هل نحن نعيش حياتنا أم نوثّقها؟

 هل نحن نعيش حياتنا أم نوثّقها؟

أحيانًا نخرج من البيت ونحن في حاجة إلى شيء بسيط؛ أن نبتعد قليلًا عن ضغط الأيام، نغيّر حالتنا النفسية، ونستمتع بوقتنا. نصل إلى المكان، ننظر حولنا، نستمتع بالجو، نضحك مع من نحب، ثم نُخرج الهاتف لالتقاط صورة؛ صورة للمكان، وأخرى لنا، وربما «ستوري» نشارك بها اللحظة مع الآخرين.

لكن وسط كل ذلك، يظل هناك سؤال يستحق أن نتوقف عنده قليلًا: هل نحن نعيش اللحظة فعلًا، أم أصبحنا منشغلين بتوثيقها أكثر من عيشها؟

أنا من الأشخاص الذين يحبون التصوير كثيرًا. أحب أن أتصور في أماكن مختلفة، وأشارك صوري عندما تعجبني. ليس لأنني أريد أن أثبت للآخرين أين ذهبت، أو لأن هدفي هو الحصول على أكبر عدد من الإعجابات، وإنما لأن المكان يعجبني، والصورة تعجبني، وأحب أن أشارك الآخرين لحظة جميلة عشتها.

لكنني، في الوقت نفسه، أحب أن أستمتع بالمكان أولًا، ثم أبدأ في التصوير. أترك الهاتف جانبًا لبعض الوقت، أعيش الجو من حولي، وبعدها ألتقط بعض الصور. فالخروجة بالنسبة لي في الأساس للاستمتاع، والصور تأتي كجزء من هذه المتعة، وليست هي الهدف منها.

الصورة بالنسبة لي ليست مجرد لقطة أنشرها على مواقع التواصل الاجتماعي، وإنما ذكرى أحتفظ بها. فعندما أعود إلى صورة قديمة، لا أتذكر الصورة وحدها؛ أتذكر المكان والجو، وكيف التقطتها، ومن كان معي، وما الذي حدث في تلك اللحظة. أحيانًا تكفي صورة واحدة لتعيد إليّ تفاصيل يوم كامل، وكأنها تفتح بابًا لذاكرة ظننت أنني نسيتها.

لكن الصورة لا تحمل المعنى نفسه عند الجميع. فهناك من أصبح يهتم كثيرًا بأن يرى الآخرون حياته، فيصوّر خروجاته وتفاصيل يومه وينشرها، ثم ينتظر الإعجابات والتعليقات. ومع الوقت، أصبحت مواقع التواصل الاجتماعي بالنسبة لبعض الأشخاص أكثر من مجرد وسيلة للتواصل، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من حياتهم، وأصبح رأي الآخرين يؤثر في الطريقة التي يقدمون بها أنفسهم.

وقد يصل الأمر إلى أن يصنع الإنسان شخصية مختلفة عن شخصيته الحقيقية على مواقع التواصل الاجتماعي؛ فيظهر أكثر سعادة، أو نجاحًا، أو مثالية؛ لأنه يعتقد أن هذه الصورة ستحصل على إعجاب أكبر. ومع تكرار ذلك، قد يجد نفسه يحاول التكيف مع الشخصية التي صنعها أمام الآخرين، بدلًا من أن يعيش بشخصيته الحقيقية.

وهنا تكمن المشكلة؛ فليس الخطأ في أن نلتقط الصور أو نشارك لحظاتنا، وإنما في أن تصبح نظرة الآخرين هي التي تحدد قيمة هذه اللحظات.

فعندما نخرج من المنزل، خصوصًا عندما نكون في حاجة إلى الراحة، يجب أن نمنح أنفسنا فرصة حقيقية للاستمتاع؛ أن نضحك، ونتحدث، وننظر حولنا، ونعيش التفاصيل الصغيرة، دون أن نشعر بأن علينا تحويل كل لحظة إلى صورة أو «ستوري».

يمكننا بالطبع أن نلتقط الصور، ونشاركها، ونفرح بتفاعل الآخرين، لكن يجب ألا ننسى أن أجمل ما في الخروجة ليس الصورة التي سننشرها، وإنما اللحظة التي عشناها قبل أن نلتقطها.

وفي النهاية، لا أرى أن علينا أن نتوقف عن توثيق حياتنا، بل أن نتذكر لماذا نوثّقها.

أنا لا أريد أن أصوّر لأثبت للناس أين كنت، بل أصوّر لأتذكر أين كنت، وكيف كنت أشعر وقتها.

فالصورة تستطيع أن تحفظ لنا اللحظة، لكن لا ينبغي أن تجعلنا نفقدها.



بقلم:- أسماء رمضان 

إرسال تعليق

أحدث أقدم