غزة، ثم امتدت مسيرتكم العلمية والفكرية بين فلسطين والأردن ومصر وهولندا، وصولًا إلى الدكتوراه في العلوم السياسية. لو طلبنا منكم أن تحكوا لنا حكاية هذا الطريق بعيدًا عن الشهادات والمناصب، ما المحطات التي صنعت يوسف العاصي الطويل الذي نعرفه اليوم؟

إذا أردت أن أحكي المسيرة بعيدًا عن الشهادات والمناصب، فأعتقد أن البداية الحقيقية كانت في رفح، حيث وُلدت وعشت طفولتي وشبابي الأول تحت الاحتلال. خرجنا من هزيمة عام 1967 بصدمة كبيرة؛ فقد كنا نسمع خطابًا مليئًا بالوعود عن القوة والانتصار والأمجاد العربية، ثم وجدنا أنفسنا أمام واقع مختلف تمامًا.

في تلك السن بدأت أسأل: أين نحن من كل هذه الأمجاد؟ ولماذا وصلنا إلى الهزيمة والاحتلال؟ كان هذا السؤال، في تقديري، أول بذرة في تكويني الفكري.

في المرحلة الثانوية اتسعت دائرة القراءة عندي. كنت أبحث عن أي كتاب أو صحيفة تقع في يدي، وقرأت في اتجاهات مختلفة، بما فيها الماركسية والشيوعية والقومية العربية. وكانت تربيتي في البيت إسلامية، ولذلك عشت فترة من الأسئلة والشكوك ومحاولة البحث عن إجابات مقنعة.

لم تشبعني الشعارات ولا اللغة الفكرية الغامضة، وبدأت أميل إلى الفلسفة لأنها تتيح لي أن أبحث في أصل الأفكار وأسأل عن أسباب الأشياء بدل الاكتفاء بتلقيها.

عندما التحقت بكلية الآداب في جامعة عين شمس اخترت الفلسفة. وفي السنة الثانية، مع التعمق في الفلسفة الإسلامية، كان لأساتذة مثل الدكتور فيصل بدير عون والدكتور عزت قرني أثر كبير في تكويني.

ومن بين من درستهم شدني الإمام أبو حامد الغزالي بصورة خاصة. قرأته بطريقة مختلفة عن الصورة الشائعة التي تحمله مسؤولية إيقاف التفكير العقلي؛ فرأيت فيه عقلًا نقديًا يسائل الحواس والعقل والمذاهب وطرق المعرفة.

كما تأثرت بفلسفة كانط وبسؤاله عن حدود العقل. ومن هنا ترسخ عندي أن الإيمان والعقل لا يلغي أحدهما الآخر، وأن النقد ليس هدمًا بل طريق إلى معرفة أكثر رسوخًا.

كنت أتمنى أن أواصل الدراسات العليا مباشرة، لكن مرض والدي ووفاته أثناء عامي الجامعي الأخير أثّرا في ظروفي ونتيجتي.

ومع ذلك التحقت بمعهد الدراسات الإسلامية، وحصلت على دبلوم الدراسات العليا وأتممت تمهيدي الماجستير. ثم فرضت ظروف الأسرة والعمل نفسها.

ومررت بفترات عمل شاقة، حتى إنني عملت عاملًا يدويًا، لكن الكتاب لم يفارقني؛ كنت أحمله معي وأقرأ كلما سنحت الفرصة.

ثم جاءت محطة الإمارات، وكانت من أهم المحطات المعرفية في حياتي. وجدت مركزًا ثقافيًا كبيرًا، وهو المجمع الثقافي في أبوظبي، يضم مكتبة عامة وصالات محاضرات ومعارض وأنشطة ثقافية.

كنت أقضي فيه ساعات طويلة صباحًا ومساءً، وأقرأ في الفلسفة والفكر الإسلامي والتاريخ والسياسة. كانت تلك السنوات أشبه بجامعة مفتوحة وسّعت مداركي ووفرت لي مادة معرفية ضخمة.

أما دخولي المتعمق إلى دراسة السياسة والبعد الديني في الصراع فجاء من القضية الفلسطينية ومن قراءاتي في الصهيونية المسيحية.

وكان لكتاب الدكتورة ريجينا الشريف عن الصهيونية غير اليهودية أثر مهم في إعادة صياغة أسئلتي حول أسباب الانحياز الأمريكي لإسرائيل.

بعد ذلك بدأت أكتب في الصحف دراسات عن الغزو الفكري والتبشير والاستشراق والبعد الديني للصراع، وتحولت المقالات والأسئلة المتفرقة تدريجيًا إلى مشروعات بحثية وكتب.

وعلى الرغم من عملي الإداري والمهني لاحقًا، ظل الفكر والقراءة هما المحور الثابت في حياتي؛ إلى اليوم أشعر أن اليوم الذي لا أقرأ فيه ينقصه شيء أساسي.

2 ـ لديكم تنوع واضح بين العلوم السياسية والفلسفة الإسلامية والدراسات العربية والإسلامية. كيف انعكس هذا التداخل العلمي على طريقة تفكيركم وقراءتكم للأحداث والقضايا التي تتناولونها في كتبكم؟

انعكس هذا التداخل بعمق على طريقة تفكيري، لأن نقطة البداية عندي كانت دائمًا السؤال.

الفلسفة في جوهرها هي الدهشة والسؤال وألا نأخذ الأمور كما هي من دون تمحيص. منذ صغري كنت أميل إلى مناقشة حتى العبارات البسيطة التي نتلقاها في المدرسة، لا رغبة في الجدل لذاته، بل لأنني أريد أن أفهم: لماذا نقول هذا؟ وكيف نعرف أنه صحيح؟

ومع الدراسة الأكاديمية تعمقت هذه النزعة. الفلسفة بطبيعتها تتقاطع مع الدين والتاريخ والسياسة والعلوم الطبيعية والأخلاق؛ ولذلك تعلّمت أن الظواهر لا تعيش في جزر منفصلة.

عندما أقرأ حدثًا سياسيًا أو فكرة دينية لا تمر عندي مرور الكرام؛ أحاول أن أبحث عن جذورها وسياقها وأدلتها وما وراءها، وأن أختبرها بالعقل والتجربة وما يتاح من معرفة.

لهذا أصبح التفكير النقدي جزءًا أساسيًا من منهجي. الشك عندي ليس غاية ولا موقفًا عدميًا، بل أداة للوصول إلى فهم أعمق.

وكما أن ملاحظة بسيطة قد تفتح باب اكتشاف علمي كبير، فإن السؤال الذي يبدو صغيرًا قد يقود إلى شبكة واسعة من الأسئلة والمعارف.

وهذا التداخل بين الفلسفة والدراسات الإسلامية والسياسة والتاريخ هو الذي منحني، في تقديري، القدرة على النظر إلى القضية من أكثر من زاوية وربط الظاهرة بجذورها بدل الاكتفاء بسطحها.

3 ـ من «الصليبيين الجدد» إلى أعمالكم الحديثة حول غزة والتحولات السياسية والفوضى الإقليمية، يبدو أن هناك خيطًا فكريًا ممتدًا في مشروعكم. ما القضية الكبرى التي تشعرون أنكم أمضيتم سنوات طويلة في محاولة فهمها والكتابة عنها؟

القضايا التي كتبت عنها تبدو متعددة، لكنها بالنسبة إلي مترابطة.

منذ الطفولة تحت الاحتلال ظل سؤال الهزيمة والتناقض بين الشعارات والواقع حاضرًا: لماذا وصلنا إلى هنا؟ وما الجذور الحقيقية للأزمات التي نعيشها؟

ومن هنا انتقلت من القراءة العامة إلى الفلسفة والفكر الإسلامي والسياسة ونقد الخطابين الديني والسياسي.

إذا أردت تحديد الخيط الأبرز، فهو محاولة فهم البعد الديني في الصراع السياسي والتاريخي، لا بهدف التحريض على حرب دينية، وإنما من أجل التشخيص الصحيح.

في كتبي عن الصهيونية المسيحية حاولت اختبار التفسيرات الشائعة للانحياز الأمريكي لإسرائيل: المصالح، واللوبيات، ورأس المال، وغيرها.

رأيت أن هذه العناصر لا تكفي وحدها، وأن هناك تيارات دينية وعقدية مؤثرة ينبغي فهمها. وإذا أخطأنا التشخيص، فمن الطبيعي أن تكون وسائل العلاج خاطئة.

ولهذا لم يكن هدفي في «من هم الصليبيون الجدد؟» أو غيره صناعة العداء للمسيحية أو لليهودية؛ فأنا أرفض الكراهية الدينية.

هدفي كان تفكيك تيارات محددة توظف المقدس والنبوءات في السياسة والحرب، والتمييز بينها وبين أتباع الدين عمومًا.

ومن هنا امتد المشروع إلى «لاهوت الحرب»، حيث أحاول دراسة توظيف المقدس في الإسلام والمسيحية واليهودية، ثم إلى «الإبراهيمية الجامعة» بحثًا عن فضاء أخلاقي وحضاري مشترك يواجه التحريض والعنف، وصولًا إلى «فلسطين أرض السلام» الذي يسأل: كيف ننتقل من تحليل أسباب الصراع إلى بناء رؤية للسلام؟

في النهاية، القضية الكبرى التي شغلتني هي كيف نفهم جذور أزماتنا فهمًا عميقًا، ثم كيف ننتقل من التشخيص إلى العلاج.

فالدين في جوهره للهداية والرحمة وبناء الإنسان، وليس لتبرير القتل والدمار.

وإذا كانت الأماكن المقدسة عزيزة على المسلمين والمسيحيين واليهود، فالمطلوب أن نجد صيغة تحترم حق كل طرف في العبادة والوجود بدل أن نجعل المقدس وقودًا لحروب لا تنتهي.

4 ـ كتاب «من الانقسام الفلسطيني حتى طوفان الخراب»، وكتاب «طوفان الخراب»، ينتميان إلى لحظة تاريخية شديدة الحساسية. كيف يكتب الباحث عن حدث ما زال حاضرًا بكل تفاصيله وآثاره؟ وهل كان توثيق هذه المرحلة بالنسبة لكم مسؤولية علمية أم إنسانية أم الاثنين؟

القضية الفلسطينية عاشت، منذ وعيت عليها وأنا صغير، سلسلة متواصلة من اللحظات الحاسمة.

لذلك لا أرى أن الباحث مضطر دائمًا إلى انتظار عشرين سنة حتى يكتب عن الحدث. أحيانًا تكون أمامه من المعطيات والمؤشرات ما يسمح بقراءة الاتجاه الذي تسير إليه الأحداث والتحذير من نتائج محتملة، مع ضرورة التمييز بين المعلومة المؤكدة والتحليل والتوقع.

هذا ما فعلته في موضوع الانقسام الفلسطيني. قبل دخول حماس إلى السلطة كتبت محذرًا من مسارات كنت أخشى أن تقود إلى مأزق سياسي وإنساني، وبعض هذه الكتابات منشور في الصحافة منذ ذلك الوقت.

كما أنني كنت قريبًا من الواقع؛ أولادي كانوا في غزة، وكنت أذهب إليها وأعود إلى عملي في الإمارات. ولذلك فإن جزءًا كبيرًا مما ظهر لاحقًا في كتبي كان في الأصل مقالات وملاحظات وتحليلات كتبت في زمن الأحداث نفسها ثم جُمعت ونُظمت في كتب.

لم يكن هدفي أن أكون مع فتح ضد حماس أو مع حماس ضد فتح. كنت أحاول أن أسأل: أين الحقيقة؟ وما الذي تقوله الوقائع؟ وإلى أين يقودنا هذا المسار؟

ولهذا انتقدت مختلف الأطراف عندما رأيت أن مواقفها تحتاج إلى النقد.

والأمر نفسه في الحرب التي أعقبت أحداث السابع من أكتوبر؛ فقد عبّرت منذ البداية عن مخاوفي من التدمير الواسع وخطر التهجير والثمن الإنساني الذي يمكن أن يدفعه الشعب الفلسطيني.

الاعتراف بحق الشعب الواقع تحت الاحتلال في المقاومة لا يعفي الباحث من مناقشة الوسائل وموازين القوى والنتائج، ولا من وضع حياة المدنيين في قلب الحساب.

لهذا كانت الكتابة عندي مسؤولية علمية وإنسانية معًا.

علمية لأنها تحاول توثيق الوقائع وربط المقدمات بالنتائج وترك النصوص مؤرخة بحيث يمكن للقارئ أن يعود إليها ويحكم عليها، وإنسانية لأن وراء الخرائط والتحليلات بشرًا وعائلات ومدنًا كاملة.

وغزة بالنسبة إلي ليست موضوعًا بحثيًا بعيدًا؛ هي جزء من تجربتي وذاكرتي وأسرتي.

ومع ذلك أحاول أن يكون انحيازي للإنسان الفلسطيني وحقه في الحياة والحرية والكرامة، لا لفصيل بعينه.

5 ـ في بعض مؤلفاتكم تجمعون بين البحث الأكاديمي والتحليل السياسي والفكر الديني والتاريخي. كيف تحافظون على التوازن بين الموقف الفكري للكاتب وبين الموضوعية التي يفرضها البحث والدراسة؟

الأصل في أي باحث أن يحاول، قدر استطاعته، أن يكون موضوعيًا ومنطقيًا وأمينًا فيما يطرحه.

لكنني لا أعتقد بوجود موضوعية مطلقة في العلوم الإنسانية؛ فالإنسان يحمل منظومة من القيم وتجربة شخصية وخلفية ثقافية ودينية واجتماعية، وكل ذلك يؤثر بدرجات مختلفة في رؤيته للأشياء.

هذا لا يعني أن نتخلى عن الموضوعية، بل يجعل الأمانة العلمية أكثر أهمية.

المطلوب أن نراقب انحيازاتنا وألا ننكر حقيقة لأنها لا توافق موقفنا.

يمكنني مثلًا أن أختلف بحدة مع سياسات الولايات المتحدة في قضية معينة، لكن ذلك لا يسمح لي بإنكار إسهاماتها الكبيرة في البحث العلمي والتكنولوجيا والفضاء ومؤسسات المعرفة.

الاعتراف بهذه الإنجازات لا يعني الموافقة على سياساتها، كما أن نقد سياساتها لا يبرر اختزالها في الشر.

وفي القضايا القيمية لا أستطيع أن أتجرد من كوني مسلمًا وعربيًا وفلسطينيًا، وهذه مكونات حقيقية في رؤيتي.

لكن الانتماء لا ينبغي أن يتحول إلى تبرير للخطأ؛ فإذا أخطأ الطرف الذي أنتمي إليه أو أتعاطف معه، فواجب الباحث أن يقول إن هذا خطأ.

لذلك أفهم الموضوعية باعتبارها سعيًا مستمرًا نحو الأمانة والتجرد قدر الإمكان، لا ادعاء حياد إنساني كامل يستحيل تحقيقه.

6 ـ كتاب «النزعة النقدية في فلسفة أبي حامد الغزالي» يكشف جانبًا مختلفًا من اهتمامكم بعيدًا عن القضايا السياسية المباشرة. ماذا أضافت لكم دراسة الغزالي تحديدًا؟ وهل تعتقدون أن الفكر التراثي ما زال قادرًا على تقديم أدوات لفهم أسئلة الإنسان المعاصر؟

اهتمامي بالفلسفة والدين قديم، وقد تحدثت عن أثر الغزالي في تكويني منذ سنوات الدراسة الأولى.

دخلت دراسة الفلسفة وفي ذهني أسئلة وشكوك كثيرة، وكان الغزالي من أكثر من منحني إجابات وطمأنينة معرفية، وأعاد إلي الثقة بقدرة الفكر الإسلامي على إنتاج فلسفة نقدية عميقة.

ما شدني إلى الغزالي أنه لم يتعامل مع المعرفة بالتسليم.

نقد الحواس، والعقل في مجالاته وحدوده، والمتكلمين، والفلاسفة، والباطنية، وبعض اتجاهات التصوف.

لم يكن النقد عنده هدمًا للعقل، كما يُصوَّر أحيانًا، وإنما محاولة لتحديد مجاله وبناء المعرفة على أسس أكثر صلابة.

وفي «تهافت الفلاسفة» مثلًا كان يناقش قضايا ميتافيزيقية رأى أن البرهان العقلي لا يستطيع حسمها بالطريقة التي ادعاها بعض الفلاسفة.

وقد وجدت في هذا المسار أوجه مقارنة مهمة مع الفلسفة الأوروبية الحديثة: منهج الشك عند ديكارت، وسؤال حدود العقل عند كانط، ونقد السببية عند هيوم.

وأنا أرى أن دراسة أوجه التأثير أو التشابه بين هذه المسارات تستحق اهتمامًا علميًا جادًا، بعيدًا عن المبالغة أو الأحكام السريعة.

ولهذا كان بحثي في الماجستير عن الغزالي، ثم جاء كتاب «النزعة النقدية في فلسفة أبي حامد الغزالي» امتدادًا لهذه الرحلة.

ما أريده ليس أن نعيد أجوبة الغزالي حرفيًا في القرن الحادي والعشرين، بل أن نستعيد روحه النقدية: أن نسائل الموروث والواقع معًا، ونميز بين مجال العقل ومجال الإيمان، ثم نبني.

أعتقد أن إعادة اكتشاف هذه الروح يمكن أن تكون إحدى الأدوات المهمة في تأسيس نهضة عربية وإسلامية معاصرة.

7 ـ مررتم بتجربة طويلة مع الكتاب الورقي والنشر في مؤسسات ودور مختلفة. اليوم نشهد تغيرًا كبيرًا في صناعة الكتاب ووصوله إلى القارئ. كيف ترون مستقبل الكتاب الفكري والسياسي في ظل التحول الرقمي وتغير عادات القراءة؟

نحن بالفعل أمام تحول كبير.

الناس تعودت بصورة متزايدة على القراءة عبر الحاسوب والهاتف والأجهزة اللوحية، وأعتقد أن النشر الرقمي سيصبح أكثر حضورًا لدى الأجيال الجديدة.

لكنني لا أتصور اختفاء الكتاب الورقي؛ له متعة وعلاقة خاصة بالقارئ: أن تمسك الكتاب، وتتصفحه، وتضع ملاحظاتك عليه، وتعود إلى صفحاته.

سيبقى، وإن تغيرت نسبته داخل سوق القراءة.

المشكلة الأعمق عندنا ليست الصراع بين الورقي والرقمي، بل أزمة القراءة وصناعة النشر في العالم العربي.

تكاليف الطباعة والتوزيع مرتفعة، والقدرة الشرائية محدودة، وسوق الكتاب الجاد ضيقة، وفي تجارب كثيرة يتحمل المؤلف جزءًا كبيرًا من التكلفة ولا يحصل دائمًا على شفافية كافية في المبيعات والطبعات وحقوقه.

وهذا كله يجعل حياة الكاتب والناشر الجاد صعبة.

لهذا أميل اليوم إلى إعطاء النشر الإلكتروني مساحة أكبر في مشروعي.

فهو يخفف بعض تكاليف الطباعة والتوزيع، ويسمح بوصول الكتاب إلى قارئ في أي مكان، ويمكن أن يفتح مجالًا أوسع للكتب الفكرية المتخصصة.

لكنه ليس حلًا سحريًا؛ يحتاج هو الآخر إلى حماية الحقوق والمصداقية وجودة التحرير والإخراج.

في تقديري، المستقبل سيكون مزيجًا بين الصيغتين مع ميل أكبر للرقمي: ورقي لمن يعشق احتضان الكتب وامتلاكها، ورقمي يوسع الانتشار وييسر الوصول.

والتحدي الحقيقي ليس شكل الوعاء، بل كيف نحافظ على جودة الفكرة والكتاب، ونستعيد عادة القراءة، ونبني صناعة نشر تحترم القارئ والمؤلف والناشر معًا.

8 ـ لديكم عدد كبير من المؤلفات، وبعضها جاء في أجزاء وسلاسل ممتدة. عندما تنظرون اليوم إلى هذا الإنتاج، هل هناك كتاب تشعرون أنه الأقرب إلى شخصيتكم الفكرية؟ ولماذا؟

أعتز بكل ما كتبته، لأن كل كتاب يعبر عن جانب من شخصيتي وعن سؤال شغلني في مرحلة من المراحل.

اهتماماتي ليست ذات بعد واحد؛ فيها الدين والفلسفة والسياسة والتاريخ، ولذلك يصعب أن أختار كتابًا واحدًا وأقول إنه يمثلني وحده.

لكن إذا كان لا بد من تحديد خيط له حضور خاص، فسأختار كتبي عن البعد الديني في الصراع، بدءًا من «من هم الصليبيون الجدد؟» وما تلاه من دراسات في الصهيونية المسيحية والبعد الديني للعلاقة الغربية بإسرائيل.

عندما بدأت الكتابة في هذه القضايا منذ أواخر الثمانينيات وبداية التسعينيات كان الحديث عن تأثير الدين في السياسة الغربية يبدو غريبًا لدى كثيرين، لأن النظرة السائدة كانت ترى الغرب علمانيًا بصورة تلغي أثر المعتقد الديني.

حاولت أن أبين أن الصورة أكثر تعقيدًا.

وأعتز كذلك بكتابي عن أحمد ديدات، لأنه اتخذ موقفًا نقديًا من تحويل الحوار الديني إلى حلبة انتصار وهزيمة وإساءة إلى معتقدات الآخرين.

كما أعتز بكتابي عن الغزالي لأنه حاول إعادة قراءة شخصية حمّلها كثيرون مسؤولية تراجع العقل، بينما رأيت فيها طاقة نقدية يمكن استعادتها.

القاسم المشترك هنا هو أنني لا أبحث عن الاختلاف لمجرد الاختلاف، وإنما أحاول مساءلة الفكرة الشائعة والدفاع عن قراءتي بالحجة.

واليوم أشعر أنني أنتقل من مرحلة التشخيص إلى مرحلة تقديم البدائل.

وهذا واضح في ثلاثية «لاهوت الحرب» و«الإبراهيمية الجامعة» و«فلسطين أرض السلام»: من تفكيك توظيف المقدس في الحرب إلى البحث عن ثقافة سلام وتعايش.

وفي الفكر الإسلامي لدي مشروع الإصلاح الديني، إلى جانب مشروع «الإسلام والعلم» الذي بدأته منذ أواخر الثمانينيات.

وفيه أتحفظ على المبالغة في ما يسمى الإعجاز العلمي، وأطرح بدلًا من ذلك سؤالًا أراه أهم: ماذا يمكن للقيم الإسلامية أن تقدم للعلم ولأخلاقيات استخدامه، من الطاقة النووية إلى الذكاء الاصطناعي؟

لذلك أرى كتبي حلقات في مشروع واحد: بعضها قام بالنقد والتشخيص، وبعضها أعاد قراءة التراث، وبعضها تناول السياسة والصراع، وما أعمل عليه اليوم يحاول الانتقال بصورة أوضح من نقد المشكلة إلى بناء البديل.

وأخيرًا لا أنسى أن أشير إلى كتابي أو روايتي عن حياتي وطفولتي وارتباطي بمخيم رفح الذي وُلدت فيه، «في حضرة المخيم».

هذا الكتاب هو الأقرب إلى قلبي، لأن كل ذكرياتي وأهلي وأصدقائي فيه، والآن مُسح هذا المخيم عن وجه الأرض وهُجّر أهله وهُدم بيتنا، ولكن تبقى الذكريات ويبقى الأمل بغدٍ مشرق وتحقيق ما نحلم به.

9 ـ هل تغير الدافع إلى الكتابة لديكم منذ أول كتاب وحتى اليوم، أم ظل الدافع نفسه؟

الدافع الأساسي لم يتغير منذ البداية: البحث عن الحقيقة والإحساس بالمسؤولية.

الكتابة عندي ليست ترفًا ولا مجرد هواية، وإن كنت أحب القراءة والكتابة حبًا عميقًا؛ أشعر أن المعرفة تضع على صاحبها أمانة، وأن عليه أن يحاول كشف ما يراه ملتبسًا أو غائبًا عن الناس، وأن يضيء القضايا التي تمس الشأن العام والأمة.

كنت دائمًا أحاول أن أفهم الملابسات وراء الأحداث والأفكار، ثم أشارك ما وصلت إليه بقدر ما أستطيع من أمانة.

والهدف النهائي لم يكن الكتابة من أجل الكتابة، وإنما أن تساهم المعرفة في الارتقاء بالإنسان والمجتمع، وفي مواجهة التخلف والهيمنة وأشكال السيطرة، وفتح أفق أفضل لمستقبل أمتنا وشعبنا.

قد تتغير الموضوعات والأدوات وتتسع الخبرة، لكن هذا الدافع ظل ثابتًا: أن تكون القراءة والكتابة فعل مسؤولية، وأن يتحول العلم من معرفة شخصية إلى مساهمة، ولو محدودة، في الإصلاح والوعي والبناء.

10 ـ ما الدافع الذي شجعكم على التعامل مع دار الأثر الأدبي للنشر والتوزيع؟ وما الذي تتمنونه من هذه التجربة؟

الدافع طبيعي بالنسبة لأي كاتب: عندما ينتهي من كتابه يبحث عن دار نشر مناسبة تستطيع أن تقدم عمله بصورة تليق به، وتحافظ على حقوقه الفكرية والمادية، وتساعده على الوصول إلى القارئ.

خلال مسيرتي تعاملت مع عدد من دور النشر، وخضت تجارب مختلفة، وتكونت لدي ملاحظات كثيرة على واقع صناعة النشر العربية، من ضعف سوق القراءة إلى مشكلات المصداقية والشفافية وحفظ حقوق المؤلف.

لهذا بدأت في السنوات الأخيرة أفكر بصورة أكثر جدية في النشر الإلكتروني، لأنه يفتح للكاتب آفاقًا أوسع في الوصول إلى القراء وتجاوز بعض مشكلات الطباعة والتوزيع.

ومن هنا بدأت تجربتي مع منصة «حروف» للنشر الإلكتروني، ووجدت في التواصل الأولي اهتمامًا بصناعة الكتاب الرقمي وخدماته، وبدأت أفكر في إنشاء منصة خاصة بكتبي ومشروعي الفكري.

لكن النشر الرقمي لا يلغي الحاجة إلى دار نشر تتولى الجوانب الرسمية والفنية، والنسخ الورقية، والمشاركة في المعارض والتوزيع.

ومن خلال هذا المسار تم ترشيح دار الأثر الأدبي لي، وبدأ التعاون معها.

وما زلت أعتبر أننا في بداية التجربة، ولذلك أفضل أن أحكم عليها من خلال ما يتحقق على أرض الواقع.

ما أتمناه هو بناء علاقة طويلة المدى تقوم على المصداقية والشفافية وجودة الكتاب واحترام حقوق المؤلف، لا على مجرد طباعة نسخة ورقية.

وفي المقابل، من واجب المؤلف أن يقدم عملًا جادًا متعوبًا عليه فكريًا وعلميًا وتحريريًا.

وطموحي أن تتطور التجربة إلى منظومة متكاملة تجمع الورقي والرقمي والمنصة الإلكترونية، وتتيح للكتاب أن يصل إلى القارئ بصورة مهنية.

الانطباع الأولي مشجع، وأتمنى أن تتضح آفاق التعاون أكثر مع اللقاء المباشر وزيارتي القادمة إلى القاهرة.

11 ـ إذا كان هناك قارئ يتعرف إليكم وإلى مؤلفاتكم للمرة الأولى، فما الكتاب الذي تنصحونه بالبدء به حتى يتعرف إلى مشروعكم الفكري؟

مشروعي الفكري، كما أراه، يقوم على ركيزتين: النقد والبناء.

لا أتعامل مع النقد باعتباره غاية، وإنما أحاول بعد تفكيك الفكرة وكشف ما أراه من أخطاء أو جوانب نقص أن أسأل: ما البديل؟ وكيف ننتقل من التشخيص إلى المعالجة؟

ولهذا يصعب أن أختار كتابًا واحدًا، لكن يمكنني أن أقترح مدخلين يكشفان طبيعة هذا المنهج.

المدخل الأول هو كتبي عن البعد الديني في الصراع والصهيونية المسيحية.

بدأت فيها من نقد تفسير شائع للانحياز الأمريكي لإسرائيل يركز على المصالح الاقتصادية واللوبيات وحدها.

لم أنكر هذه العوامل، لكنني حاولت أن أبين وجود عامل ديني وعقدي مهم لدى تيارات مؤثرة، وأن أتتبع جذوره التاريخية والفكرية.

ثم لم أتوقف عند التشخيص؛ خصصت مساحة لسبل المواجهة بالحوار الحضاري وحوار الأديان والعمل مع التيارات المسيحية الرافضة للتطرف، حتى لا يتحول نقد الصهيونية المسيحية إلى حرب دينية مضادة.

أما المدخل الثاني فهو «النزعة النقدية في فلسفة أبي حامد الغزالي»، لأنه يكشف الأساس الفلسفي والمنهجي في تفكيري.

جذبني في الغزالي أنه مارس النقد تجاه الفلاسفة والمتكلمين والباطنية وطرق المعرفة نفسها، ثم سعى إلى إعادة البناء.

وحاولت أن أسأل في الكتاب: ماذا يمكن أن نتعلم اليوم من هذه الروح النقدية؟ وكيف يمكن أن نستفيد منها في تأسيس نهضة عربية وإسلامية جديدة؟

لذلك، إذا أراد القارئ التعرف إلى مشروعي، أنصحه بأن يقرأ في هذين المسارين: البعد الديني في الصراع، والنزعة النقدية عند الغزالي.

ففيهما تظهر الفكرة التي أحاول الحفاظ عليها في معظم ما أكتب: نبدأ بالنقد والتفكيك، لكننا لا نتوقف عندهما؛ غاية النقد في النهاية هي البناء وتقديم البديل.

12 ـ بعد هذه المسيرة الطويلة، ما الكتاب الذي تتمنون أن تكتبوه أو تنجزوه؟

هناك أكثر من مشروع أتمنى إنجازه، وبعضها أعمل عليه بالفعل.

أحدها مشروع فلسطين ودورها الحضاري: كيف تتحول الأرض التي كانت ساحة للحروب والصراعات إلى مساحة لإنتاج فكرة السلام والتعايش.

وهناك مشروع «الإسلام والعلم» الذي أراه مهمًا في تأسيس رؤية للنهضة تتجاوز الخطاب الغيبي والتواكلي، وتعيد الاعتبار إلى العمل والإنتاج والعلم ضمن مفهوم الاستخلاف في الأرض.

لكن المشروع الأقرب إلى ما أتمنى أن أتركه بعد هذه المسيرة هو مشروع الإصلاح والتجديد الدي

إرسال تعليق

أحدث أقدم